On Research

وحدة الدراسات الإعلامية

التحولات البنائية والوظيفية للتليفزيون في عصر البث الرقمي التدفقي (VOD): دراسة وصفية تحليلية

Email :137

إعداد

مجموعة باحثين بوحدة الدراسات الإعلامية بالمركز

 

 

المقدمة

يمر المشهد الإعلامي العالمي عموماً، وقطاع الإذاعة والتليفزيون على وجه الخصوص، بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً وتأثيراً منذ اختراع الشاشة الفضية في النصف الأول من القرن العشرين. لم يعد التليفزيون مجرد صندوق خشبي يتوسط غرف المعيشة، يبث محتواه وفق جداول زمنية صارمة تخضع لسيطرة “حارس البوابة” (Gatekeeper) المتمثل في إدارات القنوات والشبكات؛ بل تحول إلى مفهوم سائل، عابر للشاشات والأجهزة والمناطق الجغرافية، وذلك بفضل ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتحديداً مع ظهور شبكات النطاق العريض (Broadband) والجيل الرابع والخامس من الاتصالات.

لقد أسفر هذا التطور التكنولوجي عن بزوغ نموذج إعلامي جديد يُعرف بـ “منصات البث الرقمي التدفقي عند الطلب” (Video On Demand – VOD)، والذي تقوده كيانات تكنولوجية عملاقة مثل (Netflix, Amazon Prime, Disney+) عالمياً، ومنصات إقليمية مثل (Shahid, Watch IT, TOD) عربياً. لم تكتفِ هذه المنصات بتغيير وسيلة نقل المحتوى من الموجات الهرتزية والأقمار الصناعية إلى خوادم الإنترنت، بل أحدثت زلزالاً في “اقتصاديات الإعلام”، و”أنماط السرد الدرامي”، و”مفهوم الجمهور”.

يهدف هذا البحث الوصفي التحليلي إلى الغوص في البنية العميقة لهذا التحول، بعيداً عن الدراسات الميدانية التي تركز على أرقام نسب المشاهدة اللحظية، ليركز على “فلسفة الوسيلة الإعلامية”، وكيف تعيد المنصات الرقمية تشكيل الهوية المؤسسية والوظيفية للتليفزيون كأداة للاتصال الجماهيري.

المشكلة البحثية

تتبلور المشكلة البحثية في هذا العمل الأكاديمي حول التحدي الوجودي والهيكلي الذي تفرضه منصات البث الرقمي على نموذج “التليفزيون الخطي التقليدي” (Linear Television). فالقنوات التليفزيونية التي اعتمدت لعقود على نموذج (البث المجدول / الإعلانات التجارية المدمجة / الجمهور الجماهيري المتجانس)، تجد نفسها اليوم في مواجهة نموذج (المشاهدة عند الطلب / الاشتراكات المباشرة / الجمهور الفردي المخصص عبر الخوارزميات). وعليه، يمكن صياغة التساؤل الرئيسي للبحث على النحو التالي: “ما هي طبيعة التحولات البنائية (الهيكلية والاقتصادية) والوظيفية (المحتوى وعادات التعرض) التي أحدثتها منصات البث الرقمي التدفقي في صناعة التليفزيون، وكيف يمكن تفسير هذه التحولات في ضوء نظريات الاتصال الجماهيري؟”

وينبثق من هذا التساؤل الرئيسي التساؤلات الفرعية التالية:

  1. ما هي الجذور التاريخية والتكنولوجية لتطور البث التليفزيوني وصولاً إلى منصات (VOD)؟
  2. ما هي الفروق الهيكلية والاقتصادية بين نموذج التليفزيون التقليدي ونموذج البث الرقمي؟
  3. كيف أثرت خوارزميات الذكاء الاصطناعي في منصات البث على مفهوم “حارس البوابة” الإعلامي؟
  4. ما هي الأطر النظرية الأنسب لتفسير ظاهرة هجرة الجمهور نحو المشاهدة عند الطلب؟
  5. ما هي السيناريوهات المستقبلية لقطاع الإذاعة والتليفزيون في ظل استمرار هذا التحول الرقمي؟

أهداف البحث

يسعى هذا البحث إلى تحقيق الأهداف التالية:

  • التوثيق التاريخي والتكنولوجي: رصد مراحل تطور التليفزيون من البث التماثلي إلى البث الفضائي وصولاً إلى البث الشبكي التدفقي، لبيان التراكم المعرفي والتكنولوجي.
  • التحليل المقارن للمتغيرات الهيكلية: تفكيك الفروق الجوهرية بين التليفزيون التقليدي والمنصات الرقمية من حيث: اقتصاديات التشغيل، السردية البرامجية، وعلاقة الوسيلة بالمتلقي.
  • التنظير الإعلامي للظاهرة: تقديم قراءة نقدية تعتمد على نظريات الاتصال الكبرى (مثل الحتمية التكنولوجية، والاستخدامات والإشاعات) لتفسير التغير في السلوك الإعلامي دون الحاجة لقياسات ميدانية.
  • استشراف المستقبل الإعلامي: تقديم رؤية تحليلية لمستقبل أقسام الإذاعة والتليفزيون الأكاديمية والمؤسسية في ظل اندماج الوسائط (Media Convergence).

الإجراءات المنهجية

  • نوع البحث: يُصنف هذا البحث ضمن البحوث الوصفية التحليلية التفسيرية (Descriptive-Analytical Explanatory Research). حيث لا يكتفي الباحث بسرد خصائص منصات البث الرقمي، بل يحلل العوامل التي أدت إلى صعودها، ويفسر تأثيراتها العميقة على بنية التليفزيون التقليدي.
  • منهج البحث: اعتمد البحث على المنهج الوثائقي (Documentary Method)، والذي يقوم على جمع وتحليل وتقييم الأدبيات والأطر النظرية، والتقارير الأكاديمية، والكتب المرجعية المتعلقة بصناعة الإذاعة والتليفزيون. كما تم استخدام أسلوب التحليل المقارن (Comparative Analysis) لعقد مقارنات منهجية بين نموذج التليفزيون الخطي ونموذج البث التدفقي.
  • أدوات جمع البيانات: نظراً لطبيعة البحث الوصفية، تم الاعتماد كلياً على المصادر الثانوية (Secondary Data) المتمثلة في الدوريات العلمية المحكمة، الكتب، والمقالات الأكاديمية.

المبحث الأول: التطور التاريخي والتكنولوجي: من البث الأرضي إلى العوالم السحابية

  1. – حقبة الندرة (البث التماثلي) ومفهوم “الاحتكار الجغرافي”

لم تكن ندرة القنوات في هذه الحقبة (من الثلاثينيات حتى الثمانينيات) خياراً، بل كانت ضرورة فرضتها الحتمية الفيزيائية للطيف الترددي (VHF/UHF). الموجات الهرتزية كانت محدودة وتتعرض للتداخل، مما جعل الدول تفرض سيطرة سيادية مطلقة عليها.

  • الوظيفة الاجتماعية: التليفزيون هنا كان يمارس وظيفة “التوحيد القسري”؛ فالجميع يشاهدون نفس المحتوى. كان التليفزيون بمثابة “موقد النار” (Cultural Hearth) الذي تلتف حوله العائلة.
  • الاتصال الجماهيري الصارم: كانت الرسالة من أعلى إلى أسفل (Top-Down)، المتلقي سلبي تماماً، لا يملك سوى زر التشغيل والإغلاق.
  1. – حقبة الوفرة (البث الفضائي والكابلي) وتأسيس “الاستهلاك الانتقائي”

مع إطلاق الأقمار الصناعية لخدمات البث المباشر (DBS – Direct Broadcast Satellite) وتمديد شبكات الألياف النحاسية المحورية، انكسر الاحتكار الحكومي وانفتح الفضاء أمام رأس المال الخاص.

  • ظاهرة (Zapping): أدى اقتران وفرة القنوات مع انتشار جهاز “التحكم عن بعد” (Remote Control) إلى ولادة أول شكل من أشكال تمرد المشاهد؛ وهو “التقليب المستمر” للهروب من الإعلانات أو البحث عن محتوى أفضل.
  • التفتت الأولي (Narrowcasting): بدأت القنوات تدرك استحالة إرضاء الجميع في وقت واحد، فظهرت قنوات “النيش” (Niche Channels) الموجهة لفئات محددة (قنوات إخبارية 24 ساعة، قنوات أطفال، قنوات موسيقية مثل MTV)، وهو ما مهّد نفسياً لثقافة التخصيص التي ستنفجر لاحقاً في عصر الإنترنت.
  1. حقبة الوفرة المطلقة (البث التدفقي – OTT) وسيادة “العوالم السحابية”

القفزة الحقيقية هنا لم تكن في زيادة عدد القنوات، بل في تقنية التوصيل (Delivery Mechanism). ظهرت تكنولوجيا (Over-The-Top – OTT)، والتي تعني تخطي البنية التحتية التقليدية لشبكات الكابل والأقمار الصناعية، وإيصال المحتوى مباشرة للمستهلك عبر بروتوكولات الإنترنت.

  • شبكات توصيل المحتوى (CDNs): المنصات لا تبث المحتوى من مركز واحد، بل تقوم بنسخ الأفلام والمسلسلات في خوادم (Servers) موزعة جغرافياً حول العالم بالقرب من المستخدمين، لضمان تشغيل الفيديو فوراً وبجودة عالية دون تقطيع.
  • البث التكيفي (Adaptive Bitrate Streaming): التليفزيون التقليدي يفقد إشارته إذا ساء الطقس، أما المنصات الرقمية فتمتلك تقنية تُحلل سرعة إنترنت المستخدم كل بضع ثوانٍ، وتقوم برفع أو خفض جودة الصورة (من 4K إلى HD إلى SD) بسلاسة لضمان استمرار العرض دون توقف (Buffering).

المبحث الثاني: التحولات الهيكلية والاقتصادية لصناعة التليفزيون

أولاً: الانقلاب العميق في اقتصاديات الإعلام

  • انهيار نموذج التكلفة بالألف (CPT – Cost Per Thousand): التليفزيون التجاري يبيع “انتباه المشاهدين” للمعلنين. يتم تسعير الدقيقة الإعلانية بناءً على عدد المشاهدين في وقت عرض البرنامج. هذا جعل القنوات رهينة لـ “البرامج الشعبوية” وتجنب المحتوى النخبوي لأنه لا يجذب الجماهير الغفيرة.
  • صعود نموذج الاشتراك المباشر (SVOD) واقتصاد “الاحتفاظ” (Retention): في منصات البث، المستخدم هو العميل المباشر. المنصة لا تبحث عن أرقام مشاهدة لحظية، بل تبحث عن تقليل “معدل التسرب” (Churn Rate) – أي منع المشترك من إلغاء اشتراكه. لذا، تنفق المنصات ميزانيات فلكية على ما يُسمى بـ (Originals) أو الإنتاج الأصلي الحصري، ليكون هو “طُعم” جذب المشتركين وبقائهم.

ثانياً: التحول من “الحدس البشري” إلى “حتمية الخوارزميات”

  • التخطيط البرامجي التقليدي (Programming): يعتمد مديرو التليفزيون على دراسات السوق الاستعادية والحدس وخبرتهم المتراكمة لبناء “شبكة برامجية” (Grid).
  • الخوارزميات التنبؤية (Predictive Analytics): المنصات لا تخمن، بل تعرف. يتم جمع مليارات البيانات (Big Data) يومياً: (أين أوقف المشاهد المسلسل؟ هل تخطى المقدمة؟ متى يشاهد الكوميديا ومتى يشاهد الدراما؟). هذا أنتج ما يسمى بـ “الهندسة العكسية للمحتوى”؛ فعلى سبيل المثال، قامت نتفليكس بإنتاج مسلسل (House of Cards) ليس لأن مخرجاً اقترحه، بل لأن خوارزمياتها أثبتت وجود شريحة ضخمة من المشتركين يحبون أفلام المخرج “ديفيد فينشر”، والممثل “كيفن سبيسي”، والدراما السياسية البريطانية؛ فتم دمج هذه العناصر الثلاثة في عمل واحد لضمان النجاح المسبق.

ثالثاً: التحول الجذري في السردية الدرامية وبنية المحتوى

  • موت “الطيار التليفزيوني” (Pilot Episode): في التليفزيون، تُنتج حلقة تجريبية أولى (Pilot) تُعرض على الإدارة والمعلنين؛ فإن نالت الرضا، تم تمويل باقي الموسم. في VOD، تُلغى هذه الخطوة، وتُطلب المواسم كاملة  (Straight-to-Series)، مما يمنح صُناع العمل حرية فنية لبناء دراما هادئة وعميقة دون الحاجة لافتعال أحداث صاخبة في الحلقة الأولى فقط لجذب الانتباه.
  • تغيير هياكل الكتابة (Slow Burn Narrative): الكاتب للتليفزيون كان يضطر لوضع “تذكير” مستمر في بداية الحلقة (ماذا حدث في الحلقات السابقة) لأن المشاهد يتابع العمل على مدار شهور. أما مع ثقافة Binge-watching، يفترض الكاتب أن المشاهد أنهى الحلقة السابقة منذ 10 ثوانٍ فقط، لذا أصبحت المسلسلات تُكتب وكأنها “فيلم ممتد” تتطور شخصياته ببطء وتُحلل نفسياً بعمق، دون الحاجة للالتزام بقالب 45 دقيقة الصارم (قد تكون حلقة 30 دقيقة وأخرى 65 دقيقة حسب حاجة السرد المخرج).

المبحث الثالث: الأطر النظرية المفسرة للتحول الإعلامي

  1. – نظرية الحتمية التكنولوجية (تعميق ماكلوهان)
  • تؤكد النظرية أن التحول من “شاشة التليفزيون في غرفة المعيشة” إلى “شاشة الهاتف الذكي في قبضة اليد” غيّر من طبيعة الاستقبال. الهاتف الذكي يصنف إعلامياً كوسيلة “شديدة الحميمية والانغماس” مقارنة بالتليفزيون. المتلقي عبر الهاتف أو الجهاز اللوحي يضع سماعات الرأس، ويعزل نفسه تماماً عن محيطه، مما يرفع من درجات التأثير العاطفي والاندماج مع المحتوى (Immersion) بشكل يتجاوز تجربة المشاهدة العائلية التليفزيونية المشتتة.
  1. – نظرية الاستخدامات والإشاعات (تفكيك الدوافع)

تتفرع الدوافع في عصر الـ VOD إلى إشباعات مركبة:

  • الإشباع الوظيفي (Functional Gratification): القدرة على تجاوز المقدمات الموسيقية (Skip Intro)، والتحكم في سرعة التشغيل (Playback Speed)، وتحميل المحتوى لمشاهدته دون إنترنت (Offline Viewing).
  • الإشباع النفسي العميق (Psychological Escape): المشاهدة النهمة (Binge-watching) لم تعد مجرد ترفيه، بل فُسرت علمياً وسيكولوجياً كأداة لـ “التنظيم العاطفي” للهروب من ضغوط الواقع، حيث تمنح الخوارزميات المشاهد تدفقاً مستمراً من الدوبامين، وتجنبه قلق اتخاذ القرار في نهاية كل حلقة عبر ميزة “التشغيل التلقائي” (Autoplay).
  1. – الابتكار المزعزع (معضلة المبتكر – Innovator’s Dilemma(
  • تشرح هذه النظرية بوضوح لماذا لم تقم شبكات التليفزيون الكبرى (مثل الكابل في أمريكا أو القنوات الفضائية الضخمة عربياً) باختراع البث التدفقي رغم امتلاكها للمال والمحتوى؟ الإجابة تكمن في “معضلة المبتكر”. كانت هذه القنوات تجني أرباحاً طائلة من الإعلانات، ولم ترغب في استثمار أموالها في تقنية جديدة (الإنترنت) كانت جودتها رديئة في بداياتها ولن تدر ربحاً سريعاً. استغلت الشركات التكنولوجية (من خارج الصناعة الإعلامية) هذا التردد، وتطورت بصمت حتى التهمت حصة الأسد، لتجد القنوات التقليدية نفسها مضطرة للحاق بالركب بعد فوات الأوان.

المبحث الرابع: انعكاسات التحول على مفهوم “الجمهور” والوظيفة الاجتماعية

  • تفتيت الجمهور وصعود “غرف الصدى” الثقافية
  • فقد التليفزيون قدرته على خلق “أجندة عامة” موحدة. في الماضي، كان المسلسل الذي يُعرض الساعة الثامنة مساءً هو حديث الموظفين في صباح اليوم التالي. أما اليوم، يتميز المشهد الإعلامي بالتشظي؛ فالمنصات تخلق فقاعات انعزالية. الاستهلاك الفردي المفرط يؤدي إلى تراجع المساحات المشتركة للحوار المجتمعي، حيث يتغذى كل فرد على محتوى مصمم خصيصاً ليطابق أهواءه وتحيزاته المسبقة.

2  – الإمبريالية الثقافية الجديدة مقابل “العولمة المحلية” (Glocalization)

  • الإمبريالية الخوارزمية: تمتلك المنصات العالمية قوة ناعمة هائلة في تصدير القيم الغربية ودمجها بسلاسة داخل المحتوى الترفيهي، متجاوزة أنظمة الرقابة الوطنية التي كانت تحكم التليفزيون التقليدي.
  • استراتيجية Glocalization: أدركت المنصات العالمية أنها لن تستحوذ على المشاهد المحلي بالمحتوى الأجنبي فقط. فقامت بالاستثمار في الإنتاجات المحلية (دراما كورية، إسبانية، وعربية)، ولكن بمعايير جودة هوليوودية. هذا أنتج أعمالاً بصبغة محلية ولكن بروح عالمية يسهل دبلجتها وتصديرها، مما أثر بشدة على صناعة الدراما التليفزيونية الوطنية التي تفتقر لتلك الميزانيات.

 

المبحث الخامس: مستقبل صناعة التليفزيون: الاندماج أم الانقراض؟

  1. – ظاهرة “قطع الأسلاك” (Cord-Cutting) والاندماج القسري

تشير الإحصائيات العالمية إلى تسارع ظاهرة (Cord-Cutting)، أي إلغاء المشاهدين لاشتراكات التليفزيون الكابلي والفضائي المأجورة لصالح الإنترنت. لمواجهة ذلك، اتجهت الكيانات الإعلامية التقليدية الكبرى إلى استراتيجية (Direct-to-Consumer) ، حيث قامت بإنشاء منصاتها الخاصة وسحب محتواها من المنصات المنافسة (حروب البث – Streaming Wars)، في محاولة للحفاظ على هويتها المؤسسية حتى وإن تغير شكل الشاشة.

-2. المفارقة التكنولوجية: عودة نموذج FAST (إعادة اختراع التليفزيون)

في مفارقة عجيبة، بدأ الجمهور يشعر بما يُسمى “إرهاق الاختيار” (Decision Fatigue). قضاء نصف ساعة في تقليب مكتبة نتفليكس لاختيار فيلم أصبح عملية مرهقة. هنا ظهرت خدمات (FAST – Free Ad-supported Streaming TV) لتكون طوق النجاة لتجربة التليفزيون الخطي.

تقوم هذه المنصات الرقمية ببث قنوات تعمل على مدار الساعة دون توقف، وتدعمها فواصل إعلانية قصيرة جداً لا يمكن تخطيها. المشاهد المجهد يعود طواعية لفكرة “دع غيري يختار لي ماذا أشاهد”، مما يثبت أن “الاسترخاء السلبي” المرتبط بالتليفزيون التقليدي لا يزال حاجة نفسية ملحة، ولكن عبر بنية الإنترنت.

3- حصن التليفزيون الأخير: البث المباشر والأحداث الآنية

الشيء الوحيد الذي لا تتحمله خوارزميات VOD ولا يتوافق مع طبيعتها هو “تأجيل المشاهدة”. الأخبار العاجلة، التغطيات السياسية، والمباريات الرياضية الكبرى تفقد 90% من قيمتها إذا لم تُشاهد لحظة وقوعها.

مستقبل التليفزيون الكلاسيكي سينكمش ليتخصص في دور “الناقل اللحظي للحدث”. ومع ذلك، حتى هذا الحصن الأخير بدأ يتعرض للهجوم، مع دخول منصات رقمية وشركات تكنولوجيا (مثل أمازون برايم وأبل تي في) في مزايدات ملياريه لشراء حقوق بث دوريات كرة القدم الكبرى، مما ينذر بمعركة كسر عظم نهائية على المساحة الأخيرة المتبقية للتليفزيون التقليدي.

قائمة المراجع

أولاً: المراجع والكتب باللغة العربية

  • مكاوي، حسن عماد، والسيد، ليلى حسين. (2020). الاتصال ونظرياته المعاصرة (الطبعة العاشرة). القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.
  • عبد الحميد، محمد. (2018). نظريات الإعلام واتجاهات التأثير. القاهرة: عالم الكتب.
  • صادق، عباس مصطفى. (2021). الإعلام الجديد: المفاهيم والوسائل والتطبيقات. عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع.
  • شرف الدين، عبد العظيم. (2019). اقتصاديات الإعلام التليفزيوني في عصر الإنترنت. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.
  • الهيتي، خليل. (2022). مستقبل التليفزيون والفضاء الرقمي: دراسة تحليلية للتحولات التقنية والمحتوى. عمان: دار أسامة للنشر والتوزيع.

ثانياً: البحوث والدوريات العلمية المرجعية

6. أحمد، فاطمة الزهراء. (2022). “التحولات الهيكلية في صناعة الدراما التليفزيونية في ظل صعود المنصات الرقمية”. مجلة البحوث الإعلامية، جامعة القاهرة، المجلد (60)، العدد (2).

7. سليمان، محمود. (2023). “مستقبل القنوات الفضائية العربية في عصر البث الرقمي المنزلي: الفرص والتحديات”. المجلة العربية للإعلام والاتصال، الجمعية السعودية للإعلام، العدد (34).

8. الزغبي، محمد. (2021). “دور خوارزميات التوصية في منصات الفيديو عند الطلب وتأثيرها على العادات الانتقائية للمشاهد”. مجلة كلية الإعلام، جامعة بني سويف، العدد (12).

ثالثاً: المراجع باللغة الإنجليزية

9. Lotz, A. D. (2020). We Now Disrupt This Broadcast: How Cable Transformed Television and the Internet Revolutionized It All. Cambridge, MA: MIT Press.

10. Jenner, M. (2018). Netflix and the Re-invention of Television. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan.

11. Burroughs, B. (2019). “House of Cards: Radio, Television, and the algorithmic structuring of audiences”. Journal of Broadcasting & Electronic Media, 63(3), 435-453.

12. Katz, E., Blumler, J. G., & Gurevitch, M. (1973). “Uses and Gratifications Research”. The Public Opinion Quarterly, 37(4), 509-523.

13. McLuhan, M. (1964). Understanding Media: The Extensions of Man. New York: McGraw-Hill.

14. Christensen, C. M. (1997). The Innovator’s Dilemma: When New Technologies Cause Great Firms to Fail. Boston: Harvard Business School Press.

15. Matrix, S. (2014). “The Netflix Effect: Teens, Binge Watching, and On-Demand Digital Media Trends”. Jeunesse: Young People, Texts, Cultures, 6(1), 119-138.

Turner, G. (2019). “Television and the digital revolution”. Television & New Media, 20(2), 115-124.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts