
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)
جمهورية مصر العربية
مقدمة
تُمثل العلاقات المصرية الإيرانية واحدة من أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيدًا وتقلبًا في الشرق الأوسط. فبين القاهرة وطهران، وهما من أقدم وأثقل العواصم الحضارية والسياسية في المنطقة، تأرجح مؤشر العلاقات على مدار أقل من قرن بين أقصى درجات التقارب وصولًا إلى التحالف والمصاهرة الملكية، وبين أقصى درجات التباعد التي وصلت إلى حد القطيعة والعداء المفتوح.
لفهم هذا المسار المتعرج، يجب التوقف عند محطات تاريخية فاصلة أعادت تشكيل علاقة كلا البلدين ورؤيتهما لدورهما الإقليمي.
1- المصاهرة الملكية: ذروة التقارب (1939 – 1948)
شهدت نهاية الثلاثينيات واحدة من أبرز لحظات التقارب في تاريخ العلاقات المصرية الإيرانية، عندما تم زواج الأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق، من ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي عام 1939.
لم يكن هذا الزواج مجرد حدث اجتماعي بين أسرتين ملكيتين، بل كان يحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية عميقة. فقد جاء في سياق دولي شديد التعقيد، مع اقتراب الحرب العالمية الثانية، حيث سعت بريطانيا، التي كانت تمتلك نفوذًا واسعًا في كل من مصر وإيران، إلى تعزيز الاستقرار في مناطق نفوذها عبر توثيق العلاقات بين حلفائها الإقليميين.
كان الهدف من هذا الزواج خلق محور استقرار يربط بين دولتين رئيسيتين في الشرق الأوسط، بما يعزز المصالح الغربية في المنطقة ويحد من أي اختراق محتمل من القوى المنافسة.
بعد تولي محمد رضا بهلوي العرش عام 1941، أصبحت الأميرة فوزية إمبراطورة لإيران، وهو ما أعطى العلاقات بين البلدين بعدًا رمزيًا إضافيًا.
ومع ذلك، لم تستمر هذه المصاهرة طويلًا، إذ انتهى الزواج بالطلاق عام 1948 نتيجة خلافات شخصية وثقافية، إضافة إلى ضغوط سياسية داخلية في إيران. لكن رغم هذا الانفصال، لم يؤدِ ذلك إلى تدهور العلاقات الدبلوماسية، حيث استمرت العلاقات بين البلدين في إطار طبيعي نسبيًا، خاصة في ظل تشابه طبيعة النظامين الملكيين وتوافقهما السياسي العام.
2- الحقبة الناصرية.. المد القومي وصدام التوجهات (1952 – 1970)
مع قيام ثورة يوليو 1952 في مصر ووصول الرئيس جمال عبد الناصر للرئاسة، تغيرت عقيدة السياسة الخارجية المصرية جذريًا نحو “القومية العربية” ومعاداة الاستعمار والأحلاف الغربية، مما وضعها في مسار تصادمي مع طهران.
هذا التحول وضع مصر في مسار تصادمي مع إيران، التي بقيت تحت حكم الشاه حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة والغرب في المنطقة.
- حلف بغداد (1955) عارضت مصر بشدة انضمام إيران إلى حلف بغداد الذي رعته بريطانيا والولايات المتحدة، واعتبرته تهديدًا للأمن القومي العربي، حيث قاد الرئيس عبد الناصر حملة سياسية وإعلامية قوية ضد الحلف. فكان انضمام إيران إلى حلف بغداد، الذي ضم أيضًا العراق وتركيا وبريطانيا، أحد أبرز أسباب التوتر. فقد رأت مصر في هذا الحلف أداة استعمارية تهدف إلى تطويق المنطقة العربية وفرض الهيمنة الغربية عليها.
- القطيعة الأولى (1960) وصل التوتر إلى ذروته عندما قررت مصر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران عام 1960، احتجاجًا على اعتراف الشاه بإسرائيل وتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري معها. لم يكن هذا القرار مجرد رد فعل سياسي، بل كان انعكاسًا لصراع أوسع بين مشروعين إقليميين: المشروع القومي العربي بقيادة مصر، والمشروع الإقليمي المحافظ المتحالف مع الغرب بقيادة إيران.
3- عصر السادات والشاه (1970 – 1979).. شهر العسل القصير
مع وصول الرئيس أنور السادات إلى السلطة، شهدت العلاقات المصرية الإيرانية تحولًا جذريًا نحو التقارب. حيث تبنى السادات سياسة خارجية مختلفة عن سلفه، تقوم على الانفتاح على الغرب وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
وجد السادات في شاه إيران حليفًا طبيعيًا، خاصة في ظل تشابه رؤيتهما لمستقبل المنطقة. فقد جمعت بين السادات والشاه محمد رضا بهلوي كيمياء شخصية وتوافق استراتيجي حول ضرورة التوجه نحو المعسكر الغربي.
- دعم حرب أكتوبر (1973) لعبت إيران دورًا مهمًا في دعم مصر خلال حرب أكتوبر، حيث قدمت مساعدات نفطية حيوية ساعدت مصر على تجاوز آثار الحرب، كما ساهمت في دعم الاقتصاد المصري خلال مرحلة إعادة الإعمار.
- التحالف الإقليمي في تلك الفترة، تشكل محور إقليمي غير رسمي ضم مصر وإيران والسعودية، وكان يُنظر إليه من قبل الولايات المتحدة باعتباره ركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط. أصبحت العلاقات بين القاهرة وطهران في تلك المرحلة من أقوى العلاقات الثنائية في المنطقة.
- الثورة الإيرانية والقطيعة الكبرى يُعد عام 1979 نقطة اللاعودة في العلاقات بين البلدين، حيث تزامنت ثلاثة أحداث زلزلت الشرق الأوسط وأسست لقطيعة استمرت لعقود:
- أولًا: الثورة الإيرانية سقوط نظام الشاه وصعود آية الله الخميني وتأسيس “الجمهورية الإسلامية” ذات التوجهات الراديكالية والمُصدرة للثورة. أدى هذا السقوط إلى تغيير جذري في توجهات إيران الخارجية، حيث تبنى النظام الجديد خطابًا ثوريًا معاديًا للغرب، ورافضًا للسياسات المصرية، خاصة بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل.
- ثانيًا: استضافة الشاه تحدى السادات النظام الإيراني الجديد باستقباله الشاه بعد سقوطه كلاجئ سياسي في مصر حتى وفاته ودفنه في القاهرة عام 1980، وهو ما اعتبرته طهران إهانة وعداءً صريحًا.
- ثالثًا: معاهدة كامب ديفيد وقعت مصر معاهدة سلام مع إسرائيل (1979)، وهو ما استغله النظام الإيراني الجديد لقطع العلاقات الدبلوماسية رسميًا مع القاهرة، متهمًا إياها بالخيانة.
- رابعًا: شارع خالد الإسلامبولي بلغت الاستفزازات ذروتها حين أطلقت طهران اسم “خالد الإسلامبولي” (قاتل السادات عام 1981) على أحد شوارعها الرئيسية، مما جعل عودة العلاقات شبه مستحيلة نفسيًا وسياسيًا.
4- عقود الجليد.. حرب الوكالة والتنافس الإقليمي
في عهد الرئيس حسني مبارك، اتسمت العلاقات بـ “الحرب الباردة” والتوجس الأمني المستمر.
- الحرب العراقية الإيرانية دعمت مصر العراق لوجستيًا وعسكريًا ضد إيران طوال الثمانينيات، معتبرة أن أمن الخليج خط أحمر وجزء من الأمن القومي المصري.
- الصدام الإقليمي تباينت المواقف بشدة في ملفات عدة؛ فبينما رعت مصر عملية السلام، دعمت إيران حركات مثل حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله، مما اعتبرته القاهرة تدخلًا في أمنها القومي ومحاولة إيرانية لاختراق الساحة العربية.
خلال هذه الفترة، استمرت العلاقات في حالة جمود وعداء غير مباشر، لم تكن هناك علاقات دبلوماسية رسمية، بل مجرد قنوات اتصال محدودة للغاية.
5- ما بعد 2011.. محاولات التقارب والحذر البراجماتي
بعد أحداث الربيع العربي، شهدت العلاقات محاولات خجولة لإذابة الجليد:
- فترة حكم الإخوان زار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد القاهرة عام 2013 كأول رئيس إيراني يزور مصر منذ 1979. ومع ذلك، اصطدم هذا التقارب السريع بمعارضة داخلية مصرية (خاصة من المؤسسة الأزهرية والسلفيين) ومخاوف خليجية.
- الجمورية الجديدة.. عهد الرئيس السيسي (2014 – حتى الآن) منذ انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014، دخلت العلاقات المصرية الإيرانية مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها مرحلة “الإدارة الحذرة” بدلًا من “القطيعة الصلبة” أو “التقارب الكامل”. فلم تشهد هذه الفترة تطبيعًا رسميًا شاملًا، لكنها في الوقت نفسه لم تشهد تصعيدًا مباشرًا أو عداءً علنيًا حادًا كما كان الحال في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
اتسمت السياسة المصرية تجاه إيران في هذه المرحلة بثلاث سمات رئيسية: الحذر الاستراتيجي، والبراجماتية السياسية، والالتزام بتوازنات الأمن الخليجي.
أولًا: أولوية الأمن القومي العربي والخليجي وضعت مصر في عهد الرئيس السيسي أمن الخليج العربي ضمن محددات سياستها الإقليمية، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وقد جاء ذلك في سياق التحالف الوثيق بين مصر ودول الخليج. لذلك، حرصت القاهرة على عدم اتخاذ خطوات يمكن أن تُفسر باعتبارها انحيازًا استراتيجيًا نحو طهران على حساب حلفائها الخليجيين. لكن في المقابل، لم تتبنَّ مصر خطابًا تصعيديًا مباشرًا ضد إيران، بل احتفظت بمسافة سياسية محسوبة، تتيح لها هامشًا من المناورة الدبلوماسية.
ثانيًا: قنوات الاتصال الأمنية والدبلوماسية غير المعلنة رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية كاملة، أشارت تقارير متعددة إلى وجود قنوات اتصال غير مباشرة بين القاهرة وطهران، خاصة عبر الأجهزة الأمنية. تركزت هذه الاتصالات حول ملفات إقليمية حساسة، مثل:
- أمن الملاحة في البحر الأحمر.
- تطورات الأوضاع في سوريا.
- استقرار العراق.
- أمن منطقة الخليج.
فمصر، باعتبارها دولة محورية، تدرك أن تجاهل إيران بالكامل ليس خيارًا واقعيًا، نظرًا لدورها المؤثر في العديد من ساحات الصراع الإقليمي.
ثالثًا: الملف السوري… نقطة تقاطع غير متوقعة كان الملف السوري أحد أبرز المجالات التي ظهرت فيها تقاطعات غير مباشرة بين الموقفين المصري والإيراني. فعلى عكس بعض الدول العربية التي دعمت إسقاط النظام السوري، تبنت مصر موقفًا يدعو إلى الحفاظ على الدولة الوطنية السورية ومؤسساتها. هذا الموقف اقترب نسبيًا من الرؤية الإيرانية التي دعمت النظام السوري. لكن هذا التقاطع لم يتحول إلى تحالف، بل ظل في إطار التوافق الجزئي المرتبط بمفهوم “استقرار الدولة الوطنية”.
رابعًا: الدور الحاسم للمؤسسة الدينية في مصر لعبت مؤسسة الأزهر الشريف دورًا مهمًا في تشكيل محددات العلاقة مع إيران. فالأزهر، باعتباره المرجعية الدينية السنية الأبرز في العالم الإسلامي، ظل يتحفظ على بعض السياسات الإيرانية، خاصة ما يتعلق بنشر التشيع في بعض الدول العربية. وقد انعكس هذا الموقف على السياسة المصرية، التي حرصت على عدم فتح المجال لتقارب واسع قد يثير حساسيات داخلية أو إقليمية.
خامسًا: تأثير الاتفاق السعودي الإيراني 2023 شكل الاتفاق الذي تم برعاية الصين بين السعودية وإيران في مارس 2023 نقطة تحول مهمة في البيئة الإقليمية. فهذا الاتفاق خفف من حدة الاستقطاب في المنطقة، وفتح الباب أمام إمكانية إعادة ترتيب العلاقات بين إيران وعدد من الدول العربية، ومنها مصر. في هذا السياق، ظهرت مؤشرات على:
- لقاءات دبلوماسية على هامش مؤتمرات دولية.
- تصريحات إيجابية حذرة من الطرفين.
- مناقشات حول إمكانية استئناف العلاقات الدبلوماسية تدريجيًا.
لكن القاهرة تعاملت مع هذه التطورات بحذر، مفضلة الانتظار لتقييم مدى استدامة التهدئة الإيرانية الخليجية.
سادسًا: محددات الموقف المصري… لماذا لم يحدث تطبيع كامل؟ يمكن تفسير عدم تطبيع العلاقات حتى الآن بعدة عوامل رئيسية:
- الاعتبارات الاستراتيجية: مصر لا ترغب في الدخول في محور إقليمي قد يضعها في مواجهة مع شركائها التقليديين.
- طبيعة الدور الإيراني الإقليمي: لا تزال القاهرة تتحفظ على بعض أدوار إيران في المنطقة، خاصة في ملفات مثل اليمن ولبنان.
- الأولويات الاقتصادية المصرية: تركز مصر بشكل أساسي على جذب الاستثمارات الخليجية والغربية، وهو ما يجعلها حريصة على عدم اتخاذ خطوات قد تؤثر على هذه العلاقات.
- غياب الثقة المتراكمة: إرث القطيعة الطويلة خلق فجوة من عدم الثقة تحتاج إلى وقت طويل لتجاوزها.
سابعًا: براجماتية مصرية قائمة على “تصفير المشاكل دون التحالف” يمكن القول إن السياسة المصرية تجاه إيران في عهد السيسي تقوم على مبدأ: “عدم العداء… دون التحالف”. فمصر لا ترى في إيران عدوًا مباشرًا، لكنها لا تعتبرها أيضًا حليفًا استراتيجيًا، بل تتعامل معها باعتبارها قوة إقليمية يجب إدارة العلاقة معها بحسابات دقيقة.
وعلى هذا فإن فترة الرئيس السيسي تمثل انتقال العلاقات المصرية الإيرانية من “مرحلة العداء الأيديولوجي” إلى “مرحلة الإدارة الواقعية”. لم تعد العلاقة محكومة بالشعارات أو القطيعة المطلقة، بل أصبحت محكومة بحسابات المصالح والتوازنات. وقد يكون هذا النهج مقدمة لمرحلة جديدة من العلاقات في المستقبل، إذا استمرت التهدئة الإقليمية وتوافرت الإرادة السياسية لدى الطرفين.
تعكس العلاقات المصرية الإيرانية بوضوح كيف يمكن للتحولات السياسية والأيديولوجية أن تعيد تشكيل العلاقات بين الدول، حتى بين دول تمتلك تاريخًا طويلًا من التفاعل والتقارب. فمن المصاهرة الملكية إلى القطيعة الثورية، ومن التحالف الاستراتيجي إلى التنافس الإقليمي، مرت هذه العلاقة بمراحل متناقضة تعكس طبيعة النظام الإقليمي المضطرب في الشرق الأوسط.
اليوم، تقف القاهرة وطهران أمام مرحلة جديدة قد تفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بينهما، خاصة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، وتزايد الحاجة إلى التعاون لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المشتركة. ومع ذلك، فإن مستقبل هذه العلاقة سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز إرث الماضي، وإيجاد صيغة للتعايش السياسي تقوم على المصالح المشتركة بدلًا من الصراعات الأيديولوجية. فالعلاقة بين مصر وإيران لم تكن يومًا ثابتة، بل كانت دائمًا انعكاسًا لموازين القوى في المنطقة… ومن المرجح أن تستمر كذلك في المستقبل.


