On Research

مقالات تحليلية

الرؤية المستقبلية

Email :3127

إعداد

الباحث عمر الأعرجي

العراق

 

 

تُمثل الرؤية المستقبلية تصوراً استراتيجياً ملهماً لما تطمح المؤسسات أو الأفراد لتحقيقه في المدى البعيد. فهي لا تقف عند حدود الحلم، بل تعمل كخارطة طريق منهجية تهدف إلى تحديد الأهداف، وتوحيد الجهود، واستشراف التحديات والفرص؛ وبذلك تصبح الرؤية أداة لصناعة المستقبل عبر صياغة أفعال الحاضر. ولا تكتسب الرؤية قيمتها إلا إذا اتسمت بالوضوح والطموح، وهو النهج الذي تتبعه الدول المتقدمة عبر تبني خطط بعيدة المدى تمس مفاصل الحياة كافة (الاقتصادية، والتعليمية، والبيئية)، بما يضمن رفاهية الفرد وتعزيز شرعية واستدامة القوى السياسية الفاعلة.

وعلى صعيد المنطقة، نجد أن العديد من الدول العربية قد شرعت بالفعل في صياغة رؤى تنموية لم تقتصر على الجانب النظري، بل اقترنت بتطبيق فعلي وحقيقي أثمر عن نتائج ملموسة؛ تجلت في ارتفاع مؤشرات النمو الاقتصادي، وتحسن جودة التعليم، وحماية البيئة، مما أدى بالضرورة إلى تعظيم الناتج المحلي الإجمالي ورفع مستوى المعيشة.

وفي المقابل، نجد فجوة واضحة بين التنظير والتطبيق. فبالرغم من أهمية وضع رؤية مستقبلية شاملة، إلا أن المؤشرات الراهنة لا تعكس توجهاً حقيقياً نحو تحقيق نتائج مثمرة تنهض بالاقتصاد الوطني. وما الاضطرابات الاقتصادية الأخيرة، المتمثلة في رفع الضرائب على السلع الأساسية وتقليص بعض المستحقات المالية القانونية، إلا دليل على غياب خطة استراتيجية استباقية قادرة على امتصاص الأزمات وتجنيب المواطن تبعات التخبط المالي.

أما على المستوى البيئي، فيعاني المجتمع العراقي من تلوث متزايد وتصحر مستمر، وهي عوامل أدت -بحسب التقارير المختصة- إلى تفشي الأمراض وتراجع جودة الحياة. إن غياب “التنمية المستدامة” ضمن رؤية فاعلة حال دون القضاء على هذه المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تتفاقم يوماً بعد آخر.

إن الحاجة ملحة اليوم لصياغة رؤية لا تكتفي بالنظر إلى الداخل فقط، بل تمتد لتنظيم العلاقات الخارجية مع دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية الفاعلة، بما يخدم المصلحة الوطنية. فإذا كان الفرد الواحد يحتاج إلى خطة لضمان توازنه المالي والتعليمي والاجتماعي، فكيف ببلد يقطنه الملايين؟ إن هذا الواقع يتطلب عملاً دؤوباً لصياغة استراتيجيات لا تُقاس بالسنوات القليلة التي تسد الحاجة الآنية فقط، بل برؤى عابرة للأجيال تستهدف الازدهار المستمر واللحاق بركب الأمم المتقدمة. نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز الحلول المؤقتة لتعالج العقبات الجذرية التي تواجه البلاد. فبناء مستقبل واعد في مجالات الاقتصاد والتعليم والبيئة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن رؤية سياسية متوازنة؛ تحكم العلاقات الداخلية وفق الدستور لضمان العمل الجماعي ونبذ التنافر، وبما يؤدي في النهاية إلى الرقي والازدهار.

ولا تتوقف هذه الرؤية عند الحدود الوطنية، بل تمتد لتشمل رؤية دولية (خارجية) تتسم بالعقلانية والمرونة، خاصة في ظل نظام عالمي تهيمن عليه قوى عظمى كالولايات المتحدة. إن بناء علاقات دولية متوازنة في بيئة إقليمية مضطربة وسريعة التغير، يتطلب أهدافاً نبيلة يضعها خبراء يمتلكون بصيرة نافذة.

إن الجوهر الذي يجب إدراكه هو أن الإصلاح الداخلي —اقتصادياً وبيئياً وتعليمياً— يظل رهيناً لنجاح السياسة الخارجية. فبدون تأمين مكانة دولية مستقرة، سنواجه هشاشة داخلية وتدهوراً اقتصادياً، قد يصل إلى فرض ضغوط وضرائب دولية تربك الحسابات الوطنية وتضر بمعيشة الفرد. لذا، تصبح الرؤية السياسية الشاملة هي الأولوية القصوى والركيزة الأساسية لأي نهضة تنموية مستدامة. نحن في أمسّ الحاجة إلى رؤية تُصاغ لتكون طويلة المدى ولا تقتصر على حد معين. إن الرؤية السياسية اليوم ضرورة ملحة لمواجهة العقبات التي تواجه البلد؛ فكما ذكرنا في مقدمة المقال عن وضع رؤية مستقبلية للاقتصاد والتعليم والبيئة، فإن الأمر لا يقتصر عليها فحسب، بل يجب أيضاً وضع رؤية سياسية متوازنة وبعيدة المدى لضمان عمل سياسي ناجح.

ويتحقق ذلك عبر إقامة علاقات داخلية متوازنة وفق الدستور، تضمن العمل الجماعي وتمنع التنافر الداخلي، مما يقود إلى الرقي والازدهار. وكما تتطلب العلاقات الداخلية رؤية، فإن العلاقات الخارجية تتطلب أيضاً رؤية سياسية متوازنة ودولية، وهي غاية في الأهمية في ظل عالم تهيمن عليه قوى عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، حيث نرى ما تقوم به من أفعال. لهذا، يتطلب الأمر رؤية دولية (خارجية) تتطلع إلى إقامة علاقات جيدة ومتوازنة. العالم اليوم يفرض وجود هكذا رؤية وخطط استراتيجية من أجل نهضة البلد، بالتوازي مع خطط تنموية مستدامة.

إن ما يجري اليوم إقليمياً ودولياً يتطلب وضع رؤية تُسرع في تدارك الوضع الخارجي لضمان الاستقرار الداخلي (النفاذ الداخلي). فالرؤية السياسية الخارجية الدولية، إذا تم التعامل معها بعقلانية وجدية، ستكون طوق نجاة للأفراد من الخطر الذي يحيط بالمنطقة.

وهنالك خبراء مختصون بالرؤية الاستراتيجية يمكن التعاون معهم لوضع خطة تتعامل إقليمياً ودولياً مع المتغيرات المستمرة. وقد نرى اليوم من التغريدات والمشاهد التي تحدث إقليمياً ما يثير التساؤل: ماذا يحدث خلف الكواليس؟ إن هذه المؤشرات تشي بأن هنالك سيناريو محتملاً يجري الإعداد له في المنطقة.

إن المتغيرات المستمرة والسريعة تتطلب وضع خطط ورؤية مستقبلية استباقية للتعامل مع أي حدث طارئ. ونشاهد الدول الإقليمية التي تمتلك رؤية سياسية خارجية ونجحت في وضعها، كيف حققت نتائج مثمرة ومتميزة رفعت من الناتج المحلي، وحققت تفوقاً اقتصادياً، وبيئياً، وتعليمياً، وحتى خارجياً على مستوى دولي. وهنالك مؤشرات في التصنيف العالمي تثبت تحقيق هذه النتائج، حيث حظيت تلك الدول بقبول إقليمي ودولي واسع ومشاركة فاعلة في التأثير الدبلوماسي. وكل هذا لا يأتي من فراغ، بل نتاج وضع رؤية وخطط استراتيجية متوازنة ترفع من قيمة الدولة إقليمياً ودولياً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts