On Research

مقالات تحليلية

الصين الشعبية: عناصر القوة نحو مستقبل واعد لشعوب العالم

Email :7

إعداد

د. خلف المفتاح

باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية واليهودية

سوريا

 

 

هل الصين قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل هي القطب الصاعد وفق معطيات عناصر القوة المتعددة اقتصادياً، وعلمياً، وتقنياً، وعسكرياً وغيرها؟ سؤال يُطرح في مراكز القرار العالمي وفي نقاشات المستقبل وآفاقه. وللإجابة عن هذا السؤال، يمكننا العودة والاستعانة بلغة الأرقام، وليس الإنشاء النظري.

فالصين لا ترى نفسها اليوم قوة صاعدة أو دولة نامية كما كانت ترغب في تقديم نفسها للعالم في زمن سابق، بل قوة عظمى مكتملة العناصر. ففي المجال الاقتصادي، يقترب حجم الاقتصاد الصيني من 21 تريليون دولار وفق بيانات صندوق النقد الدولي، مقارنة بالناتج المحلي الأمريكي الذي بلغ سنة 2025 حوالي 32 تريليون دولار. فالاقتصاد الصيني يساوي تقريباً 64 بالمائة من الاقتصاد الأمريكي، مع الإشارة إلى حجم النمو السنوي بين الاقتصادين.

فالصين لم يكن ناتجها المحلي قبل ثلاثين عاماً يتجاوز التريليون دولار، مقابل عشرة تريليونات دولار تمثل حجم الناتج الإجمالي الأمريكي آنذاك، أي حوالي عشرة أضعاف الناتج المحلي للصين الشعبية. أما في معيار تعادل القوة الشرائية، وهو معيار آخر لعناصر القوة الاقتصادية إلى جانب حجم الناتج المحلي الإجمالي، فإن الصين هي الأكبر بهذا المقياس، إذ يساوي حجمه حوالي 44 تريليون دولار، مقارنة بالاقتصاد الأمريكي الذي يساوي 32.8 تريليون دولار. فحجم الاقتصاد الصيني بتعادل القوة الشرائية، وفق صندوق النقد الدولي، يتفوق على الأمريكي بالدولار الدولي. ومن زاوية القدرة الإنتاجية، لا ترى الصين نفسها منافساً فقط، بل الأكبر وفق ذلك المقياس.

ناهيك عن عنصر قوة آخر، وهو امتلاك الصين لقاعدة سكانية هائلة، مستهلكة ومنتجة، تتجاوز 1.4 مليار نسمة، وهذا يعطي الصين قاعدة استهلاك وإنتاج وعمالة ضخمة لا تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية. زد على ذلك أن الصين تعد ماكينة صناعية وتصديرية عالمية، أو ما يعرف بـ”مصنع العالم”. فقد بلغت صادرات الصين العام الماضي حوالي 3.58 تريليون دولار من مجموع السلع العالمية الذي يساوي 24.43 تريليون دولار، أي ما يقارب 14 بالمائة من صادرات السلع العالمية.

فالصين موجودة في كل سلاسل الإنتاج العالمية، من الآلات والسيارات والألواح الشمسية والإلكترونيات إلى السلع الاستهلاكية. فالصين لا تمثل اقتصاداً داخلياً فقط، بل مركزاً رئيسياً في الإنتاج العالمي.

والعنصر الآخر يتعلق بالاحتياطات المالية من العملات الصعبة، فاحتياطات الصين ضخمة في هذا المجال، حيث تبلغ أكثر من 3.41 تريليون دولار، وهذا يمنح الصين قدرة هائلة على حماية عملتها وتمويل وارداتها ومواجهة أي صدمات خارجية أو ضغوط دولية، وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها الدولة التي تتحكم بطباعة الدولار. فالصين لا تنتج وتصدر فقط، بل لديها مخزون مالي ضخم جداً يمنحها القدرة على المناورة.

ونقطة القوة الأخرى للصين تتمثل في الاستثمار الضخم في مجال الأبحاث والتطوير والذكاء الاصطناعي وبراءات الاختراع، حيث خصصت الصين عام 2024 حوالي 500 مليار دولار للأبحاث العلمية والتطويرية، ما يمثل نسبة مهمة من ناتجها المحلي. فالصين أصبحت منافساً في التكنولوجيا المتقدمة، وليس فقط “مصنع العالم”، إضافة إلى صعود قوي في براءات الاختراع.

فطلبات براءات الاختراع الصينية التكنولوجية بلغت 70,160 براءة اختراع دولية، مقابل 54,087 براءة اختراع أمريكية، وهذا رقم مهم لأنه يعني أن الصين لم تعد قوة مقلدة، بل منافسة في المعرفة والملكية الفكرية والتكنولوجيا.

والنقطة الأخرى في عناصر القوة أنه أصبح للصين قيادة عالمية ومتقدمة في صناعة السيارات الكهربائية الصديقة للبيئة والطاقة النظيفة، وهي استراتيجية صينية أكدت عليها مؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني، ولا سيما في ظل قيادة الرئيس شي جين بينغ (Xi Jinping). فقد بلغت مبيعات السيارات الكهربائية داخل الصين سنة 2024 حوالي 11 مليون سيارة كهربائية، أي ما يقارب نصف مبيعات السيارات داخل السوق الصيني، ويمثل ذلك نحو 70 بالمائة من الإنتاج العالمي، وهي من أهم صناعات المستقبل.

والخلاصة أن هذا الصعود يمنح الصين الشعبية موقعاً استراتيجياً وأفضلية في هذا المجال. والأمر الآخر يتمثل في السيطرة الكبيرة على المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد، فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية تعتبر الصين المركز الرئيسي لـ19 من أصل 20 معدناً حرجاً، وتمتلك بالمتوسط حوالي 70 بالمائة من سوق تكرير هذه المعادن، ومنها النحاس والليثيوم والنيكل والكوبالت والمنغنيز والألمنيوم والسيليكون والكروم وغيرها.

وهذه نقطة قوة كبرى لأن المعادن الحرجة تدخل في كل أشكال الصناعات الاستراتيجية، ولا سيما الرقائق الإلكترونية والـ”ميكرو تشيبس”.

أما من ناحية القوة العسكرية والجيوسياسية داخل النظام الدولي، فالصين عضو دائم في مجلس الأمن وتمتلك حق النقض “الفيتو”. فالصين تمثل بهذا المعنى قوة داعمة لدول العالم الثالث داخل المجلس، بوصفها دولة تؤكد احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتتبنى سياسة الاستقرار بمواجهة سياسات الهيمنة والصراعات الدولية.

أضف إلى ذلك أن ميزانية الدفاع الصينية بلغت العام الماضي حوالي 1.9 تريليون يوان صيني، أي ما يقارب 275 مليار دولار، مع نمو يقارب 7 بالمائة. كما تعد الصين ثاني أكبر ممول لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث ساهمت بحوالي 18 بالمائة من موازنتها سنة 2025، بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

ولعل النقطة الأهم في قوة الصين هي مشروع “الحزام والطريق” الذي تبناه الحزب الشيوعي الصيني ليكون شريان حياة وتنمية لدول العالم، وخاصة دول الجنوب. فالفكرة الأخلاقية الصينية تقوم على أنه لا يمكن أن يعيش الشعب الصيني حياة رفاه وسعادة بينما شعوب العالم الثالث تعاني من الفقر والحاجة أو تقع تحت هيمنة قوى كبرى استعمارية نهبت خيراتها وأدخلتها في دوامة الفقر والجهل والتطرف.

فالصين ترى أن “صيناً سعيدة في عالم سعيد ومستقر ومتعاون” هو الطريق الأمثل للتنمية المشتركة. ومبادرة الحزام والطريق تضم حوالي 150 دولة ارتبطت باتفاقيات تعاون وتنمية مشتركة، خُصص لها حتى الآن حوالي 128 مليار دولار في عقود الإنشاءات، وحوالي 85 مليار دولار في مجال الاستثمارات.

إضافة إلى ذلك، بنت الصين محطة فضاء خاصة بها، كما أطلقت مهمة “تشانغ آه 6” التي جاءت بعينات من الجانب البعيد من القمر سنة 2024، بوزن يقارب 1,935 غراماً. وكل هذا لا يعزز مركز الصين بوصفها قوة اقتصادية فقط، بل أيضاً قوة علمية وتكنولوجية وفضائية.

والحال، ووفق كل تلك المعطيات، نرى بلغة الأرقام وليس الإنشاء والتعبير، أن جمهورية الصين الشعبية تسير بخطى ثابتة لتكون في المركز الأول والمتقدم في ريادة عالم اليوم، عبر سياسة واثقة ومنهج علمي واضح ورؤية يخطط لها العقل الصيني والفكرة الصينية الإنسانية، وعبر سياسة انفتاح على شعوب العالم تقوم على التنمية المتوازنة والمنافع المشتركة لخير الإنسانية ورفاهيتها، وتحت مظلة الشرعية الدولية ونبذ فكرة الهيمنة.

وهذا يفسر حالة الحضور الواسع لجمهورية الصين الشعبية في دول العالم وشعوبه، والرهان عليها بوصفها قوة صاعدة أخلاقية تقف إلى جانب قضايا الشعوب العادلة في وجه قوى الهيمنة، وتتبع سياسة النفس الطويل والثابت نحو استعادة وحدة الصين، وفي القلب منها جزيرة تايوان (Taiwan) التي تعد، وفق الرؤية الصينية، جزءاً لا يتجزأ من التراب الصيني والوجدان الوطني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts