On Research

وحدة الدراسات الاستراتيجية و الأمنية

تقدير موقف: عسكرة الممرات الملاحية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وتداعياتها على الأمن العالمي

Email :158

إعداد

فريق عمل المركز

وحدة الدراسات الاستراتيجية والأمنية

 

 

  1. الوصف العام وطبيعة الموقف

يُمثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، حيث كان يمر عبره حوالي 15% من حجم التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات. ومع التطورات الجيوسياسية الأخيرة، تحولت هذه المنطقة من ممر تجاري آمن إلى ساحة صراع مفتوحة، وتجاوزنا مرحلة “الصدمة الأولى” للأزمة لندخل في مرحلة “الوضع الطبيعي الجديد” (The New Normal).

لم تعد كبرى شركات الشحن البحري تتعامل مع تهديدات البحر الأحمر كأزمة طارئة مؤقتة، بل كواقع جيوسياسي ممتد يُرخي بظلاله على الاقتصاد العالمي. يتميز الموقف الراهن بتصاعد غير مسبوق في “الحروب اللاتماثلية” (Asymmetric Warfare)، حيث تستخدم الفواعل من دون الدول تكنولوجيا عسكرية متقدمة لتهديد الملاحة، مما استدعى تدخلاً عسكرياً مكثفاً وخلق حالة من العسكرة المستدامة التي حولت البحر الأحمر إلى “منطقة رمادية” ممتدة.

  1. خريطة الفاعلين الاستراتيجيين ومصالحهم
  • الفواعل المسلحة من دون الدول (الميليشيات والجماعات الراديكالية):

تتمركز أساساً في اليمن، وتستخدم أسلحة حديثة مثل الطائرات المسيرة، الزوارق المسيرة المفخخة، والصواريخ الباليستية المضادة للسفن. هدفها الاستراتيجي فرض حصار بحري انتقائي لتحقيق مكاسب سياسية واستعراض القوة. وقد أثبتت هذه الفواعل قدرتها على استدامة الصراع بفضل تكتيكات التخفي والاعتماد على الجغرافيا الجبلية المعقدة لتخزين منصات الإطلاق.

  • القوى الدولية العظمى (الولايات المتحدة وحلفاؤها):

تسعى للحفاظ على حرية الملاحة كركيزة للنظام العالمي عبر تحالفات بحرية (مثل عملية حارس الازدهار). ومع ذلك، تواجه هذه القوى محدودية الردع العسكري التقليدي؛ فالعمليات الغربية قادرة على “إضعاف” (Degrade) القدرات العسكرية للفواعل المسلحة، لكنها فشلت في تحقيق “الردع الشامل” (Deterrence).

  • الصين:

تعتمد بشدة على هذا الممر لصادراتها ووارداتها من الطاقة. ورغم امتلاكها قاعدة عسكرية في جيبوتي، تفضل بكين نهج “الحياد الحذر” والاعتماد على الضغط الدبلوماسي، متجنبة الانخراط في مواجهات عسكرية تحمي مصالح منافسيها الغربيين.

  • الدول الإقليمية والمشاطئة:

دول مثل مصر والسعودية ودول القرن الأفريقي. تواجه هذه الدول ضغوطاً اقتصادية عنيفة، خاصة مع التراجع الهيكلي في حركة المرور عبر قناة السويس بنسب تتراوح بين 50% إلى 75% مقارنة بمعدلات ما قبل الأزمة. مصلحتها العليا هي الاستقرار، وتواجه معضلة بين تأمين الممر المائي وتجنب التصعيد العسكري الشامل.

 

  1. تقييم التهديدات والمخاطر الأمنية والاقتصادية
  1. تكريس اضطراب سلاسل الإمداد العالمية:

أدى اعتماد مسار “رأس الرجاء الصالح” كمسار شبه دائم لشركات الشحن إلى زيادة مدة الرحلات البحرية بشكل كبير، مما رفع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وغذّى موجات التضخم العالمي التي تضغط بشدة على الاقتصادات الهشة والأسواق الاستهلاكية.

  1. خطر “الإغلاق المزدوج” (Dual-Chokepoint Threat):

من أبرز المخاطر الحالية هو احتمال التنسيق أو التزامن في التهديدات بين الفواعل المسلحة في البحر الأحمر (باب المندب) والخليج العربي (مضيق هرمز). أي تهديد متزامن لهذين الشريانين يمثل “كارثة طاقة عالمية” ستدفع أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة.

  1. التداعيات البيئية المركبة:

إلى جانب التهديد المباشر بحدوث تسرب نفطي من استهداف الناقلات والذي قد يدمر الشعاب المرجانية وقطاعات الصيد وتحلية المياه، برزت أزمة بيئية جديدة تتمثل في الانبعاثات الكربونية. فدوران آلاف السفن حول أفريقيا ينسف فعلياً الجهود الدولية لخفض انبعاثات قطاع النقل البحري نتيجة الاستهلاك الإضافي الضخم للوقود.

  1. تطبيع استخدام الأسلحة المتقدمة اللاتماثلية:

نجاح جماعات مسلحة في فرض معادلة ردع ضد أساطيل دولية يخلق سابقة أمنية خطيرة، تُلهم جماعات راديكالية وقراصنة حول العالم لتبني التكتيكات ذاتها لتهديد مضايق أخرى (مثل ملقا).

  1. السيناريوهات المستقبلية المحتملة
  • السيناريو الأول: الاستنزاف الممتد وتكريس “الوضع الطبيعي الجديد” (السيناريو الحالي والأرجح):

استمرار الهجمات البحرية المتقطعة، يقابلها ضربات جوية ودفاعية من التحالفات الدولية دون القضاء التام على التهديد. تتعايش التجارة العالمية بصعوبة وتكلفة عالية مع هذه المنطقة الرمادية، مع استمرار تحويل الجزء الأكبر من التجارة عبر مسارات بديلة، ليبقى وضعاً استنزافياً طويل الأمد للاقتصاد العالمي.

  • السيناريو الثاني: التصعيد الإقليمي الشامل (السيناريو الأسوأ):

حدوث خطأ في الحسابات (Miscalculation)، كإغراق سفينة حربية كبرى أو حدوث كارثة بيئية ضخمة. سيؤدي هذا إلى تدخل عسكري بري أو ضربات مكثفة تستهدف البنية القيادية للفواعل المسلحة، مما قد يجر قوى إقليمية أخرى للمواجهة ويشعل حرباً إقليمية واسعة، خاصة إذا تمدد التهديد ليشمل مضيق هرمز.

  • السيناريو الثالث: التسوية الدبلوماسية والتهدئة (السيناريو الأقل احتمالاً حالياً):

التوصل إلى تسويات سياسية كبرى للصراعات في الشرق الأوسط، مما يسحب الذريعة السياسية من الفواعل المسلحة، مصحوباً بضمانات أمنية وتفاهمات إقليمية تعيد الهدوء التدريجي والثقة في الملاحة عبر البحر الأحمر.

  1. التوصيات والخيارات الاستراتيجية

لإدارة هذه الأزمة الهيكلية والمعقدة، يجب التحرك فوراً على مسارات متوازية:

  • المسار العسكري والتكنولوجي: تطوير ونشر منظومات دفاع جوي منخفضة التكلفة وعالية الكفاءة (مثل أسلحة الليزر الموجهة أو موجات الميكروويف) لمواجهة أسراب الطائرات المسيرة والزوارق الرخيصة، نظراً لأن استخدام صواريخ اعتراضية بملايين الدولارات لإسقاط مسيرات رخيصة يُعد استنزافاً اقتصادياً وعسكرياً غير مستدام للقوى الكبرى.
  • المسار الجيواقتصادي: تسريع خطط الطوارئ الاستراتيجية لتنويع مسارات التجارة الدائمة (مثل الممرات البرية وشبكات السكك الحديدية العابرة للقارات)، وبناء مخزونات استراتيجية عميقة للدول المعتمدة على الممرات البحرية لامتصاص الصدمات التضخمية المستمرة.
  • المسار الدبلوماسي والسياسي: تجاوز المعالجة الأمنية العرضية (Symptomatic Treatment) نحو تكثيف الجهود لحل النزاعات الإقليمية من جذورها. يتطلب ذلك إشراك القوى الإقليمية المؤثرة في المنطقة لفرض تفاهمات شاملة تضمن فصل أمن الملاحة العالمية عن الصراعات البرية المحلية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts