On Research

وحدة الدراسات السياسية

الضغوط الأمريكية على كوبا بعد اتهام راؤول كاسترو: قراءة في الأبعاد والسيناريوهات

Email :2

إعداد

 فايزة أحمد حسن مزمل

باحثة دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية

كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

 

 

 

في تطورٍ يعكس تصاعد حدة التوترات بين الولايات المتحدة وكوبا، عادت قضية راؤول كاسترو إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود، بعد أن أعلنت وزارة العدل الأمريكية في 20 مايو 2026 توجيه اتهامات جنائية إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، البالغ من العمر 94 عامًا، وخمسة طيارين عسكريين سابقين.

يأتي هذا الاتهام على خلفية إسقاط طائرتين مدنيتين تابعتين لمجموعة (Brothers to the Rescue) الأمريكية عام 1996، والتي أسفرت عن مقتل أربعة مواطنين أمريكيين، بتهم تشمل القتل العمد وتدمير طائرتين أمريكيتين؛ مما دفع البعض نحو التساؤل: هل تتحول كوبا إلى فنزويلا جديدة؟ وهل تُمثل هذه الاتهامات بداية لسيناريو مُشابهٍ لما حدث مع الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو؟ أم أنها محاولة متأخرة لتحقيق العدالة؟

وتكمن خطورة هذه الاتهامات في كونها لا تقتصر على أبعادٍ قانونية فحسب، بل تحمل في طياتها أيضًا أبعادًا سياسية، ولا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها كوبا وزيادة معدلات الهجرة، فضلاً عن أزمة الطاقة التي تفاقمت في أعقاب اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو في يناير 2026، الحليف الاستراتيجي الأول لكوبا، وفي ظل الضغوط التي تمارسها واشنطن على كوبا؛ بهدف إضعاف النظام السياسي الكوبي.

وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أن القضية قانونية بحتة؛ وتهدف إلى تحقيق مبدأ العدالة المؤجلة بعد ثلاثة عقود من الانتظار. وشدد القائم بأعمال المدعي العام تود بلانش على أن الإدارة الحالية تتبنى نهجًا صارمًا قوامه: “إذا قتلت مواطنًا أمريكيًا فسيتم ملاحقة المسؤولين عن ذلك بغض النظر عن هويتهم أو مناصبهم”.

 هل تتكرر التجربة الفنزويلية؟

يمثل إعادة توجيه الاتهامات إلى كاسترو في الوقت الحالي جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى نزع الشرعية عن رموز الثورة الكوبية وزيادة الضغط على كوبا للتخلص من آخر الأنظمة الشيوعية في أمريكا اللاتينية، غير أن التجربة الكوبية تختلف عن الفنزويلية للأسباب التالية:

  1. راؤول كاسترو ليس رئيس الدولة الحالي، بل هو زعيم تاريخي متقاعد، وبالتالي فإن أي ملاحقة قانونية تظل ذات طابعٍ رمزيٍ.
  2. تتمتع كوبا بخبرة طويلة في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ قيام الثورة الكوبية عام 1959.
  3. تمثل كوبا نقطة ارتكاز مهمة في سياسات موسكو وبكين لحفظ توازنات القوة داخل نصف الكرة الغربي.

 الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة في كوبا

لا تقتصر الأهداف الأمريكية في كوبا على البعد القانوني فقط، بل تمتد لتشمل البعد السياسي؛ حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على توازن القوى داخل نصف الكرة الغربي، عبر استخدام استراتيجية الضغط الأقصى بهدف إجبار النظام السياسي الكوبي على ما يلي:

  1. القيام بإصلاحات جذرية في النظام الاقتصادي الكوبي، والاتجاه نحو الاقتصاد الحر، فضلاً عن الاهتمام بموارد كوبا الطبيعية مثل النيكل والكوبالت.
  2. تقليص سيطرة الجيش (GAESA).
  3. احتواء النفوذ الصيني والروسي في البحر الكاريبي، والذي يمثل فضاءً حيويًا لواشنطن.
  4. استمالة القاعدة الانتخابية (الجالية الكوبية) في ولاية فلوريدا.
  5. السيطرة على تدفقات الهجرة غير النظامية إلى واشنطن، والحد من شبكات تهريب المخدرات.

 إلى أين تتجه الأزمة؟

قد تمثل هذه الاتهامات خطوة رمزية ذات أثر سياسي محدود فحسب، وقد تكون بداية تصعيد بهدف إسقاط النظام الكوبي، ويتوقف ذلك على مدى قدرة الاقتصاد الكوبي على الصمود في ظل الضغوط الأمريكية، ومستوى الدعم الخارجي الذي يمكن أن تحصل عليه كوبا من روسيا والصين، فضلاً عن مدى استعداد إدارة ترامب للتصعيد.

وفي المُحصلة، لا تبدو واشنطن في هذه المرحلة بصدد تدخل عسكري مباشر في كوبا، بقدر ما تتبع استراتيجية ضغط بهدف استنزاف النظام السياسي الكوبي عبر الضغط الاقتصادي، وهدم رموز الثورة الكوبية. غير أن تاريخ الصراع بين الدولتين يكشف أن مسار التصعيد قد يتسارع بشكل غير متوقع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts