
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
مقدمة
تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أكثر دول المنطقة تنوعًا عرقيًا ولغويًا، وهذا التنوع يشكل جانبًا مهمًا من فهم البنى السياسية والاجتماعية في إيران. فبعيدًا عن الهيمنة الثقافية الفارسية، يعيش في إيران طيف واسع من الأقليات العرقية التي تُشكل جزءًا مهمًا من السكان، وتتوزع جغرافيًا في المناطق الحدودية والحساسة أمنيًا. هذه الأقليات، رغم مساهمتها في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، لطالما واجهت تحديات متعددة في علاقاتها مع المركز الإيراني؛ مما أدى إلى توترات سياسية واجتماعية على فترات متفاوتة.
أولًا: إحصائيات الأقليات في إيران
لا تعتمد إيران بشكل مباشر على الانتماء العرقي في تعدادها الرسمي، لكن تقديرات متعددة تُظهر تركيبة سكانية متنوعة:
التوزيع العرقي:
- الفرس: يشكلون غالبية السكان، وتقدر نسبتهم بحوالي 61% من مجموع السكان.
- الأذريون (الترك): يعتبرون أكبر أقلية عرقية، بنسب تتراوح بين 16% و25% تقريبًا.
- الأكراد: يشكلون نحو 7–10% من السكان، يتركزون في الغرب والحدود مع العراق وتركيا.
- اللور: حوالي 6% من السكان، وينتمون للعرق الإيراني لكن يمتلكون هوية مميزة.
- العرب: يمثلون نحو 2–3%، مع تركز رئيس في إقليم خوزستان النفطي.
- البلوش: يشكلون نحو 2%، يقطنون في سيستان وبلوشستان (الجنوب الشرقي).
- التركمان والمجموعات الأخرى: نحو 2–3% تشمل التركمان ومجموعات تركية وقوميات صغيرة متعددة.
وبحسب بعض التقديرات الحقوقية والسياسية، قد تمثل الأقليات غير الفارسية أكثر من نصف سكان إيران عند احتساب كل المجموعات الصغيرة والمتداخلة عرقيًا. إذا كان عدد سكان إيران في 2025 حوالي 92 مليون نسمة تقريبًا، فإن الأذريين وحدهم قد يُشكّلون ما بين 14.7 إلى 23 مليون شخص تقريبًا، والأكراد ما بين 6.4 إلى 9.2 مليون شخص، والعرب والبلوش والتركمان مجتمعة حوالي 4 إلى 6 ملايين شخص.
ثانيًا: جذور التوترات العرقية في إيران
1- المركزية الفارسية والتهميش الهيكلي التاريخ السياسي الإيراني الحديث كان دائمًا يعتمد على بناء هوية قومية مركزية قائمة على اللغة الفارسية والمذهب الشيعي الإثني عشري؛ مما وضع الأقليات الثقافية واللغوية في موقع ثانوي مقارنة بأبناء الأغلبية. هذه المركزية تجلت في التعليم، والإدارة، والوظائف الرسمية، وكذلك في سياسات الإقليم والتنمية.
2- مطالب حقوقية في مواجهة مقاربة أمنية يُطالب العديد من الأقليات بحقوق ثقافية ولغوية، مثل:
- تعليم اللغة الأم في المدارس.
- تمثيل سياسي أوسع على المستوى المحلي والوطني.
- سياسات تنموية عادلة تخص مناطقهم التي تعاني غالبًا من ضعف البنية التحتية والبطالة.
لكن تعامل الدولة غالبًا ما كان أمنيًا متشدّدًا، حيث تُعامل الاحتجاجات الاجتماعية في هذه المناطق كتهديد للوحدة الوطنية أو تنظر إليها من منظور مكافحة “الانفصال”. هذا التوظيف الأمني يُعمّق شعور التهميش ويحول المطالب المعيشية إلى صراعات سياسية.
3- المواقع الجغرافية الحساسة معظم الأقليات العرقية تسكن مناطق حدودية:
- الكُرد في الغرب على حدود العراق وتركيا.
- العرب في خوزستان (جنوب غرب)، القريبة من الخليج النفطي.
- البلوش في الجنوب الشرقي قرب الحدود مع باكستان.
- التركمان في الشمال الشرقي.
هذا التوزيع الجغرافي يُضفي بُعدًا أمنيًا على المطالب الاجتماعية؛ إذ ترى الدولة أن أي حراك قد يكون موضع تدخل أو تأثير خارجي، مما يؤدي إلى تضخيم الحساسية في ردود الفعل.
ثالثًا: تجليات التوترات في الواقع الإيراني
1- مثُل الاحتجاجات المحلية وتفاعل الدولة على مدار السنوات الأخيرة تصاعدت الاحتجاجات في العديد من المناطق التي تقطنها الأقليات، خاصة في إقليم خوزستان وسيستان وبلوشستان وكردستان، وتنوعت مطالبها بين مطالب بيئية (مثل شحّ المياه) واقتصادية (الفقر والبطالة) وصولًا إلى مطالب ثقافية وسياسية. وقد ردت السلطات غالبًا بقمع أمني، مما زاد من حدة التوترات ووسع نطاقها.
2- مشكلات حقوق الإنسان والقضاء تشير تقارير حقوقية دولية إلى ارتفاع عدد عمليات الإعدام في إيران خلال العامين الأخيرين، وبأن عددًا من الذين تم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم هم من أفراد أقليات عرقية مثل البلوش والأكراد والعرب، في سياقات يرى مراقبون أنها جزء من نهج قمعي واسع.
3- خطاب الدولة والإعلام في كثير من المناسبات الرسمية، يُستخدم خطاب ربط المطالب العرقية بـ “التآمر الخارجي”، خصوصًا من جهات دولية أو إقليمية، لتبرير الإجراءات الأمنية؛ بينما يُنظر إلى ذلك من داخل المجتمع الدولي كتكتيك لتصوير الحركات الاحتجاجية على أنها مفخخة بالعوامل الخارجية وليست تعبيرًا عن مطالب اجتماعية حقيقية.
رابعًا: البعد السياسي والأمني
يمكن فهم التوترات الحالية بين الدولة الإيرانية والأقليات العرقية من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:
- الهوية مقابل الوحدة الوطنية: ترفض الدولة الاعتراف بالهوية القومية المختلفة بصفتها أساسًا للحكم الذاتي أو الاعتراف الرسمي في الدستور، في حين يرى كثير من ممثلي الأقليات أن احترام التنوع هو السبيل الوحيد لبناء ثقة متبادلة.
- التنمية المتفاوتة: المناطق التي تسكنها الأقليات غالبًا ما تعاني من نقص في التنمية الاقتصادية والبنية التحتية، ما يجعلها أكثر عرضة للتهميش الاجتماعي والسياسي.
- تأثير البيئة الإقليمية: وفق المواقف الرسمية، تُحمّل طهران بعض الجهات الإقليمية والدولية مسؤولية “استغلال” ملف الأقليات لزعزعة الاستقرار، وهو ما يُصعّب أي حوار سياسي ويدفع نحو مقاربة أمنية أكثر تشددًا.
يبقى ملف الأقليات العرقية في إيران عنصرًا مركزيًا في فهم التوترات الداخلية في البلاد؛ فهو يحمل أبعادًا ثقافية، وسياسية، واقتصادية، وجغرافية في آن واحد. تجاوز هذه التوترات لن يكون ممكنًا من خلال أدوات الأمن فقط، بل يحتاج إلى سياسات شاملة تعترف بالتنوع وتعمل على إدماجه في الحياة السياسية والاجتماعية، بما يضمن حقوق الأقليات دون المساس بوحدة الدولة.


