
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
مقدمة
تُعدّ إيران واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط تعقيدًا من حيث البنية الدينية والمذهبية؛ إذ تجمع بين طابعها الرسمي كدولة تقوم على المذهب الشيعي الإثني عشري، وبين وجود تاريخي متجذّر لأقليات دينية متنوعة، مثل أهل السنة، والمسيحيين، واليهود، والزرادشتيين، إضافة إلى جماعات دينية غير معترف بها رسميًا كالبهائيين. وقد شكّل هذا التنوع الديني عنصرًا مهمًا في تشكيل المشهد الاجتماعي والسياسي الإيراني، خاصة في ظل نظام سياسي يستند إلى مرجعية دينية واضحة ويُقيّد المجال العام بضوابط أيديولوجية صارمة. ومع تصاعد التوترات الداخلية واندلاع موجات احتجاجية متكررة في السنوات الأخيرة، برزت تساؤلات جوهرية حول موقع الأقليات الدينية في هذه التحركات، ومدى تأثير أو مشاركة هذه الجماعات في الاحتجاجات، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه في ظل واقع قانوني وأمني شديد الحساسية. من هنا، تأتي أهمية تناول وضع الأقليات الدينية في إيران، من حيث نسبها، وحقوقها، ودورها السياسي، وعلاقتها بالحراك الشعبي الراهن.
أولًا: من هم الأقليات الدينية في إيران؟ وما نسبهم؟
إيران دولة متعددة الأعراق والمذاهب رغم طابعها الشيعي الإثني عشري الرسمي. وفق بيانات غير رسمية وإحصاءات مختلفة:
- الشيعة الإثني عشرية: يشكلون نحو أغلبية السكان (حوالي 89% تقريبًا).
- أهل السنة: يتراوحون بين 8% – 10% من السكان، مع تقديرات غير رسمية تُشير إلى أنهم قد يصلون لـ20% عند بعض القادة السنة.
- الديانات الأخرى: (المسيحية، اليهودية، الزرادشتية) مجتمعة تشكّل قرابة 1% – 2% من السكان، ويعيش في إيران أعداد صغيرة من الصابئة المندائيين وغيرهم.
من بين الديانات غير المسلمة، يُعد المسيحيون الأرمن أحد أكبر المجموعات، يليهم البهائيون الذين لا يُعترف بهم رسميًا ويُواجهون اضطهادًا ممنهجًا.
ثانيًا: الوضع القانوني للأقليات الدينية
تنص المادة 13 من الدستور الإيراني على الاعتراف رسميًا بثلاثة أقليات دينية فقط: المسيحيين والزرادشتيين واليهود؛ ويسمح لهم بممارسة شعائرهم داخل حدود القانون ولهم تمثيل في البرلمان. لكل من هذه الأقليات مقعد واحد في مجلس الشورى الإسلامي (من أصل 290)، وهو شكل من أشكال التمثيل الدستوري، لكنها تبقى مقاعد قليلة في ظل غلبة الثقافة الدينية الشيعية الرسمية. من ناحية أخرى، هناك قيود قانونية صارمة على نشر الأديان خارج المجتمع الضيق للأقلية. وفي الواقع، تُعتبر الدولة الإسلام الشيعي المرجعية السياسية والدينية العليا، مما يجعل سائر الأقليات في موقع ضعيف.
ثالثًا: الحياة اليومية وحقوق الإنسان
على الرغم من النصوص الدستورية، يعاني عدد من الأقليات — وخاصة البهائيين وأحيانًا أهل السنة في بعض المناطق — من تمييز ممنهج، كقيود في التعليم، الوظائف الحكومية، وحظر المؤسسات الدينية المستقلة. البهائيون أُدرجوا كديانة “منحرفة”، وتعرض بعض أتباعهم للاعتقال والمحاكمة وحتى العقوبات القصوى في سياق تهم سياسية أو أمنية، وفق منظمات حقوقية.
رابعًا: الدور السياسي للأقليات داخل النظام
رغم وجود تمثيل برلماني، فإن الدور السياسي للأقليات الدينية داخل إيران محدود للغاية:
- لديهم حقوق تمثيلية صورية ولا يستطيعون التأثير بشكل كبير في السياسات الوطنية، خصوصًا في التشكيلة الحاكمة التي تهيمن عليها المؤسسة الدينية الشيعية.
- نظام “ولاية الفقيه” يجعل غالبية السلطات فوق تأثير البرلمانيين المدنيين، بما في ذلك نواب الأقليات.
- بشكل عام، لا تُعطى للمجموعات الدينية غير الشيعية مساحة فعلية في صنع السياسات الكبرى.
خامسًا: الأقليات في سياق التظاهرات الأخيرة وتأثيرها
المظاهرات العارمة التي تشهدها إيران في أواخر 2025 وبداية 2026 ليست مقتصرة على فئة دينية واحدة؛ بل هي انتفاضة اجتماعية وسياسية واسعة نتيجة أزمة اقتصادية عميقة، تراجع في القوة الشرائية، وقمع متزايد من الدولة.
في هذا السياق:
- المناطق ذات الكثافة السنية أو غير الشيعية: مثل الأكراد والبلوش، شهدت تظاهرات ملحوظة ضد الحكومة، سواء لأسباب اقتصادية أو مطالبات بالحقوق. ومع ذلك، هذه المشاركة تأتي أكثر عبر مطالب اجتماعية وسياسية عامة وليس من باب دور ديني بحت.
- الأقليات الدينية كالمسيحيين واليهود: ليس لها حضور جماهيري واسع أو قيادة موحدة في هذه الاحتجاجات، ويرجع ذلك إلى صغر حجمها، القيود الاجتماعية، والحساسيات الأمنية.
- البهائيون: هم مجتمع مُهجّر ومضطهد من الأساس؛ إذ إن مشاركتهم في أي نشاط سياسي مستقل يمكن أن تُعرضهم للمساءلة القانونية القاسية، وبالتالي لا يظهرون بشكل علني في الاحتجاجات.
سادسًا: تقييم عام وتأثير مستقبلي
الأقليات الدينية في إيران، على الرغم من وجودها التاريخي والاجتماعي، لم تكن قوة رئيسية مستقلة في المشهد السياسي الإيراني. دوافع مشاركتها في التظاهرات الحالية لا ترتبط في معظمها بمطالب دينية بقدر ما هي مطالب اجتماعية، اقتصادية، وحقوقية. ومع استمرار الحراك الشعبي، من الممكن أن تُسهم هذه الجماعات، خاصة في المناطق المتنوعة عرقيًا ومذهبيًا، في الضغط من أجل سياسات أكثر عدالة وتمثيلاً، لكن ذلك يعتمد بشكل كبير على مسارات حركة الاحتجاج، وقدرة المعارضة على توحيد قواها، ومدى انفتاح النظام على الإصلاحات.
خاتمة: في ضوء ما سبق، يتضح أن الأقليات الدينية في إيران تعيش واقعًا مركبًا يجمع بين الاعتراف الدستوري المحدود لبعضها، والتهميش العملي والسياسي لمعظمها، خاصة تلك التي لا تحظى بشرعية رسمية من الدولة. فعلى الرغم من وجود تمثيل رمزي في البرلمان لبعض الأقليات، إلا أن تأثيرها الفعلي في صنع القرار يظل ضعيفًا في ظل هيمنة المؤسسة الدينية الشيعية ونظام ولاية الفقيه. أما في سياق التظاهرات الأخيرة، فقد بدت مشاركة الأقليات الدينية جزءًا من حراك اجتماعي أوسع، تحركه الأزمات الاقتصادية والسياسية وانتهاكات الحقوق، أكثر من كونه حراكًا ذا طابع ديني أو طائفي. وبذلك، يمكن القول إن دور الأقليات الدينية في إيران اليوم لا يُقاس بقدرتها على قيادة المشهد الاحتجاجي، بل بكونها شريحة متأثرة بعمق بأزمات الدولة وباحثة عن مساواة قانونية وعدالة اجتماعية، وهي مطالب تتقاطع مع تطلعات قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، وقد تشكّل مستقبلًا أحد مفاتيح أي تحول سياسي أو إصلاحي محتمل.


