
إعداد
د. أولادسالم نسيمة
دكتوراه ديمغرافية اقتصادية واجتماعية – جامعة قاصدي مرباح ورقلة
الجزائر
الملخص
يتناول هذا المقال إشكالية تأثير التحولات الديموغرافية، ولا سيما ظاهرة الشيخوخة السكانية، على هياكل الإنفاق العمومي في الدول العربية. وفي سياق تسارع نمو الشريحة العمرية فوق الستين عاماً في المنطقة العربية، تتصاعد الضغوط على بنود الإنفاق الاجتماعي، وفي مقدمتها التقاعد والرعاية الصحية وخدمات التمريض طويل الأمد. تعتمد الدراسة على منهجية تحليلية مقارنة تستند إلى بيانات هيئات دولية معتمدة كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة، فضلاً عن مراجعة نقدية للأدبيات الاقتصادية ذات الصلة؛ بحيث تخلص الدراسة إلى أن أغلب الميزانيات العربية تفتقر إلى آليات مالية مرنة وكافية لمواجهة العبء المالي القادم الناجم عن الشيخوخة، مما يستوجب إصلاحات هيكلية جذرية في منظومتَي الحماية الاجتماعية والسياسة المالية العامة. تقدّم الدراسة جملةً من التوصيات السياسية الموجَّهة للحكومات والمؤسسات المالية العربية بهدف تعزيز الاستدامة المالية في مواجهة التداعيات الديموغرافية المتوقعة.
الكلمات المفتاحية: الشيخوخة السكانية؛ الإنفاق العمومي؛ الاستدامة المالية؛ الحماية الاجتماعية.
Abstract
This article examines the impact of demographic transitions, particularly population aging, on public expenditure structures in Arab countries. As the share of the population aged sixty and above accelerates across the Arab region, mounting pressures on social spending are increasingly evident, especially in the areas of pension systems, healthcare, and long-term care services. The study employs a comparative analytical methodology drawing on data from the World Bank, the International Monetary Fund, and the United Nations, complemented by a critical review of the relevant economic literature. The findings suggest that most Arab budgets lack the fiscal flexibility needed to absorb the forthcoming financial burden associated with aging populations, underscoring the urgent need for structural reforms in social protection and fiscal policy. The study concludes with targeted policy recommendations for Arab governments and financial institutions aimed at strengthening fiscal sustainability in response to anticipated demographic pressures.
Keywords: Population Aging; Public Expenditure; Fiscal Sustainability; Social Protection.
أولاً- الإشكالية
تمثّل الشيخوخة السكانية أحد أبرز التحولات الهيكلية التي تشهدها المجتمعات الإنسانية في مطلع الألفية الثالثة. وإذا كانت هذه الظاهرة قد استأثرت باهتمام واسع في الدراسات الاقتصادية المتعلقة بالدول المتقدمة، فإن انعكاساتها على الدول النامية، ومنها الدول العربية، تظل بحاجة إلى مزيد من التعمق. فبحسب تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2023، يُتوقع أن ترتفع نسبة من هم فوق الستين عاماً في المنطقة العربية من حوالي 7.5% عام 2020 إلى ما يتجاوز 16% بحلول عام 2050.
تتموضع الإشكالية المركزية لهذا البحث في التوتر القائم بين منطقَين متعاكسَين: من جهة، تعاني الموازنات العربية من ضغوط مزدوجة تجمع بين محدودية الإيرادات الضريبية غير النفطية وتنامي الدين العمومي؛ ومن جهة أخرى، تتضاعف الاحتياجات الإنفاقية المرتبطة بالشيخوخة في قطاعات التقاعد والرعاية الصحية وخدمات المسنين. وعليه، فإن السؤال الجوهري هو: هل الميزانيات العربية في حالتها الراهنة قادرة فعلاً على تحمّل هذا العبء المالي القادم؟
2- التساؤلات
انطلاقاً من هذه الإشكالية المركزية، تستند الدراسة إلى أربعة تساؤلات بحثية رئيسية:
- ما طبيعة التحولات الديموغرافية الجارية في الدول العربية، وما مدى تسارع وتيرة الشيخوخة السكانية مقارنةً بالمناطق الأخرى؟
- كيف ينعكس التحول الديموغرافي نحو الشيخوخة على هياكل الإنفاق العمومي، ولا سيما في قطاعي التقاعد والصحة؟
- ما مدى قدرة الأنظمة المالية العربية الراهنة على استيعاب الضغوط الناجمة عن الشيخوخة، وهل ثمة مخاطر على الاستدامة المالية؟
- ما السياسات المالية والإصلاحات الهيكلية الكفيلة بتعزيز قدرة الميزانيات العربية على مواجهة تداعيات الشيخوخة مستقبلاً؟
3- أهداف الدراسة
- رصد وتحليل الديناميكيات الديموغرافية في الدول العربية وإبراز خصوصيتها الإقليمية.
- قياس حجم الضغوط المالية المتوقعة على الموازنات العربية جراء تصاعد الإنفاق الاجتماعي المرتبط بالشيخوخة.
- تقييم مدى استدامة الأنظمة المالية العربية القائمة في مواجهة سيناريوهات الشيخوخة المتباينة.
- اقتراح إطار سياساتي متكامل يُمكّن الحكومات العربية من التكيّف المالي المبكر مع الضغوط الديموغرافية القادمة.
ثانياً: الدراسات السابقة
يستوعب هذا المحور المراجعةَ النقدية للأدبيات الاقتصادية المتعلقة بتقاطع الشيخوخة السكانية والإنفاق العمومي، مصنَّفةً في ثلاثة تيارات رئيسية توظَّف لاحقاً في التحليل:
1- الأدبيات العالمية: الشيخوخة والعبء المالي
أرست دراسة Cutler et al. (1990) المنشورة في Brookings Papers on Economic Activity الأسسَ التحليلية لفهم الأثر المالي للشيخوخة، إذ أثبتت أن الارتفاع الحاد في نسبة الإعالة الشيخية يستلزم إعادة رسم كامل لأولويات الإنفاق الحكومي. وعلى المنوال ذاته، أظهرت دراسة Bloom et al. (2010) الصادرة في Oxford Review of Economic Policy أن التحولات الديموغرافية تستدعي مقاربات مالية استباقية متكاملة تشمل الإصلاح الضريبي والإنفاقي معاً.
وفي السياق الأوروبي، وثّقت تقارير لجنة الشيخوخة الصادرة عن المفوضية الأوروبية أن النفقات العمومية ذات الصلة بالشيخوخة قد تمثّل ضغطاً إضافياً يتراوح بين 1.5% و4% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2070 في دول الاتحاد الأوروبي. كما أثبت Bom & Ligthart (2014) أن جودة هياكل الإنفاق العمومي تؤثر بشكل مباشر في الكفاءة الإنتاجية الاقتصادية.
2- أدبيات الشيخوخة في الاقتصاديات النامية
وسّع Lee & Mason (2011) نطاق التحليل في كتابهما Population Aging and the Generational Economy ليشمل دول الجنوب، مؤكدَين أن التحوّل الديموغرافي في الدول النامية يختلف نوعياً عن نظيره في الدول المتقدمة؛ لأنه يحدث في سياق منظومات رعاية اجتماعية هشة وقدرات مالية أدنى.
3- الأدبيات المتعلقة بالمنطقة العربية
كشفت دراسة Robalino et al. (2005) الصادرة عن البنك الدولي أن أنظمة التقاعد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني من اختلالات هيكلية مزمنة تجعلها قاصرةً عن الوفاء بالتزاماتها المستقبلية. وعلى المستوى الأكاديمي المتخصص، وثّقت تقارير منظمة العمل الدولية (2021) أن معدلات التغطية بالحماية الاجتماعية لا تتجاوز 40% في معظم دول المنطقة، مما يُعمّق الهشاشة المالية أمام صدمة الشيخوخة. وفي الإطار ذاته، سلّط تقرير صندوق النقد العربي (2022) الضوء على ضرورة تحديث منظومة الإنفاق الاجتماعي العربي.
المحور الأول: الديناميكيات الديموغرافية في الدول العربية
1-1 الأنماط الكمية للشيخوخة السكانية
تعيش الدول العربية مرحلة انتقالية في منتصف التحول الديموغرافي، تتسم بتراجع ملحوظ في معدلات الخصوبة الكلية ومتوسطات وفيات الرضّع، مع ارتفاع تدريجي في أعمار البقاء. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة (2022)، ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة في المنطقة العربية من 56 عاماً في الستينيات إلى نحو 72 عاماً عام 2022. وبالتوازي مع ذلك، انخفض معدل الخصوبة الكلية من 6.8 مولود لكل امرأة عام 1970 إلى 3.1 عام 2022.
والأكثر دلالةً من الناحية المالية هو تصاعد نسبة إعالة المسنين، إذ يُتوقع أن ترتفع من 8% عام 2020 إلى ما يزيد على 20% بحلول عام 2050 وفق سيناريو متوسط مستوى الخصوبة. بيد أن ثمة تفاوتاً ملحوظاً بين الدول؛ فالمغرب وتونس والجزائر وعُمان باتت تسجّل معدلات تقدم ديموغرافي أسرع مقارنةً بالعراق واليمن.
2-1 الخصوصية العربية في التحول الديموغرافي
يمتاز التحول الديموغرافي العربي بخاصية نادرة تتمثل في تزامن بقايا الزيادة الطبيعية مع بدايات الشيخوخة، مما يُفرز ضغطاً مزدوجاً على الميزانيات: الاستمرار في الإنفاق على فئات الشباب من جهة، وتمويل احتياجات المسنين من جهة أخرى. وقد وصف بعض الاقتصاديين هذا الوضع بـ “مقص الإنفاق الديموغرافي” (Demographic Spending Scissors)، إذ تتشابك الضغوط الإنفاقية لفئتين عمريتين متناقضتين في آنٍ واحد.
يُضاف إلى ذلك أن دول المنطقة تفتقر عموماً إلى أسواق عمل رسمية واسعة النطاق، مما يُقلّص قاعدة المساهمين في صناديق التقاعد ويُضعف القدرة التمويلية الذاتية للمنظومات التقاعدية على المدى البعيد.
المحور الثاني: الشيخوخة وهياكل الإنفاق العمومي
2-1- الإنفاق التقاعدي: الهشاشة الهيكلية
تعتمد أنظمة التقاعد في أغلب الدول العربية نمط الدفع المباشر (Pay-As-You-Go)، حيث تموّل اشتراكات الجيل العامل المعاشات الآنية للجيل المتقاعد. وهو نظام ذو هشاشة هيكلية أصيلة في وجه شيخوخة سريعة، نظراً لتراجع نسبة العاملين إلى المتقاعدين. ووفق Robalino et al. (2005)، تواجه هذه الأنظمة عجزاً ضمنياً متراكماً يُقدَّر بعشرات النقاط المئوية من الناتج المحلي الإجمالي في حالات عدة.
والأمر يزداد تعقيداً في بعض دول الخليج العربي، حيث تتزاحم معادلة التقاعد المبكر وكثافة التوظيف الحكومي وتنامي أعداد المتقاعدين لتشكّل مثلثاً مالياً حرجاً؛ فمتوسط سن التقاعد في هذه الدول يتراوح بين 45 و55 عاماً، وهو مستوى يستدعي إعادة نظر جوهرية.
2-2- الإنفاق الصحي: الطلب الديموغرافي المتصاعد
تُثبت الأدلة التجريبية أن الإنفاق الصحي الفردي يتضاعف تقريباً عند تجاوز سن الخامسة والستين، وأن فئة فوق الخامسة والسبعين تستهلك ما بين ثلاثة إلى أربعة أضعاف متوسط إنفاق بقية الفئات العمرية. وهذا المعطى يُلقي بتبعات جسيمة على الميزانيات الصحية العربية التي لا تتجاوز في معظمها 4-5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى أدنى من المتوسطات الدولية الموصى بها.
علاوةً على ذلك، تتضاعف التكاليف الصحية نتيجة ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة كداء السكري وأمراض القلب في الشريحة الشيخية. ويُعدّ هذا التحدي مزدوجاً: فهو ليس فقط إنفاقاً متصاعداً، بل هو طلب على بنية تحتية صحية لم تُصمَّم أصلاً لمتطلبات الرعاية التلطيفية وطويلة الأمد.
3-2- فجوة خدمات الرعاية طويلة الأمد
يُمثّل غياب منظومة متكاملة للرعاية الطويلة الأمد (Long-Term Care) ثغرةً هيكلية حادة في السياسة الاجتماعية العربية. وخلافاً للدول الاسكندنافية واليابان اللتين بنتا نماذج متكاملة لهذا النوع من الرعاية، تعتمد أغلب الدول العربية على الشبكة الأسرية غير الرسمية، وهي شبكة تتآكل بفعل التحضّر وتقلّص حجم الأسرة وتصاعد العمل الأنثوي خارج المنزل.
المحور الثالث: تقييم القدرة المالية للميزانيات العربية
3-1 محدودية الفضاء المالي
يُعدّ الفضاء المالي (Fiscal Space) مفهوماً مركزياً في تقييم قدرة الحكومات على الاستجابة للضغوط الإنفاقية الجديدة دون الإخلال بالاستدامة المالية. وبحسب تقرير صندوق النقد الدولي الإقليمي (2023)، تواجه عدة دول عربية غير نفطية فضاءً مالياً ضيقاً أو سالباً، إذ تتجاوز نسب الدين العمومي في بعضها 80 إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي، ومنها مصر ولبنان والأردن وتونس.
في المقابل، تتمتع دول الخليج النفطية بهامش مالي أوسع، غير أنها تواجه تحديات هيكلية مغايرة تتمثل في الاعتماد المفرط على عائدات النفط وضغوط الإنفاق الجاري المرتبط بالتوظيف الحكومي. فالنماذج الريعية لا تُشكّل ضماناً كافياً للاستدامة المالية في مواجهة الصدمات الديموغرافية متى تراجعت العائدات النفطية.
2-3 مخاطر الاستدامة المالية
باعتماد سيناريو الإسقاطات الديموغرافية المتوسطة للأمم المتحدة (2022)، يمكن تقدير أن ضغط الإنفاق المرتبط بالشيخوخة قد يتراوح بين 2% و5% إضافية من الناتج المحلي الإجمالي في أغلب الدول العربية خلال الفترة 2025–2050، وهو رقم يتجاوز قدرة عدد كبير من هذه الدول على التحمّل في ظل الهياكل المالية الراهنة. يُشكّل هذا الضغط ما يمكن تسميته بـ “المثلث المالي الحرج”، الذي يجمع بين ارتفاع الدين العمومي وتراجع نمو الإيرادات وتصاعد الإنفاق الاجتماعي الإلزامي.
3-3 ضعف الأنظمة الإحصائية والتخطيط الاستراتيجي
ثمة عقبة مؤسسية موازية تتمثل في ضعف منظومات الإحصاء الاكتواري في معظم الدول العربية، مما يجعل التخطيط للإنفاق الاجتماعي بعيد الأمد مبنياً على افتراضات هشة. وقد نبّه تقرير منظمة العمل الدولية (2021) إلى أن محدودية البيانات الاكتوارية تُعيق صياغة سياسات مالية ناجعة.
المحور الرابع: السياسات الإصلاحية لمواجهة عبء الشيخوخة
1-4 إصلاح منظومة التقاعد
تستلزم مواجهة الضغط التقاعدي إصلاحات هيكلية متدرجة وشاملة. ويُجمع الأدب الاقتصادي المتخصص على جملة من المقاربات الإصلاحية الجوهرية، أبرزها الانتقال التدريجي نحو نماذج التمويل المسبق (Pre-funded Systems) أو النماذج الهجينة التي تجمع بين الركيزة التضامنية والركيزة الفردية الرأسمالية؛ ويقتضي ذلك أيضاً مراجعة سن التقاعد بصورة تتناسب مع ارتفاع متوسط الأعمار.
كذلك تبرز أهمية توسيع قاعدة الاشتراكات التقاعدية لتشمل العمالة غير الرسمية التي تمثّل في بعض الدول العربية ما يتراوح بين 50% و70% من إجمالي العمالة. فالإقصاء الممنهج لهذه الفئة لا يُضعف فقط التمويل الاكتواري للصناديق، بل يُفاقم الفقر في سن الشيخوخة.
4-2 ترشيد الإنفاق الصحي وتطوير الرعاية التلطيفية
يتطلب التحدي الصحي المرتبط بالشيخوخة استجابةً متعددة الأبعاد: فعلى مستوى الكفاءة الإنفاقية، تشير التجارب الدولية إلى أن الاستثمار في الرعاية الوقائية وإدارة الأمراض المزمنة يُوفّر تكاليف باهظة على المدى البعيد مقارنةً بالعلاج المتأخر. وتحتاج الدول العربية إلى بناء منظومة رعاية تلطيفية وطويلة الأمد تجمع بين المرافق العامة وشراكات القطاع الخاص.
3-4 تنويع قاعدة الإيرادات وتوسيع الفضاء المالي
لا تتحمل الميزانيات العربية العبء الإنفاقي القادم ما لم يُعالَج الجانب الإيرادي بالقدر ذاته من الجدية. ويستلزم ذلك تعزيز الكفاءة الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين الاستثمار في الصناديق السيادية حيث توجد. وقد خلص تقرير البنك الدولي (2019) إلى أن التوسع في قاعدة دافعي الضرائب من خلال احتواء الاقتصاد غير الرسمي يُعدّ من أكثر أدوات توسيع الفضاء المالي نجاعةً.
4-4 بناء أُطر مالية استشرافية
يستوجب مسار الإصلاح المستدام تطوير أُطر مالية متوسطة وطويلة الأمد تأخذ في الحسبان الإسقاطات الديموغرافية، على غرار الإطار المالي متعدد السنوات المعمول به في دول الاتحاد الأوروبي. ويُلزم ذلك بتفعيل وحدات اكتوارية تخصصية داخل وزارات المالية والتخطيط، مع إرساء تقاليد التقييم الدوري المستقل للالتزامات الضمنية للدولة تجاه فئات المسنين.
خاتمة
من خلال ما تم عرضه يتضح أن المنطقة العربية تقف أمام منعطف ديموغرافي مالي بالغ الدلالة. فرغم أن الشيخوخة السكانية لا تزال في مراحل أولى مقارنةً باليابان وأوروبا الغربية، فإن التسارع المتوقع في وتيرتها خلال الفترة 2025–2050، في ظل ضعف هيكلي في المنظومات المالية والتقاعدية والصحية، يجعل من هذه الإشكالية تحدياً استراتيجياً لا يحتمل التأجيل.
يتضح من التحليل المُجرى أن أغلب الميزانيات العربية غير النفطية غير مهيأة بالمستوى الكافي لاستيعاب هذا العبء المالي القادم، بينما تملك دول الثروة النفطية هامشاً زمنياً ثميناً ينبغي توظيفه في الإصلاح الاستباقي لا في مواصلة الإنفاق الريعي التقليدي. وتبقى الفجوة المؤسسية—المتمثلة في ضعف أنظمة الإحصاء الاكتواري وغياب التخطيط الاستراتيجي الديموغرافي-المالي- من أخطر العقبات.
يبقى الرهان الأساسي في المرحلة القادمة هو استثمار “نافذة الفرصة” الديموغرافية الضيقة المتاحة قبل بلوغ الشيخوخة ذروتها، من خلال إصلاح تدريجي وشامل يجمع بين تقوية قواعد الإيرادات وترشيد الإنفاق وتطوير منظومات الحماية الاجتماعية وبناء مؤسسات مالية متطورة قادرة على إدارة مخاطر الشيخوخة على المدى البعيد.
التوصيات
بناءً على التحليل المُنجز، يمكن صياغة التوصيات التالية الموجَّهة للحكومات والمؤسسات المالية العربية:
- الإصلاح الاكتواري الاستباقي: المبادرة إلى مراجعة اكتوارية شاملة لأنظمة التقاعد بهدف قياس العجز الضمني وتحديد مسارات الإصلاح الهيكلي وفق سيناريوهات ديموغرافية موضوعية.
- رفع سن التقاعد تدريجياً: الشروع في رفع سن التقاعد الرسمي بصورة تدريجية وعادلة تراعي طبيعة العمل وشرائح الدخل، بما يتناسب مع الارتفاع الموثق في متوسط الأعمار.
- بناء أنظمة تقاعد متعددة الركائز: الانتقال إلى نماذج هجينة تجمع بين ركيزة تضامنية عامة مضمونة وركيزة فردية رأسمالية ذات تمويل مسبق وركيزة تكميلية طوعية.
- تطوير منظومة الرعاية الصحية للمسنين: إدراج الشيخوخة ضمن الخطط الصحية الوطنية مع تخصيص موارد للرعاية طويلة الأمد وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص وفق أطر رقابية صارمة.
- توسيع قاعدة الإيرادات: تبني إصلاحات ضريبية تشمل توسيع الاقتصاد الرسمي وتحسين الكفاءة الضريبية واستثمار العائد الديموغرافي الراهن لتجميع احتياطيات مالية مخصصة.
- إرساء منظومات إحصائية اكتوارية: إنشاء وحدات اكتوارية مستقلة داخل وزارات المالية والتخطيط مع نشر تقارير دورية بصورة شفافة ومنتظمة.
- الشراكة الإقليمية: صياغة أُطر تعاون إقليمي تتيح تبادل الخبرات وتوحيد بعض المعايير الاجتماعية وإطلاق صناديق إقليمية للتضامن الاجتماعي.
أولاً: المراجع العربية
- الأمم المتحدة – اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا). (2022). التحولات الديموغرافية في المنطقة العربية. الأمم المتحدة.
- صندوق النقد العربي. (2022). تقرير التكامل الاقتصادي العربي. صندوق النقد العربي.
ثانياً: المراجع الأجنبية
- Bloom, D. E., Canning, D., & Fink, G. (2010). Implications of population aging for economic growth. Oxford Review of Economic Policy, 26(4), 583–612. https://doi.org/10.1093/oxrep/grq038
- Bom, P. R., & Ligthart, J. E. (2014). What have we learned from three decades of research on the productivity of public capital? Journal of Economic Surveys, 28(5), 889–916. https://doi.org/10.1111/joes.12037
- Cutler, D. M., Poterba, J. M., Sheiner, L. M., & Summers, L. H. (1990). An aging society: Opportunity or challenge? Brookings Papers on Economic Activity, 1990(1), 1–73. https://doi.org/10.2307/2534525
- Dybczak, K., & Przywara, B. (2010). The role of technology in health care expenditure in the EU (European Economy Economic Papers No. 400). European Commission. https://ec.europa.eu/economy_finance/publications
- European Commission. (2021). The 2021 ageing report: Economic and budgetary projections for the EU member states (2019–2070) (Institutional Papers No. 148). Publications Office of the European Union. https://doi.org/10.2765/84455
- International Labour Organization. (2021). World social protection report 2020–22: Social protection at the crossroads—In pursuit of a better future. ILO. https://www.ilo.org/global/publications/books/WCMS_817572/lang–en/index.htm
- International Monetary Fund. (2023). Regional economic outlook: Middle East and Central Asia—Navigating global uncertainties. IMF. https://www.imf.org/en/Publications/REO/MECA
- Lee, R., & Mason, A. (Eds.). (2011). Population aging and the generational economy: A global perspective. Edward Elgar Publishing. https://doi.org/10.4337/9780857930583
- Organisation for Economic Co-operation and Development. (2019). Pensions at a glance 2019: OECD and G20 indicators. OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/b6d3dcfc-en
- Robalino, D. A., Whitehouse, E., Mataoanu, A., Musalem, A., Sherwood, E., & Sluchynsky, O. (2005). Keeping the promise of old age income security in Latin America (World Bank Regional and Sectoral Studies). World Bank. https://doi.org/10.1596/0-8213-6032-9
- United Nations, Department of Economic and Social Affairs. (2022). World population prospects 2022: Summary of results (UN DESA/POP/2022/TR/NO. 3). United Nations. https://population.un.org/wpp/
- World Bank. (2019). World development report 2019: The changing nature of work. World Bank. https://doi.org/10.1596/978-1-4648-1328-3
- World Health Organization. (2021). Global health expenditure database. WHO.


