
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تبدو القاهرة وكأنها تمشي فوق خيط دقيق بين نارين؛ نار الجغرافيا التي تفرض عليها أن تراقب كل ما يجري حولها، ونار الرسالة التاريخية التي تجعلها مطالبة دائماً بأن تكون دولة توازن لا دولة اندفاع. ومن هنا يمكن فهم ذلك الخطاب الإعلامي المصري المحسوب في متابعة الحرب الإيرانية؛ فهو لا يعكس غموضاً بقدر ما يكشف عن حسابات عميقة، تتعلق بالأمن القومي، والاقتصاد، ومكانة مصر في الإقليم، وحدود ما يمكن قوله علناً وما يجب أن يظل في دائرة إدارة الأزمة.
القاهرة لا تنظر إلى الحرب الإيرانية باعتبارها حدثاً بعيداً يمكن التعامل معه كخبر خارجي عابر، لأن إيران في الحساب المصري ليست مجرد دولة في شرق الإقليم، وإنما مركز تأثير يمتد عبر الخليج، والبحر الأحمر، وبلاد الشام، واليمن، وممرات الطاقة والتجارة التي تتقاطع كلها مع المصالح المصرية. ولهذا فإن أي تصعيد عسكري ضد طهران، أو أي رد إيراني واسع، يتحول مباشرة إلى ملف مصري بامتياز، حتى لو لم تطلق رصاصة واحدة قرب الحدود المصرية.
الجغرافيا هنا تفرض منطقها بقوة. مصر دولة قناة السويس، ودولة المفصلية التي تمر عبرها التجارة بين الشرق والغرب. ومع كل تصعيد في الخليج أو مضيق هرمز أو باب المندب، تبدأ القاهرة في قراءة الخريطة من زاوية واحدة: ماذا سيحدث للملاحة؟ ماذا سيحدث للطاقة؟ ماذا سيحدث لسلاسل الإمداد؟ وماذا سيحدث لسعر التأمين على السفن، ثم على العملة، ثم على السوق الداخلية؟ هذا التداخل بين الأمن والجغرافيا والاقتصاد يجعل الإعلام المصري الرسمي وشبه الرسمي أكثر ميلاً إلى اللغة المحسوبة، لأن أي خطاب انفعالي قد يورط الدولة في اصطفاف مكلف، أو يرفع سقف توقعات الشارع، أو يرسل رسائل خاطئة إلى عواصم إقليمية ودولية تراقب كل كلمة تصدر من القاهرة.
الموقف المصري في الأسابيع الأخيرة قدم إشارات واضحة على هذا النهج. وزارة الخارجية المصرية كررت أكثر من مرة أن التهدئة والدبلوماسية هما الطريق الوحيد لمنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، كما أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن مصر تقود مع شركاء إقليميين جهوداً مكثفة لخفض التصعيد ومنع توسع الحرب، في وقت أبدت فيه القاهرة استعداداً لاستضافة مسار تفاوضي يساهم في احتواء الأزمة. هذه اللغة لم تأتِ من فراغ، وإنما تعكس قراراً مصرياً بأن تكون القاهرة في موقع الوسيط الضابط، لا في موقع المنخرط دعائياً في الحرب نفسها.
وهنا نصل إلى نقطة جوهرية، وهي أن الخطاب الإعلامي المصري المحسوب هو امتداد مباشر لعقيدة دولة. فالدولة المصرية تعرف أن أي انحياز لفظي حاد ضد إيران قد يضعف قدرتها على لعب دور الوساطة لاحقاً، كما أن أي خطاب يبدو متعاطفاً مع طهران بشكل مفرط قد يصطدم مع شبكة علاقات مصر الخليجية والعربية، خاصة في لحظة شهدت فيها المنطقة إدانات عربية واضحة للهجمات الإيرانية على دول عربية ومنشآت مدنية ومرافق سيادية. البرلمان المصري نفسه شدد على دعم مصر غير المشروط للدول العربية المتضررة، مع تمسكه في الوقت ذاته بالمسار السياسي ورفض الانزلاق إلى حلول عسكرية مفتوحة.
هذا التوازن يفسر لنا لماذا تتجنب القاهرة في إعلامها الرسمي اللغة التعبوية التي تعتمد على شيطنة طرف واحد بصورة كاملة، أو تبني رواية حرب صفرية. فمصر تدرك أن المنطقة في وضع بالغ الحساسية، إيران طرف مهم في معادلة الخليج، وأي انهيار كامل في الداخل الإيراني قد يطلق موجات فوضى أمنية وطائفية واقتصادية تمتد آثارها إلى المشرق والبحر الأحمر. وفي المقابل، تدرك القاهرة أيضاً أن تمدد النفوذ الإيراني في الإقليم، خاصة حين يأخذ شكلاً عسكرياً عبر الأذرع والوكلاء والممرات البحرية، يمثل تهديداً مباشراً لمصالحها. لذلك يظهر الخطاب المصري وكأنه يقول: نرفض الفوضى، نرفض التمدد، نرفض الحرب الطويلة، ونريد إعادة الإقليم إلى منطق الدولة لا منطق الجبهات المفتوحة.
الإعلام المصري في مثل هذه اللحظات يعمل ضمن ثلاث دوائر متداخلة. الدائرة الأولى هي إدارة الوعي الداخلي، فالقاهرة لا تريد للشارع المصري أن يتعامل مع الحرب بمنطق المشجعين: فريق ضد فريق. لأن هذا النوع من الاستقطاب يخلق انفعالات سريعة، ثم يفتح الباب أمام قراءات شعبوية تضغط على الدولة كي تتخذ مواقف أكبر من قدرتها أو من مصلحتها. ومن هنا يظهر الحذر في العناوين، والحرص على تقديم الحرب كأزمة إقليمية معقدة، لا كملحمة ثنائية بين خير مطلق وشر مطلق.
الدائرة الثانية هي ضبط الرسائل للخارج، كل ما يُنشر في القاهرة يقرأ في طهران، وفي الخليج، وفي واشنطن، وفي تل أبيب، لذلك يصبح الإعلام في جزء منه امتداداً للسياسة الخارجية. وعندما تختار مصر لغة مثل “خفض التصعيد” و”الدبلوماسية” و”منع اتساع دائرة الحرب”، فهي ترسل إشارة إلى الجميع بأنها لا تمنح غطاءً مفتوحاً لأي مغامرة عسكرية، ولا تقبل في الوقت نفسه أن تتحول المنطقة إلى مسرح تصفية حسابات.
الدائرة الثالثة هي حماية صورة مصر كدولة مركز، فالقاهرة لا تريد أن تظهر كطرف تابع يعيد إنتاج سردية الآخرين، ولا كطرف منسحب تماماً من المشهد. لذلك نرى خطاباً محسوباً يترك مساحة للنقد، ومساحة للتحذير، ومساحة للوساطة. هذه المعادلة بالذات هي التي تحافظ على ما تبقى من “الوزن المصري” في لحظة تراجع أدوار كثيرة وصعود أدوار أخرى.
والاقتصاد عنصر حاسم في تفسير هذا الحذر، فالحرب الإيرانية بالنسبة لمصر ليست مجرد قضية جيوسياسية، وإنما تهديد مباشر لاقتصاد يتحمل ضغوطاً ثقيلة. أي اضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب أو خطوط الملاحة ينعكس فوراً على قناة السويس، وعلى عائدات العبور، وعلى تكلفة الواردات، وعلى أسعار الطاقة والشحن والتأمين. لهذا لم يكن غريباً أن ترفع الدولة المصرية جاهزية قناة السويس ومرافقها مع تصاعد الحرب، في ظل مخاوف مُعلنة من تأثير التوترات الإقليمية على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
والأهم من ذلك أن مصر تدرك أن الحرب الطويلة قد تخلق مفارقة خطيرة؛ من جهة قد تستفيد بعض الدول المصدرة للطاقة من ارتفاع الأسعار، ومن جهة أخرى تتضرر الدول المستوردة أو المعتمدة على استقرار النقل البحري، ومصر تقع في منطقة حساسة بين الأمرين. وحتى إن وجدت فرص عابرة في إعادة تشكيل بعض المسارات التجارية، فإن الكُلفة العامة للفوضى تظل أعلى بكثير من أي مكسب مؤقت. هذا ما يفسر لماذا تبدو القاهرة أكثر اهتماماً بوقف الحرب من الانخراط في سرديات الانتصار والهزيمة.
هناك أيضاً عامل مهم يرتبط بالذاكرة السياسية المصرية. فالدولة المصرية، بحكم تجربتها التاريخية، تعرف أن الحروب الإقليمية تبدأ بعنوان وتتمدد بعناوين أخرى. ما يبدأ بضربة على منشآت نووية أو رد على قاعدة عسكرية قد ينتهي بتهديد للممرات البحرية، أو انهيار في أسواق الطاقة، أو تصاعد في نشاط الجماعات المسلحة، أو موجات لجوء ونزوح، أو توتر طائفي عابر للحدود. ولهذا تميل القاهرة إلى التعامل مع الحرب الإيرانية باعتبارها “مقدمة لاحتمالات أكبر” لا باعتبارها حدثاً منفصلاً.
ومن زاوية الإعلام تحديداً، هناك سبب آخر للحذر، ألا وهو التضليل. مع الحروب الحديثة، المعركة لا تدور في السماء والبر والبحر، وإنما على الشاشات والهواتف والمنصات. وقد حذر وزير الخارجية المصري بالفعل من المعلومات المضللة المتداولة على وسائل التواصل، في إشارة واضحة إلى أن الدولة تعتبر المعركة السردية جزءاً من الأمن القومي. ولذلك يظهر الإعلام الرسمي المصري أكثر تحفظاً في تبني الروايات المتدفقة من كل طرف، وأكثر ميلاً إلى التثبت والتهدئة اللغوية بدل التصعيد اللفظي.
هذا لا يعني أن القاهرة غائبة عن المشهد، بالعكس. مصر تتحرك سياسياً بصورة نشطة عبر اتصالات إقليمية ودولية مكثفة، وشاركت في مشاورات مع دول مثل السعودية وتركيا وباكستان لبحث سبل إنهاء الحرب مبكراً ومنع توسعها. المعنى هنا أن القاهرة اختارت أن ترفع مستوى الحركة الدبلوماسية، وأن تخفض مستوى الضجيج الإعلامي. وهذه في حد ذاتها رسالة؛ الدولة التي تعرف حجمها الحقيقي لا تحتاج إلى صراخ كي تثبت حضورها، وإنما إلى موقع تفاوضي يحفظ لها القدرة على الفعل حين يتعطل الجميع.
في العمق، مصر تتابع الحرب الإيرانية بعينين لا بعين واحدة. العين الأولى ترى إيران كقوة إقليمية لها مشروع توسع وممرات نفوذ وشبكات تأثير تهدد التوازن العربي، خاصة حين ينعكس ذلك على أمن الخليج والبحر الأحمر. والعين الثانية ترى أن تدمير إيران أو تفكيكها أو دفعها إلى فوضى مفتوحة قد يطلق إقليماً أكثر خطورة، وأكثر قابلية للانفجار، وأكثر تكلفة على الجميع. وبين العينين تولد السياسة المصرية، ويولد معها هذا الحذر الإعلامي.
وعندما نتساءل: لماذا تتابع القاهرة الحرب الإيرانية بلغة إعلامية محسوبة؟ فإن الجواب المختصر هو أن مصر لا تتعامل مع الحرب كخبر، وإنما كاختبار لموقعها. اختبار لقدرتها على حماية اقتصادها، وصيانة أمنها القومي، والحفاظ على شبكة علاقاتها العربية، وعدم خسارة قنواتها مع الأطراف المتصارعة، والاحتفاظ بدورها كعاصمة يمكن أن تمر عبرها التسويات حين تتعب البنادق.
مصر هنا بين الجغرافيا والرسالة؛ الجغرافيا تقول إن النار قريبة، وإن الممرات المائية شرايين حياة لا تحتمل المقامرة. والرسالة تقول إن القاهرة، بحكم تاريخها، مطالبة بأن تكون صوت التوازن لا طبلة الحرب. ولهذا يأتي الإعلام المصري هادئاً أكثر مما يتوقع البعض، وحذراً أكثر مما يرغب البعض، وأبرد مما تفرضه العواطف. غير أن هذا البرود الظاهري يخفي تحته حرارة حسابات ثقيلة؛ حسابات دولة تعرف أن الكلمة في زمن الحرب قد تكون أخطر من الصاروخ، وأن الموقف الذي يقال في نشرة مساء قد يقيد هامش الحركة في صباح اليوم التالي.
في النهاية، يمكن القول إن الحذر الإعلامي المصري تجاه الحرب الإيرانية لا يمكن اعتباره وحسابه علامة ضعف، ولا انعكاس تردد، وإنما تعبير عن مدرسة كاملة في إدارة الأزمات؛ أقل قدر من الانفعال، وأكبر قدر من المناورة. هذه هي القاهرة حين تشعر أن الإقليم على حافة انفجار كبير. لا تصرخ كثيراً، ولا تنسحب من المشهد. تراقب، تحسب، تتدخل في اللحظة المناسبة، وتترك للإعلام مساحة محسوبة تكفي لإيصال الرسالة دون أن تحرق الجسور.


