On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف: التحولات الاستراتيجية لـ “التنظيم الهرري” في دول المشرق العربي (رؤية استشرافية 2026: دراسة حالة لبنان وسوريا)

Email :1176

إعداد

محسن الشوبكي

خبير أمني واستراتيجي

المملكة الأردنية الهاشمية

 

 

الملخص التنفيذي

تواجه المنظومة التنظيمية المرتبطة بمرجعية الشيخ عبد الله الهرري في مراكز ثقلها التقليدية تحدياً وجودياً وجيوسياسياً بعد التحولات الدراماتيكية في المشهد السوري (كانون الأول 2025)؛ حيث انتقل التنظيم من مرحلة “النمو في ظل التوازنات الإقليمية السابقة” إلى مرحلة “إعادة التموضع القسري”.

يشير هذا التقدير إلى أن التنظيم يمتلك بنية تحتية تعليمية ومالية تجعله قادراً على محاولة إعادة التموضع في الفراغ الراهن، مع احتمال تصاعد نزعة الانغلاق التنظيمي كآلية دفاعية في حال شعوره بتراجع الحماية السياسية التي استفاد منها في مراحل سابقة.

تأسيس جماعة الهررية والتواجد في سوريا

تأسست جماعة الهررية رسمياً في بيروت عام 1983، خلال الحرب الأهلية اللبنانية، تحت إشراف الشيخ عبد الله الهرري. بدأ نشاط الجماعة عبر الدروس الدينية والمساجد المحلية في أحياء بيروت مثل: برج أبي حيدر، والبسطا، وزقاق البلاط، ثم توسعت تدريجياً لتشمل شبكة من المدارس والمؤسسات التربوية والجمعيات الاجتماعية والإعلامية، ما منحها حضوراً منظماً داخل البيئة السنية اللبنانية.

كان التركيز الأساسي للجماعة في البداية على العمل الدعوي والاجتماعي، قبل أن تتطور نشاطاتها لاحقاً إلى أبعاد سياسية تحت تأثير الحسابات الإقليمية، خصوصاً دور دمشق في لبنان خلال منتصف التسعينيات. أما بالنسبة لسوريا، فقد وُجدت للهررية بعض الحلقات الدعوية والمدارس الصغيرة في دمشق والمناطق المجاورة للحدود اللبنانية، إلا أن نشاطها هناك كان محدوداً مقارنة بلبنان، ما يجعل لبنان المركز الاستراتيجي الرئيسي للجماعة في المشرق العربي.

المرتكزات الفكرية والنمط التنظيمي (المدرسة الهررية)

تتبنى المنظومة نموذجاً حركياً نشطاً للمدرسة الأشعرية، إلا أنها تتمايز عن الأنماط التقليدية بتبني “الهوية العقدية الصلبة” كأداة للتمايز التنظيمي. وقد اعتمد التنظيم في تمدده على مرتكزين رئيسيين:

  1. استخدام منهجية عقدية ذات طابع إقصائي نسبي تجاه تيارات دينية أخرى، ما أسهم في تعزيز الهوية التنظيمية الداخلية، لكنه في الوقت ذاته أوجد حالة استقطاب داخل البيئات التي ينشط فيها.
  2. التركيز المكثف على قطاع التعليم والخدمات الاجتماعية لبناء قاعدة ولاء منضبطة ترتبط بالمرجعية التنظيمية بوصفها إطاراً حاكماً للعلاقة مع المجتمع والدولة.

“الوظيفية السياسية” والارتباطات الإقليمية

تجلّت “الوظيفية السياسية” للتنظيم تاريخياً بوصفه قوة موازنة داخل البيئة السنية في لبنان وسوريا، حيث تقاطع حضوره مع مصالح النظام السوري السابق، ومع بيئة نفوذ حزب الله، ضمن سياق إقليمي أوسع هدف إلى تقويض نفوذ تيارات الإسلام السياسي والتيارات السلفية المنافسة.

ووفق ما نشرت صحيفة “اندبندنت عربية”، تم رفع السرية عن وثيقة بريطانية رسمية تحمل رقم FCO 93/8339، تتعلق بالوضع الداخلي في لبنان عام 1995. وتشير الوثيقة إلى نشاطات جماعة الهررية واستغلالها لأغراض سياسية من قبل النظام السوري السابق، بما يوضح أن دمشق رأت في الجماعة أداة للحد من نفوذ التيارات السنية الأكثر تشدداً وتعزيز حضورها داخل الطائفة السنية.

وتوضح المراسلات البريطانية أن السفيرة ماييف فورت رصدت نشاط الجماعة في بيروت، ولا سيما خلال احتفال بارز نظمته في فندق “البريستول”، حضره نواب ومسؤولون كبار من البرلمان والحكومة والأجهزة الأمنية، إضافة إلى شخصيات دينية بارزة. ويعني مصطلح “رعاية الاحتفال” أن الحدث حصل على اعتراف رسمي وموافقة ضمنية من السلطات اللبنانية، وهو ما يعكس سطوة النظام السوري السابق على المشهد السياسي اللبناني آنذاك، وليس مجرد دعم شكلي، ما أضفى شرعية سياسية واجتماعية على نشاط الجماعة وعزز قدرتها على توسيع شبكاتها التعليمية والاجتماعية والسياسية ضمن البيئة السنية.

كما تشير التحليلات البريطانية إلى أن هذا الصعود التنظيمي خدم أيضاً مصالح حزب الله؛ إذ أتاح للنظام السوري توظيف الهررية كقوة موازنة داخل الطائفة السنية، مما عزز قدرة حزب الله على تثبيت موقعه السياسي والاجتماعي في لبنان دون مواجهة مباشرة مع المكوّن السني التقليدي. ومع تغير الخارطة السياسية في دمشق، وانكفاء المظلة الإقليمية التي نشأ التنظيم في ظلها، يجد نفسه أمام مأزق البحث عن دور جديد، ما يفرض عليه إعادة تعريف موقعه داخل معادلات الدولة الوطنية الحديثة.

النشاط التنظيمي والميداني

يتجاوز حضور التنظيم الإطار الدعوي التقليدي نحو بنية تعبئة منضبطة قادرة على التحرك في حالات التوتر، وتشير المعطيات الميدانية إلى امتلاكه شبكات تنظيم داخلي وآليات تحرك سريعة داخل الأحياء التي ينشط فيها، بما يقترب من مفهوم “الردع المجتمعي”.

في سياق أحداث أيار 2008 التي اندلعت عقب قرارات حكومة فؤاد السنيورة المتعلقة بشبكة اتصالات حزب الله، شهدت مناطق بيروت الغربية حالة تعبئة ميدانية واسعة داخل البيئة السنية. ووردت في بعض التغطيات الإعلامية المحلية إشارات إلى مشاركة عناصر محسوبة على جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الهررية) ضمن مشهد الاستنفار العام الذي طبع تلك المرحلة، إلا أنه لم يصدر توصيف قضائي رسمي يعتبر الجمعية طرفاً مسلحاً مستقلاً في تلك الأحداث.

وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، تداولت بعض المنصات الإعلامية فرضيات حول تقاطعات محتملة بين شبكات الرصد السابقة للجريمة وبيئات سياسية وأمنية متعددة، من بينها ما أُثير بشأن الجمعية. غير أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الخاصة بلبنان لم تُثبت مسؤولية الجمعية أو كوادرها في التخطيط أو التنفيذ، ما يبقي تلك الطروحات في إطار الجدل الإعلامي والسياسي دون تثبيت قضائي.

تحدي الشبكات التعليمية

يمثل قطاع التعليم أحد أهم أدوات النفوذ التنظيمي، إذ يدير شبكة مدارس ومؤسسات تربوية تواجه بعض مخرجاتها انتقادات تتعلق بالانغلاق الفكري تجاه الآخر الديني. إن ترسيخ خطاب يقوم على “التمايز العقدي الحاد” قد يؤدي إلى نشوء بيئات اجتماعية شبه منفصلة عن السياق الوطني العام، خصوصاً إذا ترافق مع ضعف برامج الاندماج المدني والانفتاح المجتمعي.

المآلات الاستشرافية (منظور أمني–استراتيجي)

في ضوء التحولات الإقليمية، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة:

  • سيناريو الانكفاء التنظيمي: التركيز على العمل التعليمي والخدماتي، وتقليص الحضور السياسي المباشر، بما يضمن البقاء المؤسسي دون صدام مع الدولة السورية أو اللبنانية.
  • سيناريو إعادة التموضع المدني: إعادة تعريف الخطاب الديني بما يتواءم مع متطلبات الدولة الوطنية، والانخراط في شراكات مجتمعية أوسع.
  • سيناريو التشدد الخطابي التدريجي: تصعيد خطاب المظلومية العقدية وتعزيز الهوية الصلبة لتثبيت القواعد التنظيمية في حال تراجع الحماية السياسية.

وترتبط احتمالية تحقق هذا السيناريو بجملة مؤشرات إنذار مبكر، من أبرزها: تصاعد الخطاب الإقصائي في المنابر التعليمية، تزايد الانغلاق المؤسسي ورفض الشراكات المجتمعية، تضييق سياسي أو قانوني يُفسَّر داخلياً كاستهداف وجودي، وتنامي خطاب المظلومية في أدبيات التنظيم. وتكمن الخطورة في أن التحول نحو الانغلاق الحاد، إن حدث، قد يُنتج جيوباً اجتماعية مغلقة تُضعف منسوب الاندماج الوطني وتزيد هشاشة البيئة الداخلية في لحظات الأزمات.

هذا التقرير دراسة تحليلية استشرافية للسلوك التنظيمي والسياسي المرتبط بمدرسة الشيخ عبد الله الهرري في سوريا ولبنان كحالة دراسية حصراً، لا ينصرف هذا التحليل بالضرورة للجمعيات والمراكز المرخصة في دول أخرى والتي تعمل وفق القوانين والأنظمة السيادية للدول المستضيفة لها وتلتزم بدساتيرها، كما لا يفترض التقرير وجود أي روابط تنظيمية أو إدارية عابرة للحدود تجعل من تلك الجمعيات مسؤولة عن التوجهات السياسية للمراكز المذكورة في الدراسة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts