On Research

وحدة دراسات الإرهاب و الجماعات المسلحة

عرض تقرير مؤشر الإرهاب العالمي 2026 (Global Terrorism Index – GTI).

Email :55

إعداد

فريق عمل المركز

وحدة دراسات الإرهاب والجماعات المسلحة

 

 

مقدمة

يمثل مؤشر الإرهاب العالمي في نسخته الأحدث الصادرة في الربع الأول من عام ألفين وستة وعشرين، وتحديداً في شهر مارس، الوثيقة المرجعية الأهم والأكثر شمولية على المستوى الدولي في دراسة وتحليل ظاهرة العنف السياسي المسلح والتطرف العنيف. يصدر هذا العمل الموسوعي عن معهد الاقتصاد والسلام، وهو مؤسسة فكرية عالمية مستقلة ومركز أبحاث رائد يتخذ من مدينة سيدني في أستراليا مقراً رئيسياً لعملياته، مع فروع ممتدة في نيويورك ومكسيكو سيتي ولاهاي. وقد تأسس المعهد على رؤية فلسفية عميقة تهدف إلى تحويل مفهوم السلام من كونه مجرد فكرة مجردة أو غياب للحرب، إلى مقياس كمي يمكن دراسته وإدارته وربطه بشكل وثيق بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يأتي هذا الإصدار ليغطي البيانات المجمعة والمحققة لعام ألفين وخمسة وعشرين، ليقدم لصناع القرار الاستراتيجي، والأكاديميين، والمحللين الأمنيين أداة تشخيصية لا غنى عنها. وتكتسب هذه النسخة تحديداً أهمية استثنائية نظراً للتحولات التكتونية التي يشهدها النظام العالمي، حيث تتشابك تداعيات التنافس بين القوى العظمى مع التداعيات المستمرة للتغير المناخي والأزمات الاقتصادية الهيكلية، مما يخلق بيئات حاضنة شديدة التعقيد للفاعلين من غير الدول. وقد حرص المعهد على إصدار المتن الأصلي للتقرير باللغة الإنجليزية، لكونها لغة النشر الأكاديمي المعتمدة عالمياً، مع التزام مؤسسي عميق بترجمة الملخصات التنفيذية والنتائج المحورية إلى لغات الأمم المتحدة الرسمية، وفي طليعتها اللغة العربية، لضمان اختراق هذه المعرفة الاستراتيجية لجدران المؤسسات الأمنية والسياسية في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي المناطق التي لطالما كانت في قلب التحولات المرتبطة بهذه الظاهرة.

البنيان المنهجي والفلسفة الإحصائية للمؤشر

لا يستمد هذا التقرير مصداقيته من مجرد السرد الوصفي للأحداث، بل من بنيان منهجي إحصائي صارم ومعقد، يبتعد تماماً عن الانطباعات العابرة أو التحليلات المسيسة. يعتمد المعهد في بناء مؤشره على قاعدة بيانات متطورة لتعقب الإرهاب، والتي تعد حالياً المستودع الأكثر شمولاً وتوثيقاً للحوادث الإرهابية على مستوى العالم. وتتأسس الفلسفة الإحصائية للتقرير على قاعدة صارمة تتمثل في قياس الأثر المتراكم والممتد للظاهرة، وليس فقط الصدمة الآنية للحدث. ولتحقيق هذا الهدف الأكاديمي، يتم حساب الدرجة النهائية لكل دولة، من بين مائة وثلاث وستين دولة يشملها التصنيف، بناءً على متوسط مرجح يمتد لخمس سنوات متتالية. هذا النهج الرياضي يضمن أن الدول التي تعاني من حملات إرهابية طويلة الأمد لا تظهر وكأنها تعافت فجأة بمجرد انخفاض العمليات في سنة واحدة، مما يعكس الأثر النفسي والاقتصادي والمؤسسي العميق الذي يتركه الإرهاب في جسد الدولة والمجتمع. وتقوم هذه الحسبة الرياضية على أربعة أبعاد مركزية يتم إعطاؤها أوزاناً نسبية دقيقة. البعد الأول يتمثل في إجمالي عدد الحوادث الإرهابية الموثقة خلال العام، بينما يركز البعد الثاني على إحصاء أعداد الوفيات المباشرة الناجمة عن تلك العمليات، وهو المؤشر ذو الوزن النسبي الأثقل. أما البعد الثالث فيتناول أعداد الإصابات الجسدية، في حين يغطي البعد الرابع حجم الأضرار المادية الملحقة بالبنية التحتية والممتلكات العامة والخاصة، بالإضافة إلى حوادث اختطاف الرهائن. ومن خلال عملية حسابية لوغاريتمية، يتم تحويل هذه البيانات الخام إلى درجة قياسية تتراوح بين الصفر وعشرة، حيث يمثل الصفر الغياب التام لتأثير الإرهاب، في حين تمثل الدرجة عشرة حالة الانهيار الأمني الكامل والتأثير الكارثي للظاهرة.

المشهد الجيوسياسي الكلي وتحولات خريطة الصراع

عند تحليل النتائج الكلية للنسخة الأحدث من التقرير، يتضح أن العالم يعيش مفارقة أمنية بالغة التعقيد. فمن ناحية أولى، تشير البيانات الإحصائية المجردة إلى استمرار التوجه نحو انخفاض في إجمالي عدد الهجمات الإرهابية الكبرى والمروعة التي كانت تميز العقد الماضي، وهو ما انعكس على التراجع النسبي في أعداد الوفيات المباشرة على المستوى الكلي العالمي. ولكن، يحذر التقرير بشدة من القراءة السطحية لهذه الأرقام، مؤكداً أن هذا الانخفاض لا يعكس انتصاراً حاسماً للمنظومة الأمنية الدولية، بل يمثل انتقالاً للظاهرة من مرحلة المركزية والاستعراض الإعلامي الدموي إلى مرحلة اللامركزية والتغلغل المجتمعي. إن البيئة الجيوسياسية الحالية، المتسمة بعودة التنافس الحاد بين القوى العظمى والانشغال الدولي بصراعات كبرى متزامنة، قد خلقت مساحات شاسعة من الإهمال الاستراتيجي. في هذه المناطق المهملة والمهمشة، تعيد التنظيمات المسلحة بناء قدراتها، وتكيف هياكلها التنظيمية لتصبح أكثر مرونة وأقل قابلية للاستهداف. لقد تخلت العديد من الجماعات عن حلم السيطرة المكانية المباشرة وإعلان الكيانات السياسية الكبرى، واستبدلت ذلك باستراتيجية الاستنزاف طويل الأمد، والاندماج في الاقتصاديات غير الرسمية وشبكات الجريمة المنظمة، مما يجعل خطوط التماس بين الإرهاب الأيديولوجي والتمرد المحلي والجريمة العابرة للحدود أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

الانزياح الجغرافي ومتلازمة الساحل الأفريقي

لعل الاكتشاف الأكثر بروزاً وأهمية في التحليل المكاني لهذا التقرير هو التوثيق الأكاديمي الحاسم لانتقال مركز الجاذبية العالمي للنشاط الإرهابي بشكل كامل نحو القارة الأفريقية، وتحديداً منطقة الساحل الأفريقي والدول الواقعة جنوب الصحراء. لقد تحولت هذه الرقعة الجغرافية الواسعة إلى البؤرة الأكثر دموية واضطراباً على وجه الأرض، متجاوزة بذلك مناطق الصراع التقليدية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. يقدم التقرير تشريحاً دقيقاً لمتلازمة الساحل الأفريقي، موضحاً أن انفجار النشاط الإرهابي هناك ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الحتمية لتضافر عوامل هيكلية مميتة. أولى هذه العوامل هي الهشاشة المؤسسية العميقة المتجسدة في موجة الانقلابات العسكرية المتتالية التي عصفت بدول المنطقة، والتي أدت إلى انهيار الترتيبات الأمنية الإقليمية، وطرد القوات الدولية والحليفة، مما خلق فراغاً أمنياً هائلاً سارعت التنظيمات المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنسيقيات الدولة الإسلامية لملئه. ثانياً، يسلط التقرير الضوء على التأثير المضاعف للتغير المناخي في هذه المنطقة الجافة، حيث يؤدي التصحر ونقص الموارد المائية إلى تأجيج الصراعات القبلية والإثنية التاريخية بين الرعاة والمزارعين، وهي الصراعات التي تستغلها الجماعات الإرهابية ببراعة لتجنيد الأنصار وتقديم نفسها كحامٍ للمجتمعات المحلية المهمشة. علاوة على ذلك، يشير التقرير إلى استراتيجية جديدة تتبناها هذه الجماعات تتمثل في الابتعاد عن استهداف العواصم والمدن الكبرى ذات الكثافة الأمنية، والتركيز المنهجي على المناطق الحدودية الرخوة والنائية. هذه الاستراتيجية الجغرافية تتيح للتنظيمات التهرب من المواجهات المباشرة مع الجيوش النظامية المنهكة، وتأمين خطوط إمداد عابرة للحدود تضمن تدفق الأسلحة والأموال والمجندين بعيداً عن رادارات الرقابة الدولية.

الشرق الأوسط وآسيا من المركزية إلى إعادة التموضع

في مقابل التصاعد الكارثي في أفريقيا، يقدم التقرير قراءة هادئة ومتعمقة لحالة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكذلك لجنوب آسيا. لقد فقدت منطقة الشرق الأوسط صدارتها الإحصائية كأكثر مناطق العالم تضرراً من الإرهاب، وهو تطور يعود في جزء كبير منه إلى الهزيمة العسكرية والمناطقية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية في عدة دول مركزية. ومع ذلك، ينبه الباحثون في التقرير إلى أن غياب الهجمات الكبرى لا يعني القضاء على البنية التحتية الفكرية واللوجستية للتطرف. فقد تحولت العديد من خلايا التنظيمات المتبقية في المنطقة إلى العمل تحت الأرض، متبنية تكتيكات الذئاب المنفردة أو الهجمات الخاطفة والمحدودة، ومستفيدة من التوترات الطائفية والسياسية الكامنة، فضلاً عن استمرار المخيمات التي تضم عائلات المقاتلين كقنابل موقوتة تهدد بتفريخ جيل جديد من المتطرفين إذا لم يتم التعامل معها بمنظور حقوقي وتأهيلي شامل. وفي السياق الآسيوي، وخاصة في أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان وعودة هيكلة الدولة وفق منظورها، رصد التقرير تعقيدات جديدة. فرغم التراجع في بعض أشكال العنف التقليدي، برزت تحديات أمنية متمثلة في صراع النفوذ الدموي مع فروع تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان، بالإضافة إلى تصاعد التمرد والانفصالية في الدول المجاورة، مما يبقي منطقة جنوب آسيا في دائرة الخطر المرتفع، ويؤكد أن غياب الحرب الأهلية المفتوحة لا يعني بالضرورة استتباب الأمن الحقيقي والمستدام.

التحول الأيديولوجي وصعود الإرهاب السياسي والداخلي

من بين الإسهامات المعرفية الأبرز لهذا التقرير الأكاديمي، قدرته على رصد التحولات العميقة في الدوافع الأيديولوجية المحركة للعمليات الإرهابية. ولعقود طويلة، هيمنت السرديات الدينية العابرة للحدود الوطنية على مشهد الإرهاب العالمي. غير أن تقرير عام ألفين وستة وعشرين يقدم أدلة إحصائية قاطعة على أننا نشهد عصراً جديداً يتسم بتراجع نسبي للعمليات ذات الدوافع الدينية الكلاسيكية، مقابل صعود صاروخي ومقلق للغاية في ظاهرة الإرهاب السياسي الداخلي. يتجلى هذا النمط الجديد في زيادة ملحوظة في الهجمات التي تنفذها حركات اليمين المتطرف، واليسار الراديكالي، والجماعات الانفصالية، والحركات الرافضة لمؤسسات الدولة الحديثة. وفي تحليل مكاني مكثف، أشار التقرير إلى أن قارة أمريكا الجنوبية قد أصبحت مختبراً دموياً لهذا النوع من التطرف السياسي، حيث استحوذت المنطقة على الغالبية العظمى من الوفيات المرتبطة بالتناحر الحزبي المسلح والاغتيالات السياسية والعنف المرتبط بالانتخابات. وفي العالم الغربي، وتحديداً في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، أخذ التهديد شكلاً مختلفاً يتمثل في تصاعد جرائم الكراهية والهجمات التي يشنها أفراد متشبعون بأيديولوجيات التفوق العرقي والعداء للمهاجرين ونظريات المؤامرة المعقدة. هذا التحول الأيديولوجي يضع الأجهزة الأمنية الغربية أمام تحدٍ هائل، حيث أن هذا النوع من التهديدات ينبع من داخل النسيج المجتمعي ذاته، ويصعب تتبعه عبر الآليات التقليدية المصممة لمواجهة التنظيمات الهيكلية القادمة من الخارج، مما يتطلب إعادة هيكلة كاملة لفلسفة الأمن الداخلي وآليات الرصد والاستباق.

سيكولوجية التطرف الرقمي وتسليح التكنولوجيا

لا يكتفي التقرير برصد التحولات الجغرافية والأيديولوجية، بل يغوص عميقاً في الآليات والأدوات التي تستخدمها الجماعات المتطرفة في العصر الحالي، مفرداً مساحة واسعة لتحليل التزاوج الخطير بين التكنولوجيا الحديثة ونوايا التدمير. يطرح التقرير مفهوم التطرف الرقمي السريع كأحد أخطر الإفرازات السيكولوجية للمرحلة الحالية. ففي الماضي، كانت عملية تحويل الفرد العادي إلى شخص متطرف يتبنى العنف تتطلب أشهراً وربما سنوات من الاحتكاك الشخصي والتلقين العقائدي في دوائر مغلقة. أما اليوم، وفي ظل الهيمنة المطلقة لمنصات التواصل الاجتماعي، فقد انكمش هذا الجدول الزمني بشكل مرعب. يوضح التقرير كيف أن الخوارزميات المصممة أساساً لجذب الانتباه وزيادة التفاعل، يتم استغلالها بطريقة منهجية لدفع المستخدمين، وخاصة من فئة الشباب والقُصّر، نحو غرف صدى رقمية متطرفة، حيث يتعرضون لسيل مكثف من مقاطع الفيديو القصيرة والمكثفة عاطفياً التي تبسط القضايا السياسية المعقدة وتطرح العنف كحل وحيد ومطهر. وتنعكس هذه الهشاشة السيكولوجية في الارتفاع الحاد لنسبة القُصّر المتورطين في تحقيقات الإرهاب في الدول الغربية. علاوة على ذلك، يرصد التقرير ظاهرة تسليح التكنولوجيا المتاحة تجارياً؛ حيث أصبحت الطائرات المسيرة الرخيصة والطباعة ثلاثية الأبعاد للأسلحة والذخائر جزءاً لا يتجزأ من الترسانة التكتيكية للميليشيات والفاعلين من غير الدول. يترافق ذلك مع استغلال متزايد للعملات المشفرة وأنظمة التمويل اللامركزي للتهرب من العقوبات المالية الدولية، مما يمنح هذه الجماعات قدرات لوجستية كانت حكراً في الماضي على الجيوش النظامية.

التشريح الاقتصادي وتكلفة الإرهاب المباشرة وغير المباشرة

يتميز معهد الاقتصاد والسلام بمنهجيته الرائدة التي تذهب أبعد من الإحصاء البشري المأساوي، لتقدم تشريحاً دقيقاً للتكلفة الاقتصادية للإرهاب، محولاً الأثر الأمني إلى أرقام مالية ملموسة تُظهر الحجم الحقيقي للنزيف الاقتصادي. يؤكد التقرير في هذا القسم المعمق أن التكلفة لا يمكن حصرها في النفقات المباشرة المرتبطة بالرعاية الصحية للمصابين، أو إعادة بناء البنية التحتية المدمرة، أو تعويضات أسر الضحايا، على الرغم من فداحتها. بل تمتد التكلفة لتشمل شبكة واسعة من التأثيرات الاقتصادية غير المباشرة التي تخنق فرص النمو والتنمية وتدمر المستقبل الاقتصادي للدول المستهدفة. يقدم التقرير تحليلاً موسعاً لكيفية تأثير التصنيف المرتفع في مؤشر الإرهاب على المناخ الاستثماري، حيث يُظهر انخفاضاً حاداً ومستمراً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو الدول التي تتصدر المؤشر، نظراً لارتفاع علاوة المخاطر وتكلفة التأمين على المشروعات والأصول. بالإضافة إلى ذلك، يفرض التهديد الإرهابي المستمر على الحكومات إعادة توجيه نسب هائلة من ناتجها المحلي الإجمالي وموازناتها العامة نحو الإنفاق العسكري والأمني الطارئ. هذا التضخم القسري في الميزانيات الدفاعية يأتي بالضرورة على حساب الاستثمارات الحيوية في قطاعات البنية التحتية الأساسية، والرعاية الصحية، وتطوير التعليم. وفي مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء، يمتد التأثير الاقتصادي للإرهاب ليضرب عصَب الحياة اليومية، حيث تؤدي الهجمات على الطرق السريعة وابتزاز المزارعين إلى شلل كامل في سلاسل التوريد المحلية والإنتاج الزراعي. هذا التدمير الممنهج للاقتصاد المحلي يفضي إلى أزمات حادة في الأمن الغذائي، ويدفع بملايين البشر نحو دائرة الفقر المدقع، وهو ما يخلق بدوره بيئة خصبة ومثالية لتجنيد المزيد من الشباب المحبط في صفوف التنظيمات المتطرفة، لتستمر هذه الحلقة المفرغة من العنف والإفقار في الدوران دون توقف.

التلازم العضوي بين الإرهاب والنزاعات المسلحة

في واحد من أهم فصوله النظرية والإحصائية، يفكك التقرير أسطورة مفادها أن الإرهاب هو ظاهرة تنشأ من فراغ أو في مجتمعات مستقرة سياسياً واجتماعياً. يقدم المعهد دليلاً رياضياً وإحصائياً قاطعاً لا يقبل التأويل على وجود تلازم عضوي واعتماد متبادل بين ارتفاع معدلات الإرهاب وتفشي النزاعات المسلحة والحروب الأهلية. وتؤكد البيانات الصارمة المدرجة في هذا التقرير أن الغالبية المطلقة، والتي تقترب من تسعة وتسعين بالمائة، من إجمالي الوفيات الناجمة عن الهجمات الإرهابية على مستوى العالم قد وقعت داخل الحدود الجغرافية لدول تعاني بالفعل من حروب أهلية مفتوحة، أو صراعات إثنية مسلحة، أو انهيار في سلطة الدولة المركزية، أو حتى دول تتعافى حديثاً من صراعات سابقة ولم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار المؤسسي. هذا الاكتشاف الإحصائي البالغ الأهمية يؤدي إلى استنتاج أكاديمي وعملي جوهري: إن الإرهاب الحديث ليس إلا عَرَضاً دموياً من أعراض مرض أعمق وأشمل هو انهيار السلم الأهلي واختلال العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها. إن النزاعات المسلحة الممتدة تدمر سيادة القانون، وتخلق ملاذات جغرافية آمنة ومفتوحة لتدريب وتجهيز المقاتلين، وتوفر أسواقاً سوداء مزدهرة للسلاح والتهريب لتمويل العمليات. والأهم من ذلك كله، أن الحروب تخلق أجيالاً بأكملها مشبعة بثقافة العنف ومجردة من فرص التعليم والعمل، مما يجعل الانضمام إلى الجماعات المتطرفة خياراً اقتصادياً وسياسياً جاذباً بل وحتمياً في بعض الأحيان. وبالتالي، يسقط التقرير الفرضية القائلة بإمكانية القضاء على الإرهاب عبر الحلول الأمنية المنعزلة التي تتجاهل السياق السياسي والاجتماعي الأوسع الذي يفرزه.

الاستنتاجات الاستراتيجية والرؤية الاستشرافية

يُختتم هذا العرض الأكاديمي التفصيلي لتقرير مؤشر الإرهاب العالمي بالوقوف على الحزمة المتكاملة من الاستنتاجات الاستراتيجية والتوصيات الاستشرافية التي صاغها خبراء معهد الاقتصاد والسلام. ينطلق التقرير في خلاصته من تحذير شديد اللهجة لصناع القرار العالمي: إن التراجع الإحصائي المؤقت في أعداد الضحايا وتلاشي التنظيمات الكبرى بتركيبتها الهرمية المألوفة يجب ألا يُقرأ كعلامة على نهاية عهد الإرهاب، بل كإعلان عن دخوله في مرحلة التحور والتكيف مع البيئة الاستراتيجية الجديدة. بناءً على هذا التشخيص، يدعو التقرير إلى تحول جذري في العقيدة المتبعة لمكافحة الإرهاب عالمياً، مطالباً بالانتقال من مقاربة “مكافحة الإرهاب” التقليدية، التي تعتمد بشكل حصري على العمليات العسكرية المباشرة وتصفية القيادات والتدخلات الأمنية التكتيكية، إلى مقاربة أشمل وأعمق هي مقاربة “بناء السلام” وحل النزاعات. يؤكد الباحثون أن تجفيف منابع الإرهاب الحقيقية يبدأ بالجهود الدبلوماسية الجادة لإنهاء الحروب الأهلية المفتعلة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية لتكون قادرة على فرض سيادتها وتقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها بعدالة وشفافية، مما يكسر احتكار الجماعات المسلحة لتقديم الخدمات في المناطق المهمشة. وعلى الصعيد التكنولوجي والقانوني، يشدد التقرير على الضرورة الملحة والخالصة لصياغة مواثيق دولية ملزمة وتشريعات وطنية متطورة لتعزيز الأمن السيبراني المجتمعي. يتطلب هذا الأمر شراكة استراتيجية حقيقية وليست شكلية مع عمالقة شركات التكنولوجيا ومحركات البحث للجم خوارزميات التطرف وتفكيك شبكات التجنيد الرقمية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الحريات المدنية وحرية التعبير. وأخيراً، يؤكد التقرير أن طبيعة الإرهاب العابرة للحدود في نسخته المعاصرة، والتي تتجلى بوضوح في تحالفات الساحل الأفريقي والشبكات الإجرامية في أمريكا اللاتينية، تجعل من الاستجابات الوطنية المنعزلة جهوداً عقيمة، وتفرض على المجتمع الدولي صياغة آليات متقدمة لإدارة الحدود المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فوري، وقطع خطوط التمويل غير المشروعة، وذلك لمنع التنظيمات المتطرفة من استغلال الفجوات في النظام الدولي وتأسيس إقطاعيات دموية جديدة تهدد الأمن والاستقرار العالميين لعقود قادمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts