
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
مقدمة
في زمن الحرب، لا تُطلَق الصواريخ فحسب، ولكن الكلمات أيضاً. ولا تكون الجبهات فقط على الحدود، وإنما داخل الشاشات، وعبر الميكروفونات، وفي العناوين العاجلة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي. وفي الحالة الإيرانية، يبدو الإعلام الرسمي جزءاً أصيلاً من بنية الحرب نفسها، ليس مجرد ناقل لها؛ فهو لا يكتفي بإخبار الجمهور بما يحدث، لكنه يعمل على صياغة المعنى، وتحديد العدو، وإدارة الخوف، وإنتاج الصمود، بل أحياناً إعادة ترتيب الواقع نفسياً وسياسياً قبل أن يراه المتلقي كما هو.
حين تدخل إيران في لحظة مواجهة — سواء كانت عسكرية مباشرة، أو حرباً بالوكالة، أو تصعيداً إقليمياً، أو تهديداً خارجياً — يتحول الإعلام من مؤسسة خبرية إلى أداة تعبئة استراتيجية. وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: كيف تُصنع الرواية الرسمية الإيرانية وقت الحرب؟ من يضع مفرداتها؟ ما رسائلها الأساسية؟ وكيف تتحول من خطاب الدولة إلى وعي الجمهور؟
هذا المقال يحاول تفكيك هذه الآلية، من خلال قراءة بنية الخطاب، ووظيفة اللغة، وأدوات التأثير، والعلاقة بين الإعلام والسياسة والأيديولوجيا في لحظات التوتر الكبرى.
الإعلام الإيراني وقت الحرب: من “تغطية” إلى “إدارة معركة“
لفهم الإعلام الإيراني أثناء الحرب، لابد من الانطلاق من نقطة أساسية وهي أن الإعلام الرسمي في إيران لا ينظر إلى نفسه بوصفه وسيطاً محايداً بين الحدث والجمهور، وإنما باعتباره طرفاً مشاركاً في الصراع.
في النظم السياسية التقليدية قد يظهر الإعلام الرسمي باعتباره أداة للدفاع عن السلطة أو تحسين صورتها، أما في النموذج الإيراني، وخصوصاً في أوقات الحرب، فالإعلام يُعامل بوصفه جزءاً من منظومة الأمن القومي. فهو يؤدي أدواراً متشابكة، منها:
- تثبيت الرواية الرسمية قبل انتشار الروايات البديلة.
- إدارة الأجواء العامة وتهيئة الانطباع العام لتجنب الهلع.
- إعادة تفسير الخسائر باعتبارها تضحيات أو انتصارات مؤجلة.
- توحيد الجبهة الداخلية خلف القيادة.
- تقديم الصراع بوصفه معركة وجود لا مجرد أزمة عابرة.
وبذلك يصبح الإعلام في زمن الحرب سلاحاً ناعماً، لكنه شديد الفاعلية، يشتبك مع الإدراك والذاكرة والانتماء، لا مع الجغرافيا فقط.
من أين تبدأ الرواية الرسمية؟ من اللغة قبل الخبر
الرواية الرسمية لا تبدأ من “ماذا حدث؟”، ولكنها تبدأ من “كيف سنسمي ما حدث؟”. وهنا تظهر واحدة من أخطر أدوات الإعلام الإيراني: التحكم في المصطلح. ففي الإعلام الإيراني الرسمي، لا تُستخدم الكلمات بحياد؛ كل لفظة مختارة بعناية لأنها تؤدي وظيفة سياسية ونفسية وأيديولوجية. فعلى سبيل المثال:
- لا يُقال “هجوم”، وإنما قد يُقال “رد حاسم أو عملية عقابية”.
- لا يُقال “خسائر”، إنما “ثمن المواجهة أو تضحيات في طريق النصر”.
- لا يُقال “ميليشيات موالية”، إنما “قوى المقاومة أو محور المقاومة”.
- لا يُقال “اغتيال”، إنما “استشهاد”.
- لا يُقال “توتر إقليمي”، إنما “مخطط عدواني أو مؤامرة أمريكية-صهيونية”.
هذه اللغة ليست مجرد زخرفة بلاغية، بل هي آلية تأطير. فالمتلقي حين يسمع “الشهيد” لا يتلقى المعلومة نفسها التي يتلقاها عند سماع “القتيل”. وحين يسمع “الردع” بدل “التصعيد”، فإنه يُدفَع نفسياً إلى قراءة الحدث بوصفه دفاعاً مشروعاً لا مغامرة خطرة.
إذًا، الرواية تُصنع أولاً عبر هندسة المعجم. ومن يملك اللغة، يملك المعنى. ومن يملك المعنى، يملك مساحة واسعة من الوعي العام.
الركائز الأربع للرواية الرسمية الإيرانية وقت الحرب
يمكن القول إن الإعلام الإيراني يبني روايته الحربية على أربع ركائز متكررة تكاد تكون ثابتة في معظم الأزمات:
.1 الشرعية الأخلاقية: نحن لا نبدأ الحرب… نحن نردّ أول ما تسعى إليه الرواية الرسمية هو نزع صفة “المبادرة العدوانية” عن الدولة، ومنحها صفة “الرد المشروع”. حتى لو كانت إيران طرفاً فاعلاً في المشهد الإقليمي، فإن الخطاب الإعلامي غالباً ما يقوم بتقديم الحدث وفقاً لقاعدة: إيران لا تعتدي، بل ترد. لا تصعّد، بل تدافع. لا تهاجم، بل تحمي الأمن القومي والمقدسات وحلفاء المنطقة. هذا الإطار بالغ الأهمية لأنه:
- يخفف الضغط الداخلي.
- يمنح الجمهور شعوراً بالحق الأخلاقي.
- يبرر التصعيد العسكري أو السياسي.
- يخلق غطاءً أيديولوجياً لأي خطوة لاحقة.
.2 العدو المركّب: ليس خصماً عسكرياً فقط، بل مشروعاً حضارياً معادياً الإعلام الإيراني لا يقدّم الخصم عادة كدولة أو جيش فقط، بل كمنظومة متكاملة: أمريكا + إسرائيل + الإعلام الغربي + العملاء الإقليميون + الحرب النفسية + العقوبات + الاختراق الثقافي. هذا التوسيع المتعمد لصورة العدو يخدم هدفين:
- تحويل أي أزمة إلى معركة ممتدة لا إلى حدث منفصل.
- جعل الجمهور أكثر قابلية لتحمل الضغوط، لأنه يشعر أنه يواجه “حصاراً شاملاً” لا مجرد خبر عابر.
. 3الصمود أعلى من الخسارة حتى حين تقع ضربات موجعة، أو اغتيالات، أو خسائر في البنية التحتية أو في القيادات، فإن الإعلام الإيراني لا يسمح للخسارة بأن تبقى “خسارة” في الوعي العام، بل يُعاد إنتاجها ضمن سردية أكبر:
- الشهادة لا الهزيمة.
- الصبر لا الانكسار.
- الرد المؤجل لا العجز.
- الحكمة الاستراتيجية لا التراجع.
وهنا نرى واحدة من أكثر السمات وضوحاً: تأجيل التقييم النهائي للحدث. أي أن الإعلام لا يطلب من الجمهور الحكم على اللحظة الراهنة، بل يدعوه إلى انتظار “المعادلة الكبرى” أو “الرد في الوقت المناسب”.
.4 القائد بوصفه مرجعية التوازن في لحظات الحرب، تتكثف الإحالات إلى القيادة العليا، وخصوصاً إلى خطاب المرشد أو المؤسسات العسكرية العليا. فالرواية تحتاج إلى مرجع نهائي يمنحها الثبات واليقين. ولهذا، تصبح تصريحات القيادة:
- مصدراً لتفسير الحدث.
- أداة لضبط الإيقاع العاطفي للجمهور.
- معياراً للفصل بين “الانفعال” و”الحكمة”.
- وسيلة لربط الحاضر بالمشروع الثوري الأوسع.
كيف يعمل الإعلام الإيراني على الجمهور؟ ثلاث دوائر للتأثير
الرواية الرسمية لا تُبنى فقط عبر القنوات الرسمية، بل عبر دوائر تأثير متداخلة:
. 1الدائرة الرسمية المباشرة: وتشمل: التلفزيون الرسمي، وكالات الأنباء الحكومية أو شبه الرسمية، البيانات العسكرية، المؤتمرات الصحفية، والخطابات الرسمية.
- وظيفتها الأساسية: إطلاق الرواية الأولى وتحديد سقف التأويل.
.2 الدائرة التفسيرية: وتشمل: المحللين القريبين من مؤسسات الدولة، البرامج الحوارية، المقالات الافتتاحية، الخبراء الأمنيين والعسكريين، وشخصيات دينية وسياسية مؤثرة.
- وظيفتها: تحويل الخبر إلى معنى، وشرح لماذا يجب أن يفهم الجمهور الحدث بالطريقة التي تريدها الدولة.
.3 الدائرة الرقمية والشعبية الموجّهة: وتشمل: الحسابات المؤيدة، الهاشتاغات المنسقة، المقاطع القصيرة، الرسائل التعبوية، والمحتوى العاطفي أو الرمزي.
- وظيفتها: تسريب الرواية إلى المجال الشعبي بحيث لا تبدو دائماً خطاباً سلطوياً مباشراً، بل وكأنها “مزاج عام”.
وهنا تكمن قوة النموذج: فالرواية لا تبقى في النشرة، ولكنها تنتقل إلى المقهى، والهاتف، ومجموعات المحادثة، والمنشورات اليومية، فتتحول من بيان إلى “حقيقة اجتماعية متداولة”.
تقنيات الخطاب… كيف يُدار الخوف دون الاعتراف به؟
في زمن الحرب، أكبر تحدٍّ لأي إعلام رسمي هو الخوف الجماعي. والإعلام الإيراني يتعامل مع هذه المسألة بحذر شديد، عبر مزيج من:
- التقليل المدروس: لا إنكاراً كاملاً، إنما عرضاً مضبوطاً للحدث يمنع الذعر. مثل: تقليل حجم الخسائر، أو تأخير بعض التفاصيل، أو التركيز على احتواء الموقف.
- الإغراق في الرمزية: بدلاً من الانشغال بالأرقام القاسية، يتم تحويل التركيز إلى: صور الشهداء، خطابات الثبات، مخاطبة العدو بلغته، أناشيد المقاومة، إنتاج أفلام حماسية بتقنيات حديثة وذات جماهيرية عالمية، رموز الكرامة الوطنية، واستدعاء التاريخ الثوري.
- صناعة الثقة عبر “الرد القادم“: حتى إذا لم يحدث رد مباشر، يبقى الخطاب متمسكاً بعبارات مثل: الرد في الزمان والمكان المناسبين، الحساب لم يُغلق بعد، اليد العليا للمقاومة، والمعركة طويلة. هذه التقنية مهمة جداً لأنها تمنع الإحساس بالعجز الفوري، وتستبدله بإحساس “التأجيل التكتيكي”.
- توجيه الانفعال لا قمعه: الإعلام لا يقول للناس “لا تغضبوا”، وإنما يقول: اغضبوا… لكن ضمن روايتنا. اغضبوا على العدو، لا على الأداء الداخلي. احزنوا على الشهداء، لكن لا تشككوا في القرار. خافوا من الخطر، لكن لا تفقدوا الثقة في القيادة. حيث يقوم بتوجيه المشاعر الجماعية نحو ما يخدم أهدافه، وهذه واحدة من أكثر آليات السيطرة الخطابية دقة وذكاءً.
لماذا تنجح هذه الرواية أحياناً؟
قد يظن البعض أن الرواية الرسمية مجرد دعاية مباشرة، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. فهي تنجح أحياناً — وبقوة — لأسباب متعددة:
- لأنها تخاطب الذاكرة قبل العقل: الإعلام الإيراني يستدعي دائماً: مظلومية الإمام الحسين وربطها بالهوية الشيعية، المظلومية الثورية، الحرب العراقية الإيرانية، الشهادة، الحصار، العقوبات، والصبر التاريخي. وبذلك لا يتلقى الجمهور الحدث منفصلاً، بل ضمن ذاكرة جمعية جاهزة.
- لأنها تقدم تفسيراً شاملاً في لحظة الفوضى: وقت الحرب، لا يكتفي الناس بالبحث عن خبر فحسب، بل عن معنى يخفف الارتباك. والرواية الرسمية غالباً ما تقدم معنى واضحاً ومتماسكاً وسريعاً.
- لأن البدائل ليست دائماً أكثر موثوقية: في بيئة الحرب، تنتشر الشائعات، والمبالغات، والحرب النفسية، والفيديوهات المضللة. وهنا قد يلجأ جزء من الجمهور للرواية الرسمية، حتى وإن كان لا يصدقها بالكامل، بل لأنها تبدو أكثر اتساقاً من الفوضى الرقمية.
- لأنها تمزج الوطني بالديني: هذا المزج يمنح الرواية قوة إضافية، فهي لا تقول فقط “دافعوا عن الدولة”، بل أيضاً: دافعوا عن الكرامة، عن الشهداء، عن العقيدة، عن الأمة، عن القدس، وعن السيادة.
أين تكمن نقاط ضعف الرواية الرسمية؟
رغم قوتها، فإن هذه الرواية ليست مطلقة النجاح، بل تواجه تحديات حقيقية، خاصة في العصر الرقمي:
- سرعة التسريبات: لم يعد احتكار المعلومة ممكناً كما كان في السابق. أي حدث ميداني قد يظهر خلال دقائق عبر فيديو أو شهادة أو صورة.
- الفجوة بين الخطاب والواقع: كلما بالغ الإعلام في لغة الانتصار، بينما يشعر المواطن بالأزمة الاقتصادية أو القلق الأمني، تتسع فجوة الثقة.
- تضخم الرمزية: حين تتحول كل أزمة إلى خطاب تعبوي ضخم، قد يحدث إرهاق سردي لدى الجمهور، خاصة الأجيال الشابة التي تقرأ السياسة بلغة أقل أيديولوجية وأكثر واقعية.
- التنافس مع الإعلام العابر للحدود: القنوات الدولية، المنصات الرقمية، الإعلام المعارض، الحسابات العابرة للغات… كلها تنافس الرواية الرسمية وتكسر انفرادها.
ومع ذلك، يظل الإعلام الإيراني قادراً على إعادة إنتاج نفسه، لأنه لا يعتمد فقط على الخبر، بل على شبكة مؤسسات، ورموز، ومفردات، وسرديات متراكمة عبر عقود.
هل يصنع الإعلام الإيراني الحقيقة؟ أم يختار أي حقيقة يضخّم؟
السؤال الأهم هنا ليس: هل الإعلام الإيراني يقول الحقيقة أم لا؟ وإنما: أي جزء من الحقيقة يختار؟ وكيف يعرضه؟ ولماذا؟
في زمن الحرب، لا توجد رواية بريئة تماماً. كل الأطراف تنتقي، تؤطر، تضخم، وتخفي. لكن خصوصية الحالة الإيرانية تكمن في أن الإعلام الرسمي لا يقدّم نفسه بوصفه مجرد ناقل، بل بوصفه حارساً للمعنى الوطني والأيديولوجي. ولهذا، فهو لا يصنع “خبراً” فقط، بل يصنع: ترتيباً للمشاعر، هرمية للأولويات، تعريفاً للعدو، معنى للخسارة، مشروعية للصبر، وقابلية للاستمرار. بمعنى آخر: إنه لا يشرح الحرب فقط… بل يعلّم الناس كيف يشعرون تجاهها.
بين الإعلام والحرب… لماذا يجب أن نقرأ ما وراء الكلمات؟
قراءة الإعلام الإيراني وقت الحرب لا ينبغي أن تكون قراءة سطحية للعناوين فقط. بل يجب أن نسأل دائماً: ما المصطلحات المستخدمة؟ ما الذي تم تضخيمه؟ ما الذي تم تأخيره أو تهميشه؟ من هو “العدو” في الخطاب؟ كيف تُقدَّم الخسائر؟ كيف تُستخدم مفردات الدين والوطن والمقاومة؟ هل الخطاب يطمئن أم يعبّئ؟ هل يشرح الواقع أم يعيد تشكيله؟
لأن أخطر ما في الإعلام زمن الحرب ليس الكذب المباشر فقط، بل إعادة هندسة الإدراك. وقد لا يُمنَع عنك الخبر، لكن قد يُعاد ترتيبك نفسياً بحيث ترى الخبر من زاوية واحدة فقط.
في لحظات الحرب، لا تنتصر الجيوش وحدها، ولا تنهزم الدول بالسلاح فقط. فثمة معركة أخرى أكثر هدوءاً وأشد أثراً: معركة الرواية. ومن ينجح في كتابة الرواية أولاً، وتثبيتها في وعي الناس، يكسب مساحة هائلة من السيطرة حتى قبل أن يتضح ميزان الميدان.
الإعلام الإيراني في زمن الحرب يتجاوز كونه مجرد شاشة تنقل ما يجري، ليكون آلة سردية معقدة، تصوغ الحدث، وتختار مفرداته، وتمنح الجمهور عدسته الخاصة لرؤية العالم. إنه يصنع العدو، ويضبط الانفعال، ويؤجل الإحباط، ويحوّل الخسارة إلى صبر، والانتظار إلى حكمة، والحدث العابر إلى فصل من “المعركة الكبرى”.
ولهذا، فإن فهم الإعلام الإيراني يتجاوز مجرد متابعة نشراته، ليش مل تفكيك لغته، وقراءة صمته، والانتباه إلى ما يُقال وما لا يُقال. ففي زمن الحرب، قد تكون الحقيقة موجودة… لكنها نادراً ما تصل إلينا دون أن تمر أولاً عبر غرفة تحرير الأيديولوجيا. وهنا يصبح السؤال الحقيقي لا يقتصر على ما قاله الإعلام، وإنما يركّز على سبب قوله بهذه الطريقة… وفي هذا التوقيت؟


