
إعداد
عامر ديب
رئيس مجلس النهضة السوري
سوريا

لم يعد الحديث عن أمن الطاقة مجرد ترف فكري أو توقعات أكاديمية، بل تحول إلى ضرورة وجودية للدول مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. إن إغلاق أو تهديد الممرات المائية الحيوية، وتحديداً مضيق هرمز وباب المندب، وضع العالم أمام حقيقة قاسية: سلاسل التوريد التقليدية هشة، و”حرب البدائل” قد بدأت بالفعل لتغيير خارطة النقل العالمي.
تجاوز “عنق الزجاجة”: الاستراتيجية السعودية ونموذج ينبع
في ظل المخاطر التي تحدق بمضيق هرمز، برزت الأهمية الاستراتيجية لخط الأنابيب السعودي (شرق- غرب)، الذي يمتد من حقول المنطقة الشرقية وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. هذا الخط ليس مجرد وسيلة لنقل النفط، بل هو “صمام أمان” يسمح بتدفق الذهب الأسود بعيداً عن التهديدات المباشرة في الخليج العربي.
إن تعزيز قدرات هذا الخط وتطوير ميناء ينبع كمركز لوجستي عالمي يمثل جوهر الرؤية الاستراتيجية للتحوط من إغلاق المضائق؛ مما يحول البحر الأحمر من ممر عبور إلى منصة تصدير سيادية ومستقرة.
إحياء سكة حديد الحجاز: سوريا كجسر بري لا غنى عنه
من أبرز الأطروحات التي تفرض نفسها اليوم كحل جذري، هي إعادة إحياء خط سكة حديد الحجاز ليربط بين تركيا والسعودية عبر الأراضي السورية. هذا المشروع، الذي يتجاوز ببعده التاريخي ليكون ضرورة اقتصادية معاصرة، يعيد الاعتبار لسوريا كممر بري استراتيجي يربط القارة الأوروبية بعمق الجزيرة العربية.
إن تفعيل هذا الممر يعني اختصار الوقت والتكاليف، والأهم من ذلك، توفير بديل بري صلب يتجاوز الاضطرابات البحرية؛ فالموقع الجغرافي السوري يمنحها ميزة تنافسية كحلقة وصل لا يمكن الالتفاف عليها في أي مشروع تكامل إقليمي يهدف إلى ربط موانئ المتوسط بأسواق الخليج.
الممر العراقي عبر سوريا: استدامة أم حل مؤقت؟
شهدت الفترة الأخيرة تحركاً ملموساً عبر دخول قوافل صهاريج النفط العراقية باتجاه ميناء بانياس السوري. ورغم أن هذه الخطوة تعكس حاجة العراق لتنويع منافذ تصديره، إلا أن التساؤلات تظل قائمة حول ديمومة هذا المسار.
التصريحات الرسمية من الجانب العراقي تشير بوضوح إلى استمرار البحث عن بدائل برية متعددة، مما يوحي بأن الممر السوري، رغم أهميته الحالية، يواجه منافسة من مشاريع أخرى (مثل “طريق التنمية” عبر تركيا). هذا يضع صانع القرار الاقتصادي في المنطقة أمام تحدي تحويل هذا “الممر الاضطراري” إلى “شريان دائم”، من خلال تطوير البنية التحتية اللوجستية وتوقيع اتفاقيات ترانزيت طويلة الأمد تضمن مصالح جميع الأطراف.
توازن القوى الجديد في سلاسل التوريد
إن “حرب البدائل” لا تقتصر على بناء الأنابيب أو مد السكك الحديدية، بل هي صراع على الموثوقية؛ فالدولة التي تستطيع تقديم الممر الأكثر أماناً والأقل كلفة هي التي ستقود المشهد الاقتصادي القادم.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى:
- تكامل النمط المتعدد (Multimodal Transport): الدمج بين النقل البحري والبري والسككي لتقليل المخاطر.
- الاستثمار في الموانئ السورية: تحويل موانئ اللاذقية وطرطوس وبانياس إلى مراكز ترانزيت إقليمية متطورة.
- الدبلوماسية الاقتصادية: تعزيز التفاهمات بين (الرياض، دمشق، بغداد، وأنقرة) لخلق ممر طاقة وبر وسلام مستدام.
إن إغلاق المضائق، رغم قسوته الاقتصادية، قد يكون المحفز الأكبر لإعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية لليابسة في منطقتنا. إن مستقبل أمن الطاقة العالمي لن يكتب في مياه البحار المضطربة فحسب، بل سيخط بمسارات الأنابيب وقضبان السكك الحديدية التي تعبر قلب الشرق الأوسط، حيث تظل سوريا، بموقعها وجغرافيتها، الرقم الصعب في معادلة العبور الدولي.

