On Research

مقالات تحليلية

جدلية السياسة والاقتصاد في تركيـا: من الطموح الإقليمي إلى التحديات الداخلية

Email :3

إعداد

د. مصطفى عيد إبراهيم

خبير في الشئون الدولية

جمهورية مصر العربية

 

تقديم

مثلت تركيا في الأدبيات السياسية ولفترة طويلة نموذجًا لأزمة الهوية، وكيف يمكن لأزمة الهوية أن تؤثر سلبًا على الأداء السياسي والاقتصادي للدولة وبما يؤثر على مكانتها الإقليمية والدولية. وهو الأمر الذي تغلبت عليه تركيا في العقدين الأخيرين، وهو ما أدى بدوره إلى تحقيق نجاحات على الصعيدين السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، لأسباب سياسية واقتصادية أيضًا، باتت الساحة التركية تشهد اضطرابات وتوترات مؤخرًا تهدد مسيرتها وقد تعاود إدراجها لحالة الجدل حول الهوية والدولة، والدولة العميقة مرة أخرى، بل قد تهدد تجربة “الديمقراطية على الطريقة الأردوغانية” برمتها.

وعلى الرغم من كون تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، إلا أنها لم تستطع أن تحقق هدفها المستمر من الانضمام للاتحاد الأوروبي واكتفى الاتحاد بمنحها مميزات خاصة دون الحصول على العضوية. إلا أن سعي تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي ومحاولة تحقيق شروط الانضمام قد حسن من منظومة الشفافية والحوكمة في المؤسسات التركية. واستطاع أردوغان أيضًا منذ وصوله للحكم في 2003 أن يقفز بمعدلات النمو الاقتصادي وأن يصل بحجم الاقتصاد التركي إلى نحو 1.6 تريليون دولار. إلا أن العديد من الأزمات السياسية سواء من خلال الضغط الخارجي أو من جراء سوء إدارة الملفات الداخلية، إضافة إلى بقاء أردوغان لفترة طويلة في السلطة وغموض موقفه من انتهاء فترة رئاسته في 2028، قد أثر سلبًا ليس فقط على مكتسبات الأداء السياسي في تركيا على مدار عقدين، بل أيضًا على الأداء الاقتصادي والذي بات يشهد أزمات وتراجعًا يهدد ما أنجزته تركيا خلال العقدين الماضيين.

توترات سياسية

في مارس 2025، ألقت السلطات التركية القبض على رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، بتهم الفساد والإرهاب، وهي تهم تقول المعارضة إنها ذات دوافع سياسية. وقد تم تأكيد ترشيح إمام أوغلو، الذي هزم مرشح أردوغان في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول عام 2019 وأُعيد انتخابه عام 2024، كمرشح حزب الشعب الجمهوري (CHP) للرئاسة في انتخابات عام 2028. وجاء هذا الاعتقال في أعقاب سلسلة من الإجراءات القانونية والإدارية ضد إمام أوغلو، بما في ذلك 42 تحقيقًا إداريًا و51 تحقيقًا قضائيًا خلال فترة توليه منصب رئيس البلدية. وقبيل اعتقاله مباشرة، ألغت جامعة إسطنبول شهادته الجامعية، مشيرةً إلى وجود مخالفات في إجراءات نقله الجامعي عام 1990، وهي خطوة قد تحول دون ترشحه للرئاسة، إذ يشترط الدستور حصول المرشحين على شهادة جامعية. وقد أثار اعتقال إمام أوغلو احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء تركيا، ولا سيما في إسطنبول وأنقرة وإزمير.

في غضون ذلك، تدهور الوضع الاقتصادي في تركيا بشكل ملحوظ. فبحسب معهد الإحصاء التركي، انكمش الاقتصاد بنسبة 0.2% في كل من الربعين الثاني والثالث من عام 2025، مما يؤكد دخول البلاد في حالة ركود. وانخفض استهلاك الأسر بنسبة 0.3% مقارنة بالربع السابق، بينما تراجع الإنفاق الحكومي بنسبة 0.4%. ولا يزال التضخم السنوي مرتفعًا بشكل ملحوظ عند 48.6%، مما أجبر البنك المركزي على الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 50% لثمانية أشهر متتالية، وصحيح أنه تم تخفيض سعر الفائدة بعد ذلك إلا أنه من المتوقع أيضًا أن تعود الفائدة للارتفاع في اجتماع البنك المركزي التركي القادم.[1]

أزمات ممتدة

على الصعيد الاقتصادي، قدّم أردوغان فريقًا اقتصاديًا جديدًا للحكومة عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية التركية. حيث عُيّن محمد شيمشيك وزيرًا للخزانة والمالية، بينما تولّت “حفيظة غاي أركان” منصب رئيسة البنك المركزي. مثّل هذا التغيير تحوّل تركيا من نهج أردوغان غير التقليدي في الاقتصاد الكلي إلى نموذج اقتصادي أكثر تقليدية. وكان السبب الرئيسي لهذه التغييرات هو الانخفاض القياسي في قيمة العملة الوطنية والتضخم المتصاعد.

نفّذ الفريق الاقتصادي الجديد عدة زيادات في سعر الفائدة، ليصل في نهاية المطاف إلى 45%، إلا أن التضخم ظلّ خارج السيطرة مما أدى إلى استقالة حفيظة غاي أركان، معزيةً قرارها إلى حملة تشهير استهدفتها وربما لتصادم مع الرئيس أردوغان نفسه. وتم تعيين نائبها، فاتح كاراخان، خلفًا لها، ليصبح سادس شخص يتولى رئاسة البنك المركزي في خمس سنوات فقط.

وعلى الصعيد السياسي والاستراتيجي، فتركيا منخرطة في معظم الملفات الإقليمية والدولية مثل أنظمة ليبيا وأزمة سوريا وفي أذربيجان وفي اشتباكات مع الاتحاد الروسي ومع الولايات المتحدة الأمريكية ومع إسرائيل ومع دول الخليج ومع بعض الدول الإقليمية ومن أهمها مصر والمملكة العربية السعودية وكذلك مع إيران وفي إفريقيا حتى وصل الأمر إلى تدخلها في مالي لمواجهة الحركات الجهادية التي اندلعت في مالي مؤخرًا. ولا شك أن الانخراط في كل هذه الملفات كما أن له ميزة التفاعل والتأثير الإقليمي والدولي، إلا أن له عيوبًا تتمثل في تكلفة المواءمات السياسية وتكلفة الدور الاستراتيجي مما أثر على الوضع الاقتصادي الداخلي، والذي بدوره ينعكس على استمرار واستدامة الدور التركي إقليميًا ودوليًا ويعرض تركيا لهزات وربما لانفجارات سياسية واقتصادية بعد انتهاء مرحلة أردوغان.

التضخم والليرة التركية

تشهد الليرة التركية انخفاضًا في قيمتها منذ عام 2018، وقد تفاقم هذا الانخفاض بشكل خاص في أعقاب جائحة كورونا وعمليات تمويل لشركات صغيرة شهدت تعثرًا في السداد والدفع، وأيضًا لتدخل أردوغان في اختصاصات البنك المركزي وإدارة السياسة النقدية. ولمواجهة انخفاض قيمة العملة الوطنية وارتفاع التضخم، انتهج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سياسة اقتصادية غير تقليدية. فخلافًا للاتجاه العالمي نحو تشديد السياسة النقدية، خفّض سعر إعادة التمويل. وقد أدّى هذا القرار إلى مزيد من انخفاض قيمة الليرة وارتفاع سريع في التضخم. وأدى ذلك إلى تولي مسؤولية حماية الليرة باستخدام احتياطيات النقد الأجنبي. وهدف البنك المركزي إلى استقرار العملة الوطنية عن طريق شراء الليرة من سوق العملات الدولية، بهدف تحديد قيمة الدولار الأمريكي الواحد بـ 20 ليرة حينئذ. ورغم فعالية هذه الاستراتيجية على المدى القصير، إلا أنها كانت مكلفة للغاية، حيث أنفق البنك المركزي ما يقارب 8 مليارات دولار أمريكي على هذه الجهود.[2] ولقد وضعت الأزمة الاقتصادية أردوغان في موقف حرج. فخفض أسعار الفائدة قد يحفز النمو، لكنه قد يؤدي إلى تفاقم التضخم، بينما سيؤدي الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة إلى استمرار كبح الاستهلاك والاستثمار. وتُظهر هذه المعضلة كيف أصبحت قدرة أردوغان على المناورة الاقتصادية محدودة للغاية. وقد استغلت المعارضة هذا الضعف بالدعوة إلى مقاطعة الشركات التي يُزعم أنها تدعم حكومة أردوغان.[3]

مردود السياسة على الاقتصاد

مثل اعتقال إمام أوغلو ذروة التوترات السياسية في تركيا. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، يُعتبر إمام أوغلو “على نطاق واسع المنافس السياسي الرئيسي لأردوغان”، و”لا تزال شعبيته مرتفعة، مما يجعله تهديدًا لأردوغان”. وفي هذا السياق، يقول بيرك إيسن، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة سابانجي في إسطنبول، لصحيفة نيويورك تايمز موجهًا حديثه للرئيس التركي: “إن القطار قادم لا محالة، وأن أردوغان لن يتمكن من إيقافه بالوسائل المعتادة. ونتيجة لذلك، لجأ أردوغان إلى أسلوب الهجوم المباشر”.

وقد مثلت الاحتجاجات التي اندلعت عقب اعتقال إمام أوغلو أكبر مظاهرات تشهدها تركيا منذ أكثر من عقد. ومن أبرز سماتها الحضور البارز للشباب والطلاب. وتكشف هذه الاحتجاجات عن فجوة جيلية عميقة في المجتمع التركي. يطالب الجيل الشاب، الذي يواجه تحديات اقتصادية وقيودًا سياسية، بالتغيير، بينما يواصل الجيل الأكبر سنًا والأكثر تحفظًا دعم أردوغان[4].

أدوات أردوغان الداخلية

إحدى الأدوات الرئيسية التي يستخدمها أردوغان لإدارة الأزمات هي سيطرته الواسعة على وسائل الإعلام. فبحسب إيرول أوندر أوغلو من منظمة مراسلون بلا حدود، فإن سيطرة الرئيس أردوغان على نحو 85% من وسائل الإعلام الوطنية والتجارية في تركيا تجعل البيئة الإعلامية غير مواتية للتعددية الحقيقية. وقد خلقت هذه السيطرة الإعلامية واقعين متوازيين في تركيا ما بين الحكومة والمعارضة في تركيا.

كما تبنى أردوغان استراتيجية اتهام المعارضة بتدمير الاقتصاد. وهو ما ظهر في خطاب ألقاه أمام نواب حزب العدالة والتنمية، حيث اتهم أردوغان المعارضة بـ”إغراق الاقتصاد” خلال الاحتجاجات، وقال إنهم “يائسون لدرجة أنهم مستعدون لإلقاء البلاد والأمة في أتون الحرب”. وحذر من أن المحاكم ستحاسب كل من يُخرب الاقتصاد التركي. وجاءت هذه الاتهامات ردًا على دعوة المعارضة لمقاطعة الشركات التي يُزعم أنها تدعم حكومة أردوغان، مما يُشير إلى أن أساليب الضغط الاقتصادي هذه قد تُؤتي ثمارها.

خاتمة

  1. إن استمرار الوضع الراهن على الصعيد الاقتصادي من ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع معدلات سعر الفائدة مع انخفاض شديد في سعر الليرة التركية وما يولده هذا من ضغوط معيشية على المواطن التركي خاصة أصحاب الدخول الثابتة والطبقات المتوسطة، وزيادة التذمر المكبوت، قد حذا بالحكومة التركية إلى بيع ما تمتلكه من أصول ذهبية وسندات حكومية بكميات كبيرة حتى تحافظ على سعر الليرة والحيلولة دون هبوطها، حتى لا تتفاعل التوترات السياسية مع الأزمات الاقتصادية وينقلب الشارع على الرئيس التركي أردوغان. مما يضطر أردوغان لتهدئة الاحتجاجات من خلال مزيج من القمع المحدود، والإصلاحات الاقتصادية الطفيفة، والتأثير الإعلامي، وبما يفقده احتمالية سعيه للبقاء في السلطة بعد 2028.
  2. الالتفاف حول الأزمات والهروب للأمام عبر الدعوة لانتخابات مبكرة. قد يدعو أردوغان إلى انتخابات مبكرة لمباغتة المعارضة في ظل وجود زعيمها في السجن. إلا أن السخط الاقتصادي الواسع النطاق يجعل نتائج هذه الانتخابات غير مؤكدة. ومن شأن الدعوة لانتخابات مبكرة أن تبقي أردوغان في السلطة لفترة رئاسية أخرى وهو ما يعني بقاءه بعد عام 2028.
  3. العمل على تعديل الدستور والذي يتطلب موافقة أربعمائة عضو من البرلمان التركي على الأقل وذلك عبر كسب أصوات الأكراد الممثلين في البرلمان ومن ثم التواجد في السلطة لفترة رئاسية أخرى بعد تعديل الدستور التركي.
  4. تراجع تكتيكي: إذا اشتدت الضغوط الداخلية والدولية، فقد يُفرِج أردوغان عن إمام أوغلو، لكنه سيواصل وضع العراقيل القانونية أمام ترشحه للرئاسة (مثل إلغاء شهادته الجامعية).
  5. تصعيد القمع: في أسوأ الأحوال، قد يلجأ أردوغان إلى قمع أشد، فيقمع أي احتجاجات محتملة أو قائمة بعنف ويفرض قيودًا مشددة على وسائل الإعلام والحركة المدنية خاصة مع احتمالية تفاقم الوضع الاقتصادي للأسوأ في ظل زيادة العجز التجاري وتجاوز الواردات التركية حجم الصادرات، وانخفاض العملة وزيادة التضخم. وهو ما يؤثر بالفعل على مستقبله السياسي.

الهوامش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts