On Research

مقالات تحليلية

التمويل البديل: بنوك الظل والنظام المصرفي الموازي

Email :211

إعداد 

د. مصطفى عيد إبراهيم

خبير في الشئون الدولية

جمهورية مصر العربية 

 

 

تقديم :

قال آدم سميث إنه لا يوجد اقتصاد بدون بنوك؛ حيث تُشكل البنوك الركيزة الأساسية للنظام الائتماني من خلال قبول الودائع وتقديم القروض، وتعمل تحت رقابة صارمة من الجهات التنظيمية العالمية والوطنية. أما “البنوك الموازية”، والمعروفة غالبًا باسم شركات التمويل غير المصرفية، فتتمتع عادةً بصلاحية العمل دون رقابة كافية من الجهات التنظيمية. ويُشير مصطلح “النظام المصرفي الموازي” إلى المؤسسات المالية الوسيطة التي تُشارك في خلق الائتمان ولكنها لا تخضع للرقابة التنظيمية بشكل كافٍ مقارنة بالبنوك التقليدية.

على الرغم من أن مصطلح “الخدمات المصرفية الموازية” قد يوحي بشيء من الغموض، إلا أنها تُعدّ مكونًا مشروعًا وهامًا في النظام المالي العالمي. ويُعرف هذا النظام أيضًا بالوساطة المالية غير المصرفية، ويتألف من مؤسسات مالية وسيطة غير مصرفية تُقدّم خدمات ائتمانية ومالية مماثلة لتلك التي تُقدّمها البنوك التقليدية، ولكنها تعمل في ظل تنظيم ورقابة أقل. في عام 2022، أفاد مجلس الاستقرار المالي أن أصول الخدمات المصرفية الموازية العالمية تجاوزت 239 تريليون دولار، أي ما يعادل 49.17% من إجمالي أصول القطاع المالي[1].

ومن أمثلة “البنوك الموازية” أو المؤسسات المالية الوسيطة غير الخاضعة للتنظيم: صناديق التحوط، وصناديق الأسهم الخاصة، ومؤسسات الإقراض العقاري، وحتى البنوك الاستثمارية الكبرى. كما يُمكن أن يُشير مصطلح “النظام المصرفي الموازي” إلى الأنشطة غير الخاضعة للتنظيم التي تقوم بها المؤسسات الخاضعة للتنظيم، والتي تشمل أدوات مالية مثل مقايضات التخلف عن سداد الائتمان. ويُعزى التوسع في الحصول على قروض الإسكان، الذي ساهم في الأزمة المالية عام 2008، إلى النظام المصرفي الموازي[2]. ويُذكر أن الخبير الاقتصادي بول ماكولي، الذي شغل منصب المدير الإداري لشركة باسيفيك إنفستمنت مانجمنت  (PIMCO)، هو أول من أطلق مصطلح “بنوك الظل” في عام 2007، واستخدم هذا المصطلح لوصف المؤسسات التي غذّت بيئة الإقراض الميسر، مما أدى إلى انهيار سوق الرهن العقاري عالي المخاطر والأزمة المالية العالمية عام 2008[3].

التحولات والظهور

على الرغم من أن مصطلح “الخدمات المصرفية الموازية” قد يبدو مثيرًا للقلق كما سبق وأشرنا، إلا أن العديد من شركات الوساطة والاستثمار المعروفة تمارس أنشطة مصرفية موازية. وكانت شركتا ليمان براذرز وبير ستيرنز من أبرز شركات التمويل غير المصرفية التي كانت في قلب الأزمة المالية عام 2008. ونتيجةً لتلك الأزمة، خضعت البنوك التقليدية لرقابة تنظيمية مشددة، مما أدى إلى انكماش طويل الأمد في أنشطتها الإقراضية. ومع تشديد السلطات للرقابة على البنوك، شددت البنوك بدورها شروطها على طالبي القروض والائتمان. وأدت هذه المتطلبات الأكثر صرامة إلى زيادة حاجة الناس إلى مصادر تمويل بديلة، ومن ثم نمو المؤسسات غير المصرفية، أو ما يُعرف بـ “الخدمات المصرفية الموازية”، التي تمكنت من العمل خارج نطاق القيود التنظيمية المصرفية. وكان السبب الرئيس في تشديد الرقابة على البنوك التقليدية اتفاقية بازل 3.

اتفاقية بازل 3

هي مجموعة من التدابير الإصلاحية العالمية التي وضعتها “لجنة بازل للرقابة المصرفية” التابعة لبنك التسويات الدولية (BIS)، بهدف تعزيز تنظيم المصارف، والإشراف عليها، وإدارة المخاطر داخل القطاع المصرفي عالمياً. ولقد جاءت هذه الاتفاقية كاستجابة مباشرة وناتجة عن الأزمة المالية العالمية عام 2008، لسد الثغرات التي ظهرت في الإطار التنظيمي السابق (بازل 2)، وذلك في ظل أهداف رئيسية مثل رفع كفاءة القطاع المصرفي لتمكينه من امتصاص الصدمات الناتجة عن الأزمات المالية والاقتصادية، وتحسين إدارة المخاطر والحوكمة من خلال تعزيز الشفافية والإفصاح داخل البنوك، فضلاً عن حماية النظام المالي من الانهيار الجماعي عبر تجنب مخاطر انتقال الأزمات من مؤسسة مالية إلى أخرى.

وتعتمد الاتفاقية على ثلاث ركائز تنظيمية (مشابهة لهيكل بازل 2 ولكن بشروط أكثر صرامة) كتحديد المتطلبات الدنيا لرأس المال، حيث ركزت بازل 3 على تحسين جودة وكمية رأس المال الذي يجب على البنوك الاحتفاظ به لمواجهة الخسائر؛ حيث تم رفع الحد الأدنى لحقوق الملكية الشائعة من 2% إلى 4.5%، ورفع إجمالي رأس المال الأساسي ليكون 6%، مع إلزام البنوك ببناء مصدات لحماية رأس المال في أوقات الرخاء لاستخدامها وقت الأزمات، مثل مصدة الحفاظ على رأس المال (Capital Conservation Buffer) بنسبة 2.5%، ومصدة تقلبات الدورة الاقتصادية (Countercyclical Buffer) وتتراوح بين 0% و2.5% (تحددها السلطات الرقابية المحلية حسب وضع السوق).

ولأول مرة، أدخلت بازل 3 نسباً محددة لإدارة مخاطر السيولة لمنع البنوك من الاعتماد المفرط على التمويل قصير الأجل؛ حيث نصت على نسبة تغطية السيولة (Liquidity Coverage Ratio – LCR) بشكل يضمن امتلاك البنك لأصول سائلة عالية الجودة (HQLA) تكفي لمواجهة تدفقات نقدية خارجة لمدة 30 يوماً في ظل أزمة حادة. والإشارة إلى نسبة التمويل المستقر الصافي تهدف إلى ضمان وجود هيكل تمويلي مستقر ومتوازن على المدى الطويل (لمدة عام كامل) لتغطية الأصول والأنشطة خارج الميزانية، وكذلك الحد من الرافعة المالية (Leverage Ratio).

علاقة اتفاقية بازل 3 بـ أدوات التمويل البديل

هي علاقة ترابطية وثيقة جداً، وتقوم على مبدأ “الأواني المستطرقة”؛ فكلما زاد التضييق والتشديد التنظيمي على البنوك التقليدية، اندفعت الأموال والأنشطة نحو القطاع غير المصرفي. ويمكن تلخيص هذه العلاقة في عدة نقاط جوهرية: مثل ظاهرة “الهروب التنظيمي” (Regulatory Arbitrage)؛ بسبب الشروط الصارمة التي فرضتها بازل 3 على البنوك (مثل رفع نسب رأس المال والسيولة)، فأصبحت تكلفة الإقراض من داخل البنوك أعلى وأكثر تعقيداً. هذا دفع بالعديد من الشركات والمستثمرين للبحث عن قنوات تمويلية أقل قيوداً وتكلفة خارج القطاع المصرفي التقليدي، مثل:

  • صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط (Hedge Funds).
  • شركات التمويل العقاري والتمويل الاستهلاكي المستقلة.
  • منصات التمويل الجماعي والتمويل المباشر.

ونتيجة تخلي البنوك عن الأصول عالية المخاطر، فلقد ملأت صناديق الدين الخاص (Private Debt Funds) وشركات رأس المال الاستثماري هذا الفراغ، وأصبحت هي الممول الأساسي لهذه الأنشطة.

ولكي تخفف البنوك من الضغط على ميزانياتها وتلتزم بنسب بازل 3، لجأت إلى تحويل القروض التي تقدمها إلى أدوات مالية وسندات (توريق) وبيعها في الأسواق، والمشترون لهذه الأدوات هم مؤسسات مالية غير مصرفية (كصناديق المعاشات وشركات التأمين).

تطور وتوسع العمل المصرفي الموازي

نشأت مؤسسات العمل المصرفي الموازي كابتكار في الأسواق المالية؛ فقد تمكنت من تمويل الإقراض لأغراض عقارية وغيرها، لكنها لم تخضع للرقابة التنظيمية والقواعد المعتادة المتعلقة باحتياطيات رأس المال والسيولة. فالمُقرضون التقليديون يلتزمون بهذه القواعد لمنع حالات الإفلاس، وسحب الودائع الجماعي، والأزمات المالية. ولأن البنوك الموازية تتجنب التدقيق التنظيمي، فإنها تُنشئ أدوات مالية محفوفة بالمخاطر دون استيفاء متمتطلبات رأس المال المفروضة على البنوك.

وفقًا لمجلس الاستقرار المالي، نما نظام الخدمات المصرفية الموازية – الذي يُطلق عليه المجلس قطاع الوساطة المالية غير المصرفية – بنسبة 8.9% في عام 2021، متجاوزًا بذلك متوسط نموه السنوي على مدى خمس سنوات والبالغ 6.6%؛ حيث تدفقت الأموال وارتفعت التقييمات مع تعافي الاقتصاد من أدنى مستوياته التي شهدها خلال الجائحة[4].

يلعب قطاع الخدمات المصرفية الموازية دورًا في تلبية الطلب المتزايد على الائتمان في الولايات المتحدة. ورغم وجود آراء تُشير إلى أن إلغاء الوساطة المصرفية الموازية يُمكن أن يُحسّن الكفاءة الاقتصادية، إلا أن عملها خارج نطاق الأنظمة المصرفية التقليدية يُثير مخاوف بشأن المخاطر النظامية التي قد تُشكّلها على النظام المالي.

إن الطبيعة غير الخاضعة للتنظيم لأنشطة الخدمات المصرفية الموازية تعني أنه، على عكس الودائع المصرفية المؤمن عليها من قِبل المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع (FDIC)، لا يوجد مستوى مماثل من الحماية للأصول التي تحتفظ بها شركات التمويل غير المصرفية. كما أن كيانات الخدمات المصرفية الموازية غير قادرة على الحصول على قروض طارئة من الاحتياطي الفيدرالي، وهي المتاحة للبنوك التي تُعاني من أزمة سيولة.

يسعى المنظمون إلى الحد من مخاطر الخدمات المصرفية الموازية من خلال التدقيق في مدى تعامل البنوك التقليدية مع الكيانات والمنتجات غير الخاضعة للتنظيم. ورغم أن هذا لا يصل إلى حد تنظيم شركات التمويل غير المصرفية، إلا أن تقييد علاقتها بالكيانات المصرفية التقليدية قد يُسهم في الحد من المخاطر التي تُهدد الاقتصاد ككل جراء الخدمات المصرفية الموازية.

وترى العديد من المؤسسات، بما فيها المفوضية الأوروبية، ضرورة تنظيم عمل البنوك الموازية، وتُبرّر ذلك بأن قطاع البنوك الموازية قد نما بشكل كبير، وارتباطه الوثيق بالقطاع المالي الخاضع للتنظيم، والمخاطر النظامية التي يُشكّلها. كما تُشير هذه المؤسسات إلى ضرورة منع استغلال النظام المصرفي الموازي للتحايل على القوانين، أو استغلال الثغرات القانونية للتهرّب من القيود التنظيمية المحتملة[5].

أسباب الإقبال على البنوك الموازية

  • الائتمان البديل: غالبًا ما تُقدم البنوك الموازية قروضًا لتمويل الشركات أو المشاريع العقارية، لا سيما القروض عالية المخاطر أو المعقدة التي لا تستطيع البنوك التجارية تقديمها أو ترفضها.
  • مدخرات بفائدة مرتفعة: صناديق سوق المال هي مؤسسات مصرفية موازية تستخدم أموال المستثمرين لشراء الأوراق التجارية – وهي أوراق مالية قصيرة الأجل تُستخدم لتمويل العمليات التجارية. تُقدم هذه الصناديق للمدخرين معدلات فائدة أعلى عادةً من تلك التي تُقدمها البنوك التجارية.

وختاماً:

إن التشديد على القطاع المصرفي التقليدي بعد الأزمة المالية 2008 وما ترتب عليه من ظهور اتفاقية بازل 3 وفرض قيود على التوسع في الائتمان المصرفي لضمان الاستقرار المالي والمصرفي، أدى بدوره إلى ظهور بدائل تمويلية لسد الفجوة التمويلية وهو ما عُرف باسم بنوك الظل أو التمويل الموازي. وكان لهذا التمويل إيجابيات تمثلت في توفير التمويل في ظل قيود أقل تشدداً ومساعدة الشركات الناشئة، إلا أن هذا التمويل يحمل مخاطر عدة منها التعامل الشخصي والتوسع غير المدروس على مستوى الاقتصاد الكلي، فضلاً عن استغلال عدم الإلمام الكافي لدى صغار المتعاملين والبحث عن الربح السريع وأثر الأواني المستطرقة حال تعرضت وسائل التمويل البديل لعثرات في الدفع والتحصيل.

الهوامش والمراجع:

 [1]https://www.imf.org/en/publications/fandd/issues/series/back-to-basics/shadow-banks

[2]Michael Bromberg, Understanding Shadow Banking: Definition, Examples, and Function, Dec., 2025

[3]https://www.worldbank.org/en/publication/gfdr/gfdr-2016/background/nonbank-financial-institution

[4]https://www.investopedia.com/terms/s/shadow-banking-system.asp#citation-3

[5]https://www.imf.org/en/publications/fandd/issues/series/back-to-basics/shadow-banks

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts