On Research

وحدة الدراسات السياسية

تقدير موقف : تشكيل الحكومة العراقية بين السيادة الدستورية وضغوط النفوذ الخارجي

Email :1113

إعداد

شيماء حسين اللامي

باحث في السياسة العراقية 

العراق 

 

 

مقدمة

يُعدّ تشكيل الحكومة في العراق من أكثر القضايا السياسية تعقيدًا وتشابكًا، نظرًا لتداخل العوامل الداخلية مع التأثيرات الخارجية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وصراع دولي محتدم، لا سيما بين إيران والولايات المتحدة. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري: هل يُعدّ تشكيل الحكومة العراقية شأنًا داخليًا خالصًا، أم أنه أصبح رهينة لتوازنات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الدولة الوطنية؟

أولًا: الإطار الدستوري وتشكيل الحكومة

من الناحية النظرية، يُنظّم الدستور العراقي عملية تشكيل الحكومة بشكل واضح، حيث تنصّ مواده على أن “الكتلة النيابية الأكبر” هي التي تتولى ترشيح رئيس الوزراء، الذي يُكلّف بدوره بتشكيل الحكومة خلال مدة زمنية محددة. ويُفترض أن تعكس هذه الآلية إرادة الناخب العراقي من خلال ممثليه في البرلمان، بما يكرّس مبدأ السيادة الوطنية.

إلا أن التطبيق العملي يكشف عن فجوة واضحة بين النص الدستوري والواقع السياسي، حيث غالبًا ما تكون “الكتلة الأكبر” نتاج تحالفات ما بعد الانتخابات، وليس نتيجة مباشرة لنتائج صناديق الاقتراع، الأمر الذي يفتح الباب أمام المساومات السياسية والتدخلات الخارجية.

ثانيًا: الانقسام الداخلي وصراع النخب

شهدت الساحة السياسية العراقية في السنوات الأخيرة حالة من الانقسام الحاد بين القوى السياسية، خصوصًا داخل البيت الشيعي، حيث برز ما يُعرف بـ”الإطار التنسيقي” كقوة سياسية تسعى إلى فرض رؤيتها في تشكيل الحكومة.

وقد طُرح اسم نوري المالكي كأحد أبرز المرشحين لتولي منصب رئيس الوزراء، مستندًا إلى تاريخه السياسي وخبرته التنفيذية. إلا أن هذا الترشيح لم يحظَ بإجماع داخل الإطار نفسه، حيث عارضته شخصيات سياسية بارزة مثل قيس الخزعلي وعمار الحكيم، ما يعكس عمق الانقسام داخل النخبة السياسية.

في المقابل، دافع مؤيدو المالكي عن ترشيحه باعتباره نتاج عملية مؤسساتية داخل الإطار، شملت تشكيل لجان مختصة لدراسة السير الذاتية للمرشحين، حيث تم تقليص عدد المتقدمين من نحو 90 مرشحًا إلى ثلاثة، قبل أن يتم التوافق على تقديم المالكي كمرشح نهائي.

ثالثًا: البعد الخارجي وتأثيره في القرار السياسي

رغم أن تشكيل الحكومة يُفترض أن يكون شأنًا داخليًا، إلا أن الواقع يشير إلى تأثيرات خارجية واضحة، تعود في جزء كبير منها إلى طبيعة النظام السياسي القائم على “الديمقراطية التوافقية”، التي فتحت المجال أمام تدخل القوى الإقليمية والدولية.

تلعب إيران دورًا محوريًا في دعم بعض القوى السياسية، استنادًا إلى الروابط الأيديولوجية والجغرافية، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على نفوذها في العراق، تحت ذرائع متعددة، أبرزها مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار الإقليمي.

كما تسهم قوى إقليمية أخرى مثل تركيا ودول الخليج في التأثير على المشهد السياسي، من خلال دعم مكونات معينة، خصوصًا الكردية والسنية، بهدف تحقيق توازن في مواجهة النفوذ الإيراني.

رابعًا: العراق كساحة صراع أم دولة ذات سيادة؟

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن العراق يقف عند مفترق طرق بين كونه دولة ذات سيادة قادرة على اتخاذ قراراتها بشكل مستقل، وبين تحوله إلى ساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

إن استمرار حالة الانقسام الداخلي، إلى جانب اعتماد نظام المحاصصة، يُضعف من قدرة الدولة على فرض سيادتها، ويجعل القرار السياسي عرضة للتجاذبات الخارجية، ما يهدد استقرار البلاد ويُعيق عملية التنمية.

خامسًا: نحو حل سياسي مستدام

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة النظر في آليات تشكيل الحكومة، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والفئوية. وفي هذا الإطار، تبرز فكرة “حكومة التكنوقراط” كأحد الحلول الممكنة، حيث يتم اختيار الوزراء على أساس الكفاءة والخبرة، بعيدًا عن الانتماءات الحزبية.

كما أن اختيار رئيس وزراء يحظى بقبول داخلي وخارجي قد يسهم في تقليل حدة التوترات، ويعزز من فرص الاستقرار، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، بما في ذلك تقلبات أسعار النفط، والتهديدات المحتملة بإغلاق مضيق هرمز، فضلًا عن العقوبات الاقتصادية.

خاتمة

في الختام، يمكن القول إن تشكيل الحكومة العراقية هو، من حيث المبدأ، شأن داخلي تنظمه النصوص الدستورية، لكنه في الواقع يتأثر بشكل كبير بالتوازنات الإقليمية والدولية. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر أمام العراق هو استعادة قراره السيادي، وبناء نظام سياسي قادر على تحقيق الاستقرار والتنمية بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts