
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)
جمهورية مصر العربية
مقدمة
في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، عادت المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة إلى الواجهة، لكن هذه المرة مع سؤال محوري يتجاوز مضمون التفاوض نفسه: لماذا عُمان؟ ولماذا أصرت طهران على نقل المفاوضات من تركيا؟ ولماذا وافقت واشنطن على ذلك رغم تحفظاتها؟ ثم الأهم: ما السيناريوهات الواقعية التي يمكن أن تسفر عنها هذه الجولة من التفاوض في ظل تصاعد التهديدات العسكرية وتضييق هامش المناورة السياسية؟
هذا المقال يحاول توضيح دلالات المكان، وقراءة الرسائل السياسية الكامنة خلف اختيار عُمان، وربطها بسياق المفاوضات الحالية واحتمالات مآلاتها.
عُمان… أكثر من مجرد مكان محايد
لم يكن اختيار سلطنة عُمان لعقد المفاوضات قراراً لوجستياً أو تفصيلاً ثانوياً، بل هو في حد ذاته رسالة سياسية متكاملة. فمنذ عقود، رسّخت مسقط لنفسها صورة “الدولة الوسيطة” التي تفضل الدبلوماسية الهادئة على الاصطفافات الحادة، وتحافظ على قنوات مفتوحة مع أطراف متخاصمة في الإقليم.
عُمان ليست طرفاً في الصراعات الكبرى في المنطقة، ولم تنخرط في محاور صدامية حادة، لا ضد إيران ولا ضمن حملات عزلها. وفي الوقت نفسه، احتفظت بعلاقات مستقرة مع الولايات المتحدة والغرب، وهو ما جعلها في مناسبات سابقة منصة لتمرير رسائل سرية وتفاهمات أولية بين واشنطن وطهران، حتى قبل التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015.
من هنا، فإن عودة المفاوضات إلى مسقط تعكس رغبة الطرفين في استدعاء ذاكرة تفاوضية “آمنة”، والعودة إلى بيئة سبق أن أثبتت قدرتها على احتواء التوتر وتخفيف الضغوط الإعلامية والسياسية.
لماذا رفضت إيران تركيا؟
إصرار إيران على نقل المفاوضات من تركيا إلى عُمان لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة الدور التركي الإقليمي. فتركيا، رغم علاقتها المتشابكة مع إيران، تُعد في نظر طهران قوة إقليمية منافسة، خاصة في ملفات النفوذ في الشرق الأوسط، والقوقاز، وآسيا الوسطى.
إضافة إلى ذلك، ترى إيران أن تركيا ليست وسيطاً “محايداً بالكامل”، بل دولة ذات أجندة سياسية نشطة، وقد تسعى – ولو بشكل غير مباشر – إلى توسيع جدول الأعمال أو التأثير على مسار التفاوض بما يخدم موقعها الإقليمي. وهذا يتعارض مع الرؤية الإيرانية الحالية، التي تسعى إلى حصر المفاوضات في نطاق ضيق ومحدد، يتركز أساساً على الملف النووي والعقوبات، دون الانجرار إلى ملفات الصواريخ أو النفوذ الإقليمي.
كما أن وجود المفاوضات في تركيا يفتح الباب – من وجهة نظر طهران – أمام ضغوط غير مباشرة من أطراف إقليمية ودولية قد تجد في أنقرة مساحة للتأثير، وهو ما تحاول إيران تفاديه في هذه المرحلة الحرجة.
لماذا وافقت الولايات المتحدة؟
موافقة واشنطن على نقل المفاوضات إلى عُمان، رغم أنها كانت تفضل في البداية الإبقاء على مسار تفاوضي مختلف، تعكس براجماتية أمريكية اضطرارية أكثر منها اقتناعاً كاملاً بالمكان.
الولايات المتحدة تدرك أن البديل عن التفاوض – في هذه اللحظة – ليس خياراً مريحاً. فالتصعيد العسكري يحمل مخاطر انفجار إقليمي واسع، في ظل هشاشة الأوضاع في الشرق الأوسط، وتشابك الملفات من غزة إلى البحر الأحمر والخليج. لذلك، رأت واشنطن أن الحفاظ على قناة حوار مفتوحة، حتى لو بشروط إيرانية جزئياً، أفضل من انهيار كامل للمسار الدبلوماسي.
عُمان، بالنسبة للإدارة الأمريكية، ليست خصماً ولا طرفاً متحيزاً، بل وسيطاً موثوقاً قادراً على نقل الرسائل وضبط الإيقاع، وهو ما يجعل قبولها خياراً عملياً لتفادي الأسوأ.
دلالات اختيار عُمان في هذا التوقيت
توقيت اختيار عُمان لا يقل أهمية عن المكان نفسه. فنحن أمام مرحلة تتسم بالآتي:
- تصعيد متبادل في الخطاب السياسي والعسكري.
- تحذيرات إسرائيلية متزايدة من اقتراب إيران من “العتبة النووية”.
- ضغوط داخلية على الطرفين: إيران تحت وطأة العقوبات، والولايات المتحدة في سياق حسابات داخلية وانتخابية معقدة.
في هذا السياق، تمثل عُمان مساحة لالتقاط الأنفاس، ومكاناً يسمح بإدارة تفاوض هادئ بعيداً عن الضجيج الإعلامي، وبما يتيح لكل طرف تسويق أي خطوة لاحقة داخلياً دون أن يظهر بمظهر المتنازل تحت الضغط.
السيناريوهات المحتملة لمسار المفاوضات
- سيناريو التهدئة المؤقتة: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب، حيث قد تتوصل الأطراف إلى تفاهم غير معلن أو اتفاق مرحلي، يقوم على تجميد بعض الأنشطة النووية الحساسة مقابل تخفيف محدود للعقوبات أو الإفراج عن أصول مالية. هذا السيناريو لا يعني حلاً جذرياً، لكنه يمنع الانفجار.
- سيناريو “إدارة الأزمة”: في هذا المسار، تستمر المفاوضات دون اختراق حقيقي، لكن مع الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، بما يسمح بإدارة التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. عُمان في هذه الحالة تصبح منصة دائمة لتبادل الرسائل، أكثر منها مكاناً لاتفاق نهائي.
- سيناريو الفشل والتصعيد: إذا فشلت المفاوضات بسبب الخلاف على جدول الأعمال أو آليات التنفيذ، فقد تعود الأمور سريعاً إلى مربع التصعيد، مع تشديد العقوبات، وربما لجوء الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى خيارات عسكرية محدودة. لكن هذا السيناريو يظل مكلفاً للجميع.
- سيناريو المسار الطويل: وهو سيناريو أقل احتمالاً لكنه قائم، يقوم على بناء مسار تفاوضي طويل الأمد، يبدأ بخطوات صغيرة ويهدف إلى إعادة صياغة تفاهم أوسع حول الملف النووي، دون العودة الكاملة إلى اتفاق 2015، ولكن دون انهيار شامل أيضاً.
يظل اختيار عُمان لمفاوضات إيران والولايات المتحدة أكثر من مجرد قرار جغرافي. إنه رسالة سياسية واضحة، تعكس الحرص على الحياد، والرغبة في إدارة التوتر، وفتح نافذة دبلوماسية في لحظة حرجة للغاية. واختيار عُمان لمفاوضات إيران والولايات المتحدة يعكس إدراكاً مشتركاً بأن الأزمة وصلت إلى نقطة تتطلب هدوءاً، ووسيطاً موثوقاً، ومساحة تفاوض بعيدة عن الاستقطاب. هي ليست مجرد دولة مضيفة، بل جزء من هندسة التفاوض نفسها.
والنتائج، مهما كانت محدودة، ستحدد ليس فقط مستقبل الملف النووي الإيراني، بل أيضاً شكل التوازنات الإقليمية في مرحلة شديدة الاضطراب. ومع أن النتائج النهائية لهذه الجولة من المفاوضات لا تزال غير مؤكدة، فإن مسقط أصبحت رمزاً للدبلوماسية الصامتة التي تحاول منع الانفجار قبل حدوثه، ومساحة آمنة للطرفين لإعادة ترتيب أوراقهما.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون مسقط محطة لاحتواء الأزمة… أم مجرد استراحة قصيرة قبل عاصفة أكبر؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة، لكن ما هو مؤكد أن مسقط اليوم تحتل مركز الصدارة في أخطر مفاوضات المنطقة وأكثرها حساسية.


