On Research

مقالات تحليلية

حرب الرسائل قبل حرب الصواريخ: كيف تدير واشنطن وطهران معركة الإعلام؟

Email :5

كتابة وتحليل

د. ريم أبو الخير

إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني

جمهورية مصر العربية

 

 

مقدمة

تشكل الحروب الحديثة ساحة معقدة لا تقتصر على المواجهة العسكرية الكلاسيكية فحسب، بل تمتد لتشمل الميدان الإدراكي والنفسي حيث تصبح “السردية الإعلامية” سلاحًا لا يقل خطورة عن الترسانة العسكرية. وفي سياق التوتر المستمر وإدارة الأزمات بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز “حرب الرسائل” كأداة مركزية تسبق، وترافق، وربما تؤجل “حرب الصواريخ”، حيث تصبح الكلمة والصورة سلاحًا استراتيجيًا يُستخدم لكسر إرادة الخصم، أو على الأقل، إجباره على إعادة حساباته.

فكيف يدير كل طرف هذه المعركة المعقدة؟

تدير كل من واشنطن وطهران هذه المعركة وفق استراتيجيات تعكس طبيعة قوتهما، فبينما تعتمد الولايات المتحدة على هيمنتها الإعلامية والتقنية لتشكيل ضغط نفسي واقتصادي، تلجأ إيران إلى استراتيجيات الاتصال غير المتكافئ (Asymmetric Communication) وحرب العصابات الرقمية لكسر الاحتكار الإعلامي الغربي.

في هذا المقال نقدم تحليلاً شاملاً لكيفية إدارة الطرفين لمعركة الإعلام والرأي العام:

أولاً: الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية.. الردع، الضغط، والغموض المحسوب

ينطلق الخطاب الإعلامي الأمريكي في مواجهة إيران من موقع القوة العظمى التي تمتلك ماكينة إعلامية ضخمة (شبكات الأخبار العالمية، منصات التواصل الكبرى، والإنتاج الثقافي). وتعتمد واشنطن في إدارتها لحرب الرسائل على عدة تكتيكات:

  • التناقض المحسوب (إرباك الخصم):  لا يعتبر التضارب في التصريحات الأمريكية دائمًا دليلاً على التخبط، بل هو في أحيان كثيرة تكتيك مدروس. فمن جهة، تطلق القيادات السياسية والعسكرية تهديدات ماحقة (مثل التلويح بتدمير البنية التحتية بالكامل أو توجيه ضربات استباقية قاصمة)، ومن جهة أخرى يتم تسريب رسائل دبلوماسية عبر وسطاء إقليميين للتهدئة أو عرض مسارات تفاوضية. هذا التناقض يضع صانع القرار الإيراني في حالة “عدم يقين” مستمر، ويخلق ضغطًا لتقديم تنازلات لتجنب السيناريو الأسوأ.
  • استعراض العضلات كرسالة إعلامية : تحريك حاملات الطائرات، إرسال قاذفات (B-52)، أو الإعلان عن نشر غواصات نووية في الشرق الأوسط، لا يكون الهدف منه دائمًا بدء حرب، بل يُصمم كـ “حدث إعلامي” يهدف إلى الردع المرئي. الصورة هنا تغني عن آلاف الكلمات، وتستهدف طمأنة الحلفاء الإقليميين بقدر ما تستهدف إخافة الخصم.
  • تأطير المواجهة : (Framing) يسعى الخطاب الأمريكي دائمًا إلى تجريد المواجهة من طابع “الحرب الشاملة” وتسميتها بـ “العمليات الجراحية” أو “الدفاع عن النفس” أو “حماية حرية الملاحة”. هذا التأطير موجه بالأساس للرأي العام الأمريكي والأوروبي لتجنب الاستياء الشعبي من الانخراط في “حروب لا نهاية لها” في الشرق الأوسط.

ثانياً: الاستراتيجية الإعلامية الإيرانية.. الاتصال غير المتكافئ

تدرك طهران أنها لا تستطيع منافسة الآلة الإعلامية الأمريكية وجهًا لوجه، خصوصًا في ظل العقوبات التي تقيد وصولها للشبكات العالمية وإغلاق الحسابات الرسمية على المنصات الكبرى. لذا، تبنت إيران نموذجًا إعلاميًا بديلًا يعتمد على:

  • تكتيك “غسيل المعلومات :”(Information Laundering) لتجاوز حظر منصاتها الرسمية، تعتمد إيران على شبكة معقدة من المواقع الرديفة، وحسابات الظل، والمنصات التمويلية المستقلة ظاهريًا. تبدأ الرواية في وسيلة إعلام محلية، ثم تتبناها مواقع بديلة بلغات أجنبية، لتصل في النهاية إلى الجماهير الغربية والعربية كأنها تحليل مستقل، مما يعزز من مصداقية السردية دون أن تحمل “الختم الرسمي الإيراني”.
  • خطاب حافة الهاوية وتوازن الرعب:  يعتمد الإعلام الإيراني على إبراز الاستعداد التام للمواجهة الشاملة. يتم التركيز على الكشف عن مدن الصواريخ تحت الأرض، والمناورات العسكرية بالذخيرة الحية، وتصريحات القادة العسكريين التي تتوعد بأن “أي ضربة ستقابل بحرب إقليمية تحرق الجميع”. الهدف هو رفع التكلفة المتوقعة للحرب في العقل الاستراتيجي الأمريكي وإقناعه بأن الضربة المحدودة مستحيلة.
  • مخاطبة الجماهير المتعددة:  صممت طهران منظومة اتصال تخاطب كل جمهور بلغته وما يؤثر فيه؛ فالخطاب الموجه للداخل يركز على الصمود والمظلومية التاريخية والكرامة الوطنية، والخطاب الموجه للعالم العربي والإسلامي يرتكز على مفاهيم “محور المقاومة” ومواجهة الهيمنة الغربية، بينما الخطاب الموجه للغرب يعتمد على اللغة الدبلوماسية، والتحذير من أزمات الطاقة، وتدفق اللاجئين في حال اشتعال المنطقة.

ثالثاً: ساحات الاشتباك وأدوات التأثير

انتقلت معركة الرأي العام التي كانت تُدار عبر شاشات التلفزيون، إلى ساحات أكثر تعقيدًا:

  1. تسريب المعلومات الاستخباراتية: تستخدم المخابرات الأمريكية والإسرائيلية من جهة، والأجهزة الإيرانية من جهة أخرى، وسائل الإعلام المرموقة لتسريب معلومات حول خطط الأهداف أو تحركات القوات. التسريب هنا هو “رسالة بالبريد السريع” مفادها: “نحن نرى ما تفعلون ومستعدون له”.
  2. الذكاء الاصطناعي والجيوش الإلكترونية : دخلت الخوارزميات وصناعة “التزييف العميق” (Deepfake) كأدوات فاعلة في تضخيم السرديات. تعمل الجيوش الإلكترونية (الذباب الإلكتروني) على اغتيال الشخصيات إعلاميًا، ورفع وسوم (Hashtags) معينة لترهيب الخصم الداخلي أو الخارجي، أو لبث الشائعات وإحداث شرخ بين القيادة والشعب في أوقات الأزمات.
  3. الحرب النفسية على الحلفاء: جزء كبير من حرب الرسائل لا يُوجه للخصم المباشر بل لحلفائه. تحاول واشنطن إيصال رسائل لشعوب المنطقة بأن الارتباط بإيران يجلب الدمار والعقوبات، بينما يرد الإعلام الإيراني بأن القواعد الأمريكية في المنطقة ستكون أهدافًا مشروعة، مما يشكل ضغطًا على الدول المضيفة لمحاولة لجم التصعيد الأمريكي.

رابعاً: هل تغني حرب الرسائل عن الحرب العسكرية؟

النتيجة الأهم لهذه المواجهة الإعلامية هي أن “حرب الرسائل” أصبحت تُستخدم كأداة لإدارة الأزمة (Crisis Management) بدلاً من حلها أو الانزلاق فيها بالكامل.

بالنسبة لواشنطن، الضغط الإعلامي والعقوبات الجماهيرية يهدف إلى إجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات صاغرة. وبالنسبة لطهران، الخطاب التصعيدي والتلويح بإشعال الإقليم يهدف إلى تثبيت معادلة الردع وتحسين شروط التفاوض دون الحاجة لتقديم تنازلات استراتيجية مجانية.

من يصرخ أولاً؟

تظل السردية الإعلامية الكبرى بين واشنطن وطهران هي صراع إرادات؛ من يستطيع أن يُقنع الآخر بأنه مستعد للذهاب إلى أبعد نقطة في الصراع دون أن يرمي الطلقة الأولى، هو من يكسب الجولة الأهم قبل أن تبدأ لغة المدافع.

“حرب الرسائل”، في كثير من الأحيان تكون بديلاً للحرب، وليست تمهيدًا لها. كلا الطرفين يستخدم الإعلام كأداة لإدارة الأزمة بدلاً من الانزلاق العشوائي فيها.

واشنطن تريد من خلال هذا الضغط خنق طهران وإعادتها لطاولة المفاوضات بشروط أقل، وطهران تريد من خلال تصعيدها الإعلامي تثبيت خطوطها الحمراء وتحسين أوراق تفاوضها دون التنازل عن مكتسباتها. إنها ببساطة لعبة “عض أصابع” وصراع إرادات؛ من ينجح في إقناع الآخر بأنه مستعد لقلب الطاولة، هو من يكسب المعركة الحقيقية، وغالبًا.. دون الحاجة لإطلاق صاروخ واحد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts