On Research

وحدة الدراسات الاقتصادية

المعادن في إفريقيا جنوب الصحراء بين الاقتصاد العالمي وأجندة الأمم المتحدة: رؤية بحثية للتنمية المستدامة

Email :188

إعداد

أحـمــد غــزالــة

باحث اقتصادي متخصص في الشأن الإفريقي كلية الدراسات الإفريقية العليا – جامعة القاهرة

جمهورية مصر العربية 

 

 

مقدمة

تُعدُّ إفريقيا جنوب الصحراء واحدة من أكثر أقاليم العالم غنىً بالموارد المعدنية، إذ تمتلك احتياطيات كبيرة من المعادن الاستراتيجية والحيوية التي تحظى بأهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي المعاصر، مثل الكوبالت، والليثيوم، والمنغنيز، والبلاتين، والبوكسيت. وقد تزايد الاهتمام الدولي بهذه المعادن في ظل التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لا سيما مع تسارع التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، الأمر الذي جعل الموارد المعدنية الإفريقية عنصرًا محوريًا في سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم هذه الوفرة، ما تزال مساهمة قطاع التعدين في تحقيق التنمية المستدامة في دول إفريقيا جنوب الصحراء دون المستوى المتوقع، حيث يتركز النشاط المعدني في الغالب على استخراج وتصدير المواد الخام، مع محدودية واضحة في عمليات التصنيع المحلي وإضافة القيمة. ويُعزى ذلك إلى جملة من العوامل؛ من أبرزها ضعف البنية التحتية، وقصور الإطار المؤسسي، وتحديات الحوكمة، فضلًا عن تقلبات أسعار السلع الأساسية في الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق برز دور الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة في الدفع نحو إعادة توظيف الثروات المعدنية الإفريقية بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، من خلال دعم السياسات الوطنية الرامية إلى تحسين إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز الشفافية، وتشجيع التصنيع القائم على الموارد، وربط قطاع التعدين بأجندة التنمية الشاملة، ولا سيما أهداف التنمية المستدامة. كما تؤكد التقارير الأممية على أن التحول من نموذج “الاستخراج والتصدير” إلى نموذج “القيمة المضافة والاندماج في سلاسل القيمة العالمية” يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام في دول الإقليم.

ومن ناحية أخرى، يحتل البحث العلمي موقعًا متقدمًا في هذا الإطار، بوصفه أداة تحليلية وتطبيقية تسهم في فهم التفاعلات المعقدة بين قطاع التعدين والاقتصاد العالمي، وتدعم صياغة سياسات قائمة على الأدلة. فالاستثمار في الدراسات الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية المرتبطة بالمعادن يتيح للدول الإفريقية تحسين كفاءة الاستغلال، والحد من الآثار البيئية، وتعظيم العوائد الاقتصادية والاجتماعية.

وانطلاقًا مما سبق، يهدف هذا البحث إلى تحليل موقع المعادن في إفريقيا جنوب الصحراء ضمن الاقتصاد العالمي، في ضوء أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

أولاً: أهمية المعادن الإفريقية في بنية الاقتصاد العالمي المعاصر

أصبحت المعادن تمثل أحد المكونات الأساسية في بنية الاقتصاد العالمي المعاصر، خاصة في ظل التحولات الهيكلية المرتبطة بالعولمة الاقتصادية، والتقدم التكنولوجي، وتسارع الانتقال نحو أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة. وقد أدى هذا التحول إلى ارتفاع الطلب العالمي على ما يُعرف بـ«المعادن الاستراتيجية والحيوية»، وهي المعادن التي لا غنى عنها في الصناعات الحديثة مثل الطاقة المتجددة، والبطاريات، والتكنولوجيا الرقمية، والصناعات الدفاعية، ما منح الدول الغنية بهذه الموارد موقعًا متقدمًا في خريطة الاقتصاد العالمي [1].

في هذا السياق، تحتل إفريقيا جنوب الصحراء مكانة محورية، نظرًا لامتلاكها نسبًا معتبرة من الاحتياطيات العالمية لبعض المعادن ذات الأهمية الاستراتيجية. فعلى سبيل المثال، تستحوذ دول الإقليم على النسبة الأكبر من إنتاج الكوبالت عالميًا، إلى جانب احتياطيات كبيرة من المنغنيز، والبلاتين، والبوكسيت، والليثيوم، وهي معادن تشكل مدخلات رئيسية في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالتحول الطاقي والاقتصاد الأخضر.

ويرتبط تزايد أهمية المعادن الإفريقية ارتباطًا وثيقًا بتغير أنماط الطلب العالمي، حيث لم يعد الطلب مقتصرًا على الاستخدامات التقليدية، بل امتد ليشمل الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا النظيفة، مثل السيارات الكهربائية، وتخزين الطاقة، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وتشير تقارير دولية إلى أن تحقيق أهداف خفض الانبعاثات الكربونية عالميًا سيؤدي إلى مضاعفة الطلب على بعض المعادن الحيوية خلال العقود القادمة، ما يعزز من الدور المحتمل لإفريقيا جنوب الصحراء كمورد رئيسي لهذه المدخلات.

وعلى الرغم من هذه الأهمية المتزايدة، فإن اندماج دول إفريقيا جنوب الصحراء في الاقتصاد العالمي للمعادن ما يزال في الغالب اندماجًا غير متكافئ، حيث يتركز دورها في حلقات الاستخراج الأولي وتصدير المواد الخام، بينما تظل حلقات التصنيع المتقدم وإضافة القيمة متركزة في الاقتصادات المتقدمة. ويترتب على ذلك محدودية استفادة دول الإقليم من العوائد الكاملة لسلاسل القيمة العالمية، واستمرار تعرضها لتقلبات أسعار السلع الأساسية في الأسواق الدولية [2].

ومن ثم، يمكن القول إن أهمية المعادن الإفريقية في الاقتصاد العالمي لا تنبع فقط من وفرتها الكمية، بل من طبيعة المرحلة الاقتصادية الراهنة التي تتسم بتزايد الاعتماد على الموارد المعدنية في دعم التحولات التكنولوجية والطاقية. غير أن تحويل هذه الأهمية إلى مكاسب تنموية حقيقية يظل مرهونًا بقدرة دول إفريقيا جنوب الصحراء على إعادة تموضعها داخل سلاسل القيمة العالمية، بما يتجاوز دور المورد الخام إلى شريك فاعل في الإنتاج الصناعي العالمي، وهو ما يتطلب سياسات اقتصادية ومؤسسية مدعومة بالبحث العلمي والتعاون الدولي.

ثانياً: واقع قطاع التعدين في إفريقيا جنوب الصحراء (الفرص والإمكانات)

يُعد قطاع التعدين من القطاعات الاقتصادية الرئيسية في دول إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي، وجذب الاستثمار الأجنبي، وتوفير العملات الأجنبية. وتشير التقارير الدولية إلى أن العديد من دول الإقليم تعتمد بدرجات متفاوتة على صادرات المعادن في هيكلها التجاري، الأمر الذي يجعل قطاع التعدين عنصرًا محوريًا في الاقتصادات الوطنية، خاصة في الدول الغنية بالموارد مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، وزامبيا، وجنوب إفريقيا، وغينيا، وموزمبيق [3].

ويتميز واقع قطاع التعدين في إفريقيا جنوب الصحراء بتنوع القاعدة المعدنية، إذ تشمل الموارد المتاحة معادن تقليدية مثل الذهب والماس، إلى جانب معادن استراتيجية وحيوية ذات أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي المعاصر، مثل الكوبالت، والليثيوم، والمنغنيز، والنيكل. ويوفر هذا التنوع فرصًا اقتصادية واعدة، لا سيما في ظل الارتفاع المستمر في الطلب العالمي على المعادن المرتبطة بالتحول الطاقي والتكنولوجي، ما يعزز من القدرة التنافسية المحتملة لدول الإقليم في الأسواق الدولية.

ومن حيث الفرص الاستثمارية، يُعد قطاع التعدين من أكثر القطاعات جذبًا للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تستحوذ الصناعات الاستخراجية على نسبة معتبرة من تدفقات الاستثمار الواردة إلى الإقليم. وتسهم هذه الاستثمارات في تطوير البنية التحتية، ونقل بعض الخبرات الفنية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تتركز فيها الأنشطة التعدينية.

إلى جانب ذلك، يتيح قطاع التعدين فرصًا مهمة لتحقيق التكامل بينه وبين القطاعات الاقتصادية الأخرى، مثل الصناعة التحويلية، والطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية. فالتوسع في الصناعات المرتبطة بالتعدين، مثل صهر المعادن وتصنيع المدخلات الوسيطة، يمكن أن يسهم في رفع مستوى القيمة المضافة المحلية، وتقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام، وتحسين الميزان التجاري للدول الإفريقية [4].

ومع ذلك، فإن الاستفادة من هذه الفرص تظل متفاوتة بين دول إفريقيا جنوب الصحراء، تبعًا لاختلاف القدرات المؤسسية، ومستوى البنية التحتية، وكفاءة الأطر التنظيمية والتشريعية. فبينما نجحت بعض الدول في توظيف قطاع التعدين كأحد محركات النمو الاقتصادي، لا تزال دول أخرى تعاني من محدودية العوائد التنموية، نتيجة ضعف الترابط بين قطاع التعدين وبقية القطاعات الاقتصادية، وغياب استراتيجيات واضحة للتصنيع القائم على الموارد.

وعليه، يمكن القول إن واقع قطاع التعدين في إفريقيا جنوب الصحراء ينطوي على فرص اقتصادية كبيرة، إلا أن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب تنموية مستدامة يتطلب سياسات متكاملة تستهدف تعظيم القيمة المضافة، وتعزيز الروابط القطاعية، وتحسين بيئة الاستثمار، بما ينسجم مع التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي وأجندة التنمية المستدامة.

ثالثاً: التحديات الاقتصادية والمؤسسية لاستغلال المعادن في إفريقيا جنوب الصحراء

على الرغم من الإمكانات المعدنية الكبيرة التي تتمتع بها دول إفريقيا جنوب الصحراء، فإن استغلال هذه الموارد يواجه جملة من التحديات الاقتصادية والمؤسسية التي تحدّ من قدرتها على التحول إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة. وتُعد هذه التحديات من العوامل الرئيسية التي تفسر الفجوة القائمة بين وفرة الموارد الطبيعية من جهة، ومحدودية العوائد التنموية والاجتماعية من جهة أخرى، وهي الظاهرة التي كثيرًا ما يُشار إليها في الأدبيات الاقتصادية بـ«مفارقة الوفرة» أو «لعنة الموارد» [5].

من أبرز التحديات الاقتصادية اعتماد قطاع التعدين في دول الإقليم على نمط الإنتاج الاستخراجي القائم على تصدير المواد الخام دون تصنيع محلي ذي قيمة مضافة. ويؤدي هذا النمط إلى تعرض الاقتصادات الإفريقية لتقلبات الأسعار العالمية للمعادن، ما ينعكس سلبًا على الاستقرار المالي والاقتصادي، ويجعل الإيرادات العامة شديدة الحساسية للتغيرات الخارجية.

وتتمثل إحدى التحديات المؤسسية الرئيسة في ضعف الأطر التنظيمية والتشريعية الحاكمة لقطاع التعدين في عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، سواء من حيث وضوح السياسات، أو كفاءة تطبيق القوانين، أو القدرة على مراقبة أنشطة الشركات العاملة في القطاع. وغالبًا ما يؤدي هذا الضعف إلى فقدان جزء من العوائد الاقتصادية، وانتشار الممارسات غير الرسمية، وتزايد المخاطر المرتبطة بالفساد وسوء إدارة الموارد.

إضافة إلى ذلك، تواجه دول الإقليم تحديات تتعلق بمحدودية القدرات المؤسسية والفنية، سواء على مستوى المؤسسات الحكومية أو مراكز البحث والتخطيط، ما يضعف قدرتها على التفاوض مع الشركات متعددة الجنسيات، أو تصميم سياسات تعدين تحقق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاعتبارات البيئية والاجتماعية. ويزداد هذا التحدي حدة في ظل التعقيد المتزايد لسلاسل القيمة العالمية، وما تتطلبه من معارف تقنية وتنظيمية متقدمة.

ولا يمكن إغفال التحديات البيئية والاجتماعية المصاحبة لأنشطة التعدين، حيث يؤدي ضعف الالتزام بالمعايير البيئية في بعض الدول إلى تدهور النظم البيئية، وتلوث المياه والتربة، وتهديد سبل عيش المجتمعات المحلية. كما قد تتسبب الأنشطة التعدينية غير المنظمة في تفاقم التفاوتات الاجتماعية واندلاع النزاعات المحلية، ما ينعكس سلبًا على الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.

وعليه، فإن مواجهة هذه التحديات الاقتصادية والمؤسسية تُعد شرطًا أساسيًا لتعظيم الاستفادة من الموارد المعدنية في إفريقيا جنوب الصحراء. ويتطلب ذلك تبني سياسات شاملة تهدف إلى تعزيز الحوكمة الرشيدة، وتطوير الأطر التشريعية، وبناء القدرات المؤسسية، وربط قطاع التعدين بأهداف التنمية المستدامة، بما يضمن تحقيق توازن فعّال بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة.

رابعاً: دور الأمم المتحدة في توجيه سياسات التعدين نحو التنمية المستدامة

تعتبر الأمم المتحدة من الجهات الفاعلة الرئيسة في تعزيز الاستغلال المستدام للمعادن في إفريقيا جنوب الصحراء، من خلال تطوير الأطر التوجيهية، ودعم السياسات الوطنية، وتعزيز القدرات المؤسسية. وتركز جهود الأمم المتحدة على دمج قطاع التعدين ضمن أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، لا سيما الهدف 8 الخاص بالنمو الاقتصادي والعمل اللائق، والهدف 9 المتعلق بالصناعة والابتكار، والهدف 12 حول الاستهلاك والإنتاج المسؤول، والهدف 13 المتعلق بالعمل المناخي [6].

وقد أطلقت مؤسسات الأمم المتحدة المتعددة، مثل UNDP وUNCTAD وUNECA، مبادرات تهدف إلى تحسين الحوكمة في قطاع التعدين، وتشجيع الاستثمار المستدام، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد المعدنية. وتشمل هذه المبادرات برامج لإعداد السياسات الوطنية، وتطوير القدرات الفنية والإدارية، ودعم إنشاء أطر للتصنيع المحلي والقيمة المضافة، بما يضمن استفادة الاقتصادات الإفريقية من مواردها الطبيعية بشكل مستدام.

ومن أبرز البرامج الأممية في هذا المجال، رؤية إفريقيا للتعدين (Africa Mining Vision)، التي تهدف إلى تحويل قطاع التعدين من مجرد نشاط استخراج خام إلى أداة لتعزيز التنمية الاقتصادية الشاملة، من خلال ربط التعدين بالصناعات المحلية، وتحفيز الاستثمارات المسؤولة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتقليل الآثار البيئية والاجتماعية السلبية. كما توفر الأمم المتحدة ملاحظات وأدوات تقييمية تساعد الدول على قياس مدى توافق سياساتها التعدينية مع أهداف التنمية المستدامة، وإعادة توجيه استراتيجياتها لتحقيق أفضل النتائج التنموية.

وتسعى الأمم المتحدة أيضًا إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال التعدين، من خلال تبادل الخبرات والتقنيات الحديثة، وتسهيل الوصول إلى الأسواق العالمية، ودعم الابتكار في مجال التعدين الأخضر والتكنولوجيا النظيفة. ويسهم هذا التعاون في تمكين الدول الإفريقية من تحقيق اندماج أفضل في سلاسل القيمة العالمية، وتقليل الاعتماد على التصدير الخام للموارد المعدنية.

عليه، يمكن القول إن دور الأمم المتحدة يتجاوز مجرد تقديم الإرشادات النظرية، ليشمل الدعم العملي في صياغة وتنفيذ سياسات التعدين المستدامة، بما يضمن تعظيم العوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من الموارد المعدنية. ويبرز هذا الدور كحلقة وصل بين البعد المحلي للإدارة المعدنية والاقتصاد العالمي، مؤكدًا على ضرورة تبني مقاربات متعددة الأبعاد تجمع بين الحوكمة، والبحث العلمي، والاستثمار المستدام.

خامساً: البحث العلمي كأداة لتعظيم العائد التنموي من المعادن الإفريقية

يُعد البحث العلمي عنصرًا أساسيًا في تحويل الثروات المعدنية لإفريقيا جنوب الصحراء إلى رافعة للتنمية الاقتصادية المستدامة. فالاستغلال الأمثل للمعادن لا يعتمد فقط على توفر الموارد، بل على قدرة الدول على تحليل الأسواق، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتصميم سياسات مدعومة بالبيانات والأدلة العلمية [7].

ويتيح البحث العلمي فهم العلاقة المعقدة بين الاستخراج والتصنيع المحلي والاندماج في سلاسل القيمة العالمية. على سبيل المثال، الدراسات الاقتصادية يمكن أن تحدد القطاعات الأكثر جدوى للاستثمار المرتبط بالمعادن، بينما يوفر البحث التكنولوجي حلولًا مبتكرة لتقليل الفاقد البيئي وزيادة كفاءة التصنيع. كذلك، يتيح البحث الاجتماعي دراسة الأثر المجتمعي للأنشطة التعدينية على المجتمعات المحلية، وهو عامل مهم لضمان التنمية الشاملة والشراكة المجتمعية.

وفي هذا السياق، تلعب مؤسسات البحث العلمي الوطنية والإقليمية دورًا مركزيًا، حيث يمكنها إنتاج المعرفة المطلوبة لصياغة السياسات التعدينية المستدامة، وتدريب الكوادر الفنية، ودعم الابتكار المحلي. كما يسهم التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والشركات متعددة الجنسيات في نقل التكنولوجيا وتعزيز القدرات، بما يرفع مستوى القيمة المضافة المحلية ويقلل الاعتماد على التصدير الخام.

علاوة على ذلك، تبرز أهمية البحث العلمي في تعزيز قدرة الدول الإفريقية على المشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي، من خلال تمكينها من التفاوض على اتفاقيات عادلة، وفهم ديناميكيات الأسواق الدولية، والتنبؤ بتقلبات أسعار المعادن، مما يقلل المخاطر الاقتصادية ويزيد من العوائد، وبذلك يصبح البحث العلمي أداة استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مثل الهدف 8 (النمو الاقتصادي والعمل اللائق)، والهدف 9 (الصناعة والابتكار)، والهدف 12 (الاستهلاك والإنتاج المسؤول).

وأخيرًا، يشير التاريخ التجريبي إلى أن الدول التي استثمرت في البحث العلمي والتطوير المرتبط بالمعادن قد حققت نتائج أفضل في تعزيز القيمة المضافة المحلية، وخلق فرص العمل، وتنمية الصناعات التحويلية، بالمقارنة مع الدول التي اقتصرت على الاستخراج الخام، وهذا يوضح أن الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي لا يقل أهمية عن الاستثمار في الموارد الطبيعية نفسها.

الخاتمة

تُظهر الدراسة أن المعادن في إفريقيا جنوب الصحراء تمثل ثروة استراتيجية حيوية، ليس فقط لاقتصادات الإقليم، بل للمنظومة الاقتصادية العالمية بأكملها. ورغم الوفرة المعدنية، تظل الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية والنتائج التنموية واضحة بسبب التحديات الاقتصادية والمؤسسية، وضعف التصنيع المحلي، واعتماد الإقليم على تصدير المواد الخام.

لقد أثبتت التحليلات أن الأمم المتحدة تلعب دورًا محورياً في توجيه السياسات نحو استغلال مستدام للمعادن، من خلال دمج قطاع التعدين بأهداف التنمية المستدامة، وتعزيز الحوكمة، ودعم قدرات الدول في صياغة سياسات فعالة. وفي الوقت نفسه، يظهر البحث العلمي كأداة استراتيجية لتعظيم العوائد التنموية، عبر تحسين إدارة الموارد، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز التكامل بين التعدين والقطاعات الاقتصادية الأخرى، فضلاً عن دعم اتخاذ القرارات المستندة إلى بيانات دقيقة.

وعليه يمكن القول إن تحويل المعادن الإفريقية من مورد خام إلى رافعة تنموية متكاملة يتطلب تضافر جهود السياسات الأممية، والاستثمار العلمي، والتعاون الإقليمي والدولي، لضمان تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وزيادة القيمة المضافة، وتعزيز الاندماج في الاقتصاد العالمي، بما يعود بالنفع على الإقليم والمجتمع الدولي معًا.

المراجع

   1-World Bank, Minerals for Climate Action: The Mineral Intensity of the Clean Energy Transition, 2020

    2-UNCTAD, Commodities and Development Report, 2021.

   3-World Bank, Extractive Industries Overview, 2021.

   4-African Development Bank (AfDB), African Economic Outlook, 2020

   5  Sachs, J. & Warner, A., Natural Resource Abundance and Economic Growth, NBER, 2001

    6-UNCTAD, State of Commodity Dependence, 2021.

    7-UNDP, Science, Technology and Innovation for Sustainable Development, 2020.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts