On Research

مقالات تحليلية

قراءة في المشهد السياسي بعد مرور عام من تولي مسعود پزشکیان الرئاسة

Email :1245

ترجمة وتحليل

  د. ريم أبو الخير

إعلامية ومترجمة متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني

جمهورية مصر العربية 

 

بعد مرور عام على انتخاب مسعود پزشکیان رئيسًا لإيران، يدخل المشهد السياسي الإيراني مرحلة أكثر تعقيدًا وتحولًا. فقد جاء پزشکیان إلى السلطة محملًا بوعود الإصلاح والتهدئة والانفتاح، في وقت تراكمت فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتزايدت حدة الاستقطاب بين التيارات. وبين سقف التوقعات المرتفع وصعوبة الواقع، بات تقييم العام الأول من رئاسته ضرورة لفهم اتجاهات السياسة الإيرانية ومستقبلها القريب.
هذا المقال يحاول قراءة حصيلة الإنجازات مقابل الوعود، واستعراض أبرز التحديات التي واجهتها حكومته، وتحليل طبيعة الصراع بين التيارات المؤثرة، وصولًا إلى الجدل الذي أثارته الدعوات المبكرة لاستقالة الحكومة ومواقف القيادات السياسية والصحافة الإيرانية منها.

الوعود مقابل الإنجازاتبرنامج انتخابي وتعهدات پزشکیان  

وصل پزشکیان  للرئاسة ببرنامج انتخابي اعتمد على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فركز على محاربة الفساد وتعزيز العدالة الاقتصادية لصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتحسين مناخ الاستثمار وجذب الاستثمارات الأجنبية، والعمل على إخراج إيران من قوائم سوداء دولية عبر تعديل قوانين غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وعلى صعيد السياسة الخارجية، تبنى پزشکیان سياسة توازن معتدلة لتخفيف التوتر مع الغرب، مع إعادة تقييم الاتفاق النووي وتعزيز العلاقات الإقليمية لدعم الوضع الاقتصادي والجيوسياسي.

كما شمل برنامجه الإصلاح الاجتماعي وحقوق الأفراد، من خلال تخفيف القيود الاجتماعية، وتوسيع حرية الإنترنت، وزيادة مشاركة النساء في مختلف المجالات، مع التأكيد على الوحدة الوطنية والتضامن بين مختلف التيارات، والالتزام بالشفافية والمصداقية مع المواطنين. أما على الصعيد الثقافي والديني، فقد أكد احترامه للدين والهوية الإسلامية، ودعا إلى سلوك أخلاقي في المجتمع، مع معاملة لائقة للنساء، محافظًا بذلك على الطابع الإصلاحي المعتدل لرئاسته.

ورغم بعض الخطوات الإيجابية مثل فتح قنوات تفاوضية محدودة، وإطلاق مبادرات لتعزيز الشفافية، وتخفيف الضغط على بعض القطاعات الاقتصادية—إلا أن الإنجازات لم تصل بعد إلى مستوى التوقعات الواسعة التي رافقت انتخابه.
التباطؤ في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وغياب حلول عاجلة لارتفاع الأسعار والتضخم، ووجود مقاومة مؤسسية من بعض الأجهزة التقليدية، جعل الفجوة بين الوعود والواقع أكثر وضوحًا في أعين الشارع الإيراني.

التحديات التي تواجه حكومته

منذ اليوم الأول لتوليه السلطة، وجد مسعود پزشکیان نفسه أمام تركة سياسية واقتصادية معقدة تُقيّد قدرته على تنفيذ برنامجه الانتخابي. وتُعدّ الأزمة الاقتصادية أبرز هذه التحديات؛ فالتضخم المرتفع، وتذبذب سعر العملة وضعفها ، وضعف القدرة الشرائية، جميعها عوامل عمّقت الفجوة بين وعود الإصلاح وواقع السوق. كما أن استمرار العقوبات الدولية وغياب اتفاق نووي واضح أعاق دخول الاستثمارات الأجنبية وعرقل خطط الحكومة للإنعاش الاقتصادي.

جميعها عوامل تقوّض أي محاولة للإصلاح السريع. ورغم سعي الحكومة لفتح نوافذ جديدة عبر التعاون الإقليمي، إلا أن النتائج لا تزال محدودة.

على المستوى السياسي، حيث يعمل الرئيس داخل نظام سياسي متعدد المراكز، ما يعني أن قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة قد تصطدم بمؤسسات نافذة لها حساباتها الخاصة. ولهذا يواجه پزشکیان ازدواجية مراكز صنع القرار داخل النظام الإيراني، ما يجعل تمرير القرارات الإصلاحية أمرًا بالغ الصعوبة. وهذا التداخل المؤسسي الازدواجية في مراكز القرار خلق حالة من الشدّ والجذب، وقلّص من دور  الرئيس.

أما على الصعيد الاجتماعي، فلا تزال التوقعات الشعبية العالية تضغط على الحكومة؛ فشرائح واسعة من الشباب والطبقة الوسطى تنتظر تغييرات ملموسة في الحريات الشخصية والإعلامية والإنترنت، بينما تتخوّف المؤسسات المحافظة من أن أي انفتاح سريع قد يؤدي إلى اضطرابات. هذا التوازن الدقيق بين رغبة الناس في الانفتاح وحدود النظام، يمثل تحديًا وجوديًا لحكومة پزشکیان.

وقد شهد العام الأول استمرار الضغوط المعيشية على المواطن، مع توقعات مرتفعة بالإصلاح، مما أدى إلى تزايد الانتقادات في الشارع، و احتقان بعض النخب الثقافية والاقتصادية وهذا وضع الحكومة تحت ضغط مضاعف.

وفي السياسة الخارجية، تحاول الحكومة التهدئة وتوسيع العلاقات الإقليمية والدولية، والعمل على الموازنة بين الانفتاح النسبي والالتزام بالخطوط الحمراء للنظام، خصوصًا في ملفات العلاقة مع أوروبا، والتطورات الإقليمية، ومستجدات الحرب في المنطق، إلا أن التوترات في المنطقة والعلاقات المتوترة مع الغرب تجعل الحركة في هذا الملف بطيئة ومحفوفة بالحسابات، خاصة في ظل الملفات الأمنية الحساسة التي لا تخضع مباشرة لسلطة الحكومة.

الصراع بين التيارات السياسية

مع دخول پزشکیان عامه الثاني، أصبح الصراع بين التيارات السياسية أكثر وضوحًا:

  • التيار الإصلاحي يرى أن الرئيس يمثّل فرصة نادرة لترميم العلاقة مع الداخل والخارج، لكنه ينتقد بطء الإجراءات ورضوخه لضغط المؤسسات المحافظة.
  • التيار الأصولي يتعامل مع الرئيس بقدر من الحذر؛ فبينما يؤكد دعمه له كـ”رئيس منتخب”، لا يخفي تحفظه على بعض توجهاته الاقتصادية والسياسية.
  • أما التيار المتشدد، فقد أصبح أكثر جرأة في انتقاد الحكومة، معتبرًا أن سياساتها “لا تنسجم مع مبادئالثورة” أو أنها قد تفتح باب تنازلات سياسية واقتصادية.

هذا التباين خلق حالة من “المعايشة القلقة” داخل المشهد السياسي الإيراني، حيث لا أحد يريد تحمّل مسؤولية الانهيار الاقتصادي، لكن لا أحد يريد أيضًا منح الرئيس مساحة كاملة للقرار.

الدعوات إلى استقالة الحكومة… وموقف خاتمي والقيادات من خلال الصحافة الإيرانية

منذ الشهر العاشر من تولي پزشکیان الحكم، بدأت بعض الأصوات—خصوصًا في الصحف الأصولية المتشددة—بالترويج لفكرة استقالة الحكومة نتيجة “فشلها في إدارة الملفات”، هذه الدعوات لم تكن جديدة؛ فبحسب بعض المقالات، كانت النقاشات حول “جدوى استمرار الحكومة” مطروحة حتى قبل مرور عام كامل.

الانتقادات ركزت على ملفي الاقتصاد والسياسة الخارجية، معتبرة أن خطوات الحكومة “بطيئة” أو “غير فعالة”، وأن استمرارها قد يفاقم المشكلات المعيشية. وفي المقابل، كان رد التيار الإصلاحي حادًا؛ إذ اعتبر أن هذه الدعوات لا تعكس حرصًا على المصلحة الوطنية بقدر ما تعكس تنافسًا سياسيًا ورغبة في إعادة تشكيل المشهد لصالح قوى معينة قبل استحقاقات انتخابية مقبلة.

وفي خضم هذا الجدل، برز موقف الرئيس الأسبق محمد خاتمي وعدد من القيادات الإصلاحية الذين رفضوا بشكل قاطع هذه الدعوات، مؤكدين أن إسقاط الحكومة المنتخبة هو انقلاب على إرادة الشعب، وأن جزءًا من التعطيل الذي تواجهه الحكومة ناتج عن مؤسسات لا تمنحها المساحة الكافية لتنفيذ برنامجها. كما انتقدوا الحملات الإعلامية التي تسعى في وجهة نظرهم إلى تحميل الحكومة وحدها مسؤولية تراكمات سنوات طويلة من سوء الإدارة. أما بعض القيادات المحافظة المعتدلة، فقد حاولت الوقوف في منطقة وسط بين الطرفين، فدعت إلى محاسبة الحكومة وتقييم أدائها بدلًا من المطالبة بإسقاطها، في رسالة تهدف إلى تجنّب الاستقطاب الحاد داخل النظام.

موقف القيادات الإصلاحية من الدعوات إلى الاستقالة

رأت قيادات إصلاحية بارزة أن الدعوات المتصاعدة لاستقالة حكومة مسعود پزشکیان لا تعكس تقييمًا موضوعيًا للأداء بقدر ما تمثل محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي قبل انتخابات البرلمان ومجلس خبراء القيادة. وقد عبّر عن هذا الموقف شخصيات إصلاحية معروفة.

 موقف محمد خاتمي

الرئيس الأسبق خاتمي، أكد من خلال بعض المنابر الإعلامية، رفضه المطلق لهذه الدعوات، معتبرًا أنها محاولات لإضعاف إرادة الناخب وضرب الاستقرار السياسي، معتبرًا أن الهجوم المنظّم على الحكومة جزء من معركة سياسية مبكرة.
وقد خاتمي دعا إلى إعطاء بزشكيان وحكومته الوقت الكافي للعمل قائلًا”ساعدوا بزشكيان ولا تنتقدوه”، وأشار إلى أن جزءًا من التعطيل يعود إلى الصراع داخل المؤسسات وليس فقط إلى أداء الحكومة.

 مواقف آخرون

  • إسحاق جهانجيري،النائب الأول السابق للرئيس روحاني، الذي أشار إلى أن بعض الأطراف تسعى لتهيئة الأرضية الانتخابية عبر تحميل الحكومة مسؤولية أزمات متراكمة منذ سنوات.
    • محمد رضا عارف، القيادي الإصلاحي ورئيس قائمة (اميد)السابقة، الذي أكد أن “المطالبة باستقالة الحكومة ليست نقدًا، بل محاولة لإعادة توزيع موازين القوى قبل الاستحقاقات المقبلة”.
    • مصطفى تاج‌زاده،رغم وجوده خارج المشهد الرسمي، إلا أن مواقفه تحظى بمتابعة واسعة، وقد اعتبر في تصريحات عبر القنوات الإصلاحية أن الهجوم على الحكومة هو “معركة سياسية بامتياز لتحجيم التيار الإصلاحي قبل الانتخابات”.

هذه القيادات ترى أن الهدف الحقيقي من الحملة ليس تحسين أداء الحكومة بقدر ما هو إعادة تموضع القوى المتشددة ومحاولة استعادة السيطرة على مراكز القرار التشريعي والرقابي خلال الانتخابات المقبلة.

مواقف قيادات أخرى

في المقابل، اتخذ عدد من نواب البرلمان المحسوبين على التيار المحافظ موقفًا بدا – في ظاهره – أكثر توازنًا مقارنة بالتيار المتشدد؛ إذ دعوا إلى محاسبة الحكومة وتقييم أدائها بدلًا من المطالبة بإسقاطها أو الضغط لاستقالتها. هذا الطرح حمل رسالة مزدوجة: فمن جهة أراد هؤلاء النواب التأكيد على أنهم لا يتبنون المواقف الراديكالية التي قد تزعزع استقرار الدولة، ومن جهة أخرى سعوا لوضع الحكومة تحت رقابة أكثر صرامة دون تحمل تبعات المطالبة بإسقاطها المبكر.

ومن بينهم حميد رسائي، عضو مجلس الشورى، وأحدالنواب المحافظين، الذي انتقد وزراء پزشکیان خلال مناقشة تشكيل الحكومة.  كذلك أمير حسين ثابتي، وهو  نائب من التيار المحافظ (جبهة استدامة الثورة الإسلامية)، وقد ألقى كلمات شديدة اللهجة أثناء مناقشة بعض وزراء پزشکیان.

موقف الصحافة

هاجمت بعض الصحف المتشددة كتّابًا إصلاحيين، ووصفتهم بأنهم “يحمّلون الآخرين مسؤولية إخفاقات الحكومة”.

من أبرز الصحف الأصولية المتشددة في إيران  (صحيفة كيهـان )، حيث نشرت في تقرير لها بعنوان “سريال فرار از پاسخگویی …” اتهمت كيهان بعض الإصلاحيين بأنهم يستخدمون مطالب “زيادة الصلاحيات” كذريعة لتبرير “ضعف الأداء” والإخفاقات.

كما كتبت “دولت پزشکیان توان انجام کار ندارد” أي (حكومة پزشکیان غير قادرة على الإنجاز)، متهمة الحكومة بالتقصير والتراخي.

وفي هجوم آخر نشرت (كيهان) إن بعض الإصلاحيين يستخدمون اللوم والاتهامات لتفادي المساءلة الفعلية و” الهروب  من المسؤولية”.

 

وهكذا، يجد پزشکیان نفسه أمام شبكة من التعقيدات التي تتجاوز قدرات أي حكومة بمفردها، ما يجعل العام الأول بمثابة اختبار لقدرة الرئيس على إحداث اختراق في بنيان سياسي واقتصادي شديد الصلابة.

وبعد مرور عام على رئاسة مسعود پزشکیان، يبدو المشهد السياسي الإيراني خليطًا من الوعود المؤجلة، والصراع بين التيارات، وضغوط الشارع، وصوت إعلامي يزداد حدة.
قد لا يكون الرئيس قد حقق تحولًا كبيرًا بعد، لكن المعركة لم تُحسم بعد. وما سيأتي في العامين المقبلين سيحدد ما إذا كانت تجربة پزشکیان نقطة عبور نحو إصلاح تدريجي… أم مجرد مرحلة انتقالية أخرى في السياسة الإيرانية.

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts