On Research

مقالات تحليلية

عودة الحديث عن انتقال القوة للشرق الآسيوي وسط حرب إيران

Email :17

إعداد

إيمان أيمن الفخراني

باحثة ماجستير تخصص علاقات دولية

جمهورية مصر العربية

 

 

توقع “أبرامو فينو كينيث أورجانسكي” في كتابه “السياسة العالمية” صعود الصين والتأثير الذي سيتسبب به صعودها في النظام الدولي، مع العلم أن توقعه هذا جاء عام 1958 في كتابه، أي قبل سنوات من تولي “دينج شياو بينج” الحكم، وهو قائد التنمية الصينية الحديثة وشروع بكين في التنمية المحلية الداخلية والانفتاح الخارجي والصعود الدولي، هذا الصعود الذي تكلل تاريخ تحديه للولايات المتحدة بالدور غير المباشر الذي لعبته بكين في حرب إيران، والدعم الذي قدمته بكين لنظام الفقيه في مواجهة آلة الحرب الأمريكية، وهذا اتضحت معالمه مؤخرًا وكثُر الحديث عنه، ففي مقابل الدعم الصيني غير المباشر وإرسال بكين تكنولوجيا ذات استخدام مزدوج لطهران، ردت إيران جميل الصين في تحويل عملة المعاملات التجارية في مضيق هرمز من الدولار إلى نظيره الصيني اليوان، وهي خطوة حاولت بها إيران دعم جهود الصين في تعزيز قيمة يوانها في مواجهة عملة النظام الدولي الدولار الأمريكي، وبالطبع هي خطوة جاءت بالتنسيق بين الصين وإيران، وهي إحدى دلائل بداية عملية انتقال القوة “Power Transition” وهي النظرية التي وضعها “أورجانسكي” في كتابه والمربوطة كثيرًا بصعود الصين، وفي ظل تدافع الأحداث والمتغيرات الإقليمية والدولية مرتبطة التأثير والتأثر، هل هناك بالفعل مؤشرات لانتقال القوة من أقصى الغرب لأقصى الشرق من الولايات المتحدة إلى الصين؟!

وقبل تحليل هذا، ما هي نظرية انتقال القوة؟، وضع “أورجانسكي” 3 افتراضات مؤسسة لنظريته:

  1. البنية الدولية بنية هرمية تقبع القوة المهيمنة أعلى سُلم ترتيبها.
  2. إذا حافظت القوة المهيمنة على تغلبها على القوى العظمى فيرجح أن يكون هناك استقرار في النظام الذي تقوده.
  3. إذا تمكنت قوة ما عظمى غير راضية من الوصول لمستوى القوة المكافئة للقوة المهيمنة فيرجح حدوث عدم استقرار.

التكافؤ “Parity” وعدم الرضا “Dissatisfaction”، هما كلمتان مفتاحيان لفهم نظرية “أورجانسكي” وكيفية إعمالها، وهما أيضًا كلمتان مرتبطتان ومكملتان لبعضهما البعض؛ فلكي تتبوأ قوة عظمى ما مكانة القوة المهيمنة وتصبح المهيمن الجديد، أولًا لابد لها من مقدرات قوة كامنة تتقارب في نسبتها كثيرًا مع القوة المهيمنة، وقدَّر “أورجانسكي” نسبة هذا التكافؤ بالحصول على 80% من قوة الدولة المهيمنة، وألا تكون راضية عن الوضع الراهن “Status Quo”، وهي القواعد والمبادئ والترتيبات العالمية التي وضعتها القوة المهيمنة، وتعتبر النظام الذي وضعه المهيمن غير متوافق مع مصالحها وربما متعارضًا. وإذا توافر أحد الشرطين دون الآخر لا يعني أن هناك دورة تتم لانتقال القوة من قوة لأخرى، فإذا كانت دولة ما ساخطة على الوضع الراهن وليس لديها مقدرات قوة كامنة، لا يعني أن الهيمنة أو الزعامة الدولية في طريق الانتقال لها، ففنزويلا أثناء حكم الرئيس السابق “نيكولاس مادورو” وزعيم كوريا الشمالية الحالي “كيم جونج أون” غير راضيتين لكنهما ليستا بالقوة الكافية لعقد مقارنة بين القوة الكامنة الأمريكية. والعكس كذلك أيضًا.

والصين هنا هي محل الحديث، وبما أن التكافؤ وعدم الرضا هما مفتاحا النظرية فيمكن الاعتماد عليهما هنا للكشف عن مؤشرات انتقال القوة، فهل تمتلك الصين من المقدرات، ما يصل في نسبته إلى 80% من مقدرات القوة الأمريكية؟، وهل الصين غير راضية عن النظام الدولي الذي أنشأته واشنطن بعد انتهاء الحرب الباردة؟، والصين محل الحديث هنا هي صين الجيل الخامس صين “شي جين بينج”، الذي وضع بلاده، لا بمعنى أدق أعاد وضع بلاده في مكانتها الريادية القديمة التي تمتعت بها الصين خلال قرون الإمبراطورية الصينية القديمة، وهي الفترة التي مارست فيها الصين الهيمنة الإقليمية، ففي لمحة سريعة، وبالاستناد إلى الناتج المحلي الإجمالي ومعدل نموه والإنفاق العسكري ونسبته للناتج المحلي لقياس القوة الوطنية لصين “شي”، كما سنرى لاحقًا.

 

جدول الإنفاق العسكري الصيني ونسبته من الناتج المحلي الإجمالي:

بذلت الصين في عهد “شي” جهودًا غير مسبوقة في زيادة حجم الإنفاق العسكري والناتج المحلي الإجمالي مقارنة بسنوات الأجيال الأربعة السابقين (زيارة الروابط لمزيد من المطالعة)، فبهذه البيانات يمكن الإجابة عن نصف السؤال الأول: فهل تمتلك الصين من المقدرات ما يصل في نسبته إلى 80% من مقدرات القوة الأمريكية؟، نعم تمتلك الصين المقدرات اللازمة لانتقال القوة إليها، لكن هل تمتلك صين “شي” حاليًا ما يلزم من مقدرات القوة لتخطي النسبة التي وضعها “أورجانسكي” الـ80% من قوة الولايات المتحدة؟، وهنا نجد صعوبة في الإجابة المطلقة بنعم أو لا؛ حيث لم يتم توضيح كيفية حساب معادلة قوة “أورجانسكي”، فهل نستخدم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة أم القوة المالية للدولار الأمريكي أم ماذا تحديدًا!.

هذا بخصوص التكافؤ وهو غير محسوم لما ذكرناه أعلاه، لكن هذا لا ينفي أن الولايات المتحدة تقدر الخطر والتهديد الصيني لنظامها العالمي، فإذا لم توضح نظرية انتقال القوة كيف يتم حساب التكافؤ رياضيًا وهو شرط أساسي لانتقال القوة، فهذا لا ينفي مدى القوة التي أصبحت عليها الصين منذ تولي “شي” الحكم والحزم الذي أظهرته بكين منذ توليه السلطة.

وماذا بخصوص العامل الثاني: عدم الرضا عن الوضع الراهن؟ استفادت الصين منذ بداية الانفتاح الخارجي مع تولي الرئيس الأسبق “دينج شياو بينج” من النظام الدولي، فبفضل القواعد والترتيبات التجارية الدولية استطاعت بكين تعزيز تجارتها الخارجية وتحقيق معدلات تنمية ضخمة حصلت بها على استحسان العالم، وهي بالفعل منضمة للمؤسسات التي أنشأتها الولايات المتحدة مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهم من الهياكل العالمية، إذن فهذا يعكس رضا الصين عن الوضع الراهن!، لا، هذا يعكس وبمعنى أدق استفادة الصين من النظام العالمي لكن لا يعكس الصورة الكاملة، فإذا سقط النظام العالمي أو تدهور فلن تستطيع الصين بكل بساطة أن تدير شبكة علاقاتها التجارية شريان نموها وقوتها، فهي لا تريد الإضرار به، ففي الإضرار به تأثير سلبي على أمنها القومي، فماذا تريد الصين من الوضع الراهن؟، تريد الصين إثقال وضعها كقوة عالمية وهذا إذا تحقق فهو يعتبر اعترافًا ضمنيًا من الولايات المتحدة بها كقوة عالمية موازنة للقوة الأمريكية.

وحاولت الصين بالفعل تصحيح وضعها داخل المؤسسات العالمية وتحديدًا الكبرى رموز النظام الدولي، فالأمم المتحدة وبأهم جهاز بها مجلس الأمن توازن بكين واشنطن وتوازن واشنطن بكين بحق النقض، لكن مشكلة بكين كانت بمؤسسات أخرى مثل صندوق النقد والبنك الدولي حيث الرغبة في إثقال عضويتها، بذلت الصين قبل تولي “شي” جهودًا لتعديل عضويتها في البنك الدولي وصندوق النقد، وبعد محاولات وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي عام 2010 على تعديل نسبة تصويت الصين بما يجعلها في المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة واليابان من حيث القوة التصويتية، ومع عرقلة الكونجرس الأمريكي التنفيذ لمدة 5 سنوات وبعد إظهار بكين قدرتها في تحدي مؤسسات النظام الدولي المالي بالفعل بإطلاقها البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية “AIIB”، دخل القرار حيز التنفيذ، فعلى الرغم من أن نسبة تصويت الصين في كلتا المؤسستين ليست مكافئة لنسبة واشنطن إلا أنه بفضل جهود بكين أصبحت الكتلة التصويتية للصين ثالث أضخم كتلة بعد الولايات المتحدة واليابان، وهو إنجاز كبير لها.

جدول نسبة التصويت في صندوق النقد والبنك الدولي:

وربما تعكس هذه التحركات عدم رضا الصين عن وضعها كقوة عالمية من الدرجة الثانية، فالالنظام الدولي نظام تراتبي عند “أورجانسكي” تقبع القوة المهيمنة في سدته، فالأسلوب الذي اتبعته الصين لإثقال وضعها العالمي جاء بشكل شرعي كما رأينا من قرارات اتخذها المجلس التنفيذي للبنك الدولي وصندوق النقد ودخلت حيز التنفيذ. وهنا نطرح تساؤلًا: هل محاولات الصين لتعديل مستوى قوتها جاءت عالمية فقط؟ أية دولة ليست راضية عن الوضع الراهن كثيرًا ما تبدأ بتغيير البيئة المحيطة بها أولًا وتهيئتها لاستيعاب مدى قوتها وتعديل ترتيب القوى به، إذن كيف حاولت الصين تغيير الوضع القائم إقليميًا؟، وقبل الإجابة ننظر ماذا يرى باحثو نظرية انتقال القوة في كيفية تحريف الوضع الراهن؟، هناك 3 مؤشرات للدولة التحريفية:

  1. المطالبة بأراضٍ.
  2. أو الإعلان بعدم الالتزام بسياسة دولة ما.
  3. أو محاولة الإطاحة بنظام دولة ما.

تجنبت الصين التورط في الإطاحة بنظام دولة ما، نحن هنا نتكلم عن صين الرئيس “شي”، تجنبت حتى التدخل في شؤون الدول الداخلية فهي بعيدة عن الالتزام أو عدم الالتزام بسياسة دولة ما، لكن ماذا عن أول مؤشر: المطالبة بأراضٍ؟!، هذا المؤشر الذي ظهرت معالمه بشكل كبير في عهد “شي” حيث رغبته في استعادة ما كان للإمبراطورية من أراضٍ وتنازلت عنها أو استحوذت دول أخرى عليها، ولنضرب مثالًا بجزر بحر الصين الجنوبي، وبغض النظر عن مدى صحة ادعاءات الصين بسيادتها على الجزر وأغلب البحر من عدمه، مارست الصين سياسة حازمة في عهد “شي” للدفاع عن أحقيتها بالجزر، فهي لم تكتفِ فقط بممارسة أساليب إكراهية للدول الأخرى المتعارضة مطالبها مع مطالب الصين، بل سعت لعسكرة بعض الجزر الخاضعة لها منذ عام 2014، مثل قاعدة “فايري كروس” و”ميستشيف ريف” و”سوبي ريف” و”وودي” و”بالم/دنكان”، وأعلنت بشكل أحادي منطقة دفاع ذاتي في بحر الصين الشرقي عام 2013 دون استشارة اليابان والتي لها أيضًا مطالب متعارضة مع مطالب الصين في البحر، والدخول في مناوشات عسكرية مع الهند على الحدود المتنازع عليها 3 مرات عام 2013 و2017 و2020، كما ظهر حديث عن سعي الصين لامتلاك أول قاعدة عسكرية في منطقة جنوب شرق آسيا في “ريام” بكمبوديا.

وهذه التحركات اعتبرتها الولايات المتحدة بالفعل محاولات تحريفية من الصين لتغيير الوضع القائم بشرق آسيا ولقلب ميزان القوة لصالحها، فما كان من واشنطن سوى تعزيز تواجدها العسكري وشبكة تحالفاتها بالمنطقة؛ حيث إعادة الزخم للحوار الرباعي “QUAD” مع اليابان وأستراليا والهند وعقد أولى قممه 2020 بعد توقف عام 2008، كما حاولت واشنطن إثقال موقف حلفائها العسكري في مواجهة الصين؛ حيث عقد اتفاقية عام 2021 لتزويد أستراليا بغواصات نووية خلال ثلاثينيات أو أربعينيات القرن الحالي.

لفت فرض إيران التعامل المالي بمضيق “هرمز” باليوان الصيني بعد اندلاع حربها الأخيرة مع الولايات المتحدة، الأنظار لمدى القوة الصينية وعملتها لتحل محل واشنطن وعملتها الدولارية، وهذه خطوة بالطبع مهمة وتتماشى مع سياق دورة انتقال القوة لـ”أورجانسكي”، لكن ما زال أمام الصين الكثير لتخل محل الولايات المتحدة كمهيمن عالمي أو تصبح فعليًا وواقعيًا في نفس مكانة واشنطن العالمية، وتمارس نفس دورها السياسي والاقتصادي العالمي، ويكون لها الصوت المسموع والتدخل الحاسم في الشؤون الداخلية للدول، أو حتى القدرة على بناء نظام عالمي جديد إذا رغبت في إسقاط النظام الغربي لتنهي عصر الهيمنة الأمريكية، أو يكون لها نموذج خاص لإدارة العلاقات الدولية، نموذج صيني شرقي غير النموذج الغربي الموصوم بالليبرالية والدولارية والمصلحة القومية، لكن ليس معنى هذا أن الصين تفتقر للقدرة على القيام بمثل هذه الأمور، فقدرات الصين المادية حدث ولا حرج، والرغبة في استعادة مكانتها العالمية حاضرة في ذهن “شي” ولديها محاولات هنا وهناك، وإذا انتقلنا لأمر الهيمنة الإقليمية الصينية فلم تكتسب الصين حاليًا صفة المهيمن الإقليمي لأسباب منها الشرعية الإقليمية وتواجد الولايات المتحدة العسكري بشرق آسيا.

Sources:

  1. Sang-Hwan Lee, Global and regional orders in the 21st century in terms of multi-layered power transition theory: The cases of US–China and China–Japan relations, International Area Studies Review, 2015, p 267.
  2. Serafettin Yilmaz and Wang Xiangyu, Power Transition Theory Revisited When Rising China Meets Dissatisfied United States, China Quarterly of International Strategic Studies, Volume 5, No 3, 2019.
  3. Tao Xie and Donglin Han, In the Shadow of Strategic Rivalry: China, America, and the Asian Infrastructure Investment Bank, Journal of Contemporary China, Volume 28, No 120, 2019, p 920.
  4. Zheng Chen and Yanchuan Liu, Strategic Reassurance in Institutional Contests: Explaining China’s Creation of the Asian Infrastructure Investment Bank, Journal of Contemporary China, Volume 27, No 114, 2018, p 802.
  5. World Bank, GDP (current US$) – China, https://n9.cl/stjhi , 11 April 2026.
  6. World Bank, Military expenditure (current USD) – China, https://n9.cl/j4zvc, 11 April 11, 2026.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts