
إعداد
د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي
رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية
دكتوراه في القانون الدستوري والعلوم السياسية
سلطنة عمان
لا جرم أن كافة المؤسسات الحكومية في سلطنة عمان تتضمن هياكلها التنظيمية دوائر وقطاعات خاصة بالشؤون القانونية، وقد أناط المشرع العماني بهذه القطاعات القيام بالعديد من الاختصاصات المنظمة لكافة الجوانب القانونية، وبالأخص الاختصاص التشريعي الخاص بإعداد وصياغة مختلف التشريعات الخاصة بكل وحدة إدارية.
وبالنظر إلى الاختصاصات المناطة بتلك القطاعات، فقد عمدت وحدات الجهاز الإداري للدولة إلى تعيين الدارسين لتخصص القانون في تلك القطاعات، ومن ثم العمل على تأهيل شاغلي الوظائف القانونية للحصول على مؤهل أعلى في القانون، وكذا إشراكهم في برامج تدريبية متعددة ومتنوعة بالمجال القانوني.
ولئن كان التأهيل والتدريب لتلك الكوادر البشرية أمرًا محمودًا وذا عائد إيجابي على تلك الوحدات الإدارية، إلا أن تلك القطاعات ما زالت تعاني من عثور تلك الكوادر في الجانب التشريعي، وبالأخص إعداد اللوائح التنظيمية والقرارات الإدارية الخاصة بها. ومن ثم قد يكون من الأصوب قيام تلك الوحدات بتدريب كوادرها القانونية على البرامج التدريبية المتخصصة في المجال التشريعي.
ولا مشاحة في القول أن جُل المؤسسات الحكومية العمانية تمارس بشكل مباشر أو غير مباشر الاختصاص التشريعي، خاصة عند القيام بإعداد مشروع تشريع جديد يخص تلك الوحدة أو الرغبة في القيام بإجراء تعديل تشريعي على القوانين الخاصة بها، بالإضافة إلى مشروعات القرارات الإدارية التي غالبًا ما تكون بشكل شبه يومي ومستمر في العديد من الوحدات الإدارية، عوضًا عن مشروعات التعاميم الإدارية الخاصة بتنظيم شأن من شؤونها التنظيمية.
وبالرغم من قيام وزارة العدل والشؤون القانونية بإعداد ومراجعة مشروعات القوانين في الدولة وفق الاختصاص المناط بها، إلا أن تلك التشريعات تتطلب من هذه الجهة بذل الكثير من الوقت والجهد في إعادة صياغة مشروعات القوانين الواردة من الجهات الحكومية الأخرى في صياغتها الأولية، وتوفيرًا للوقت والجهد وتأهيلًا لشاغلي الوظائف القانونية في كافة مؤسسات القطاع العام، فقد يكون من المناسب إشراكهم في برنامج تخصصي يُعنى بالصياغة التشريعية؛ حيث أن العديد من مشروعات التشريعات تصدرها تلك الجهات دون الحاجة إلى مراجعتها من قبل وزارة العدل والشؤون القانونية، ومن ثم قد يشوب تلك التشريعات العديد من جوانب القصور أو التضارب في الاختصاصات مع تشريعات أخرى.
وتستوجب الصياغة التشريعية السليمة – من القائمين عليها – استحضار كافة أدواتها ووسائلها، بالإضافة إلى الإلمام بمختلف القواعد القانونية، واختصاصات السلطات العامة في الدولة، وذلك على النحو الآتي بيانه:
- الصياغة التشريعية والسياسة العامة للدولة: لا مندوحة أن السياسة العامة لأي دولة تكون مستمدة من النظام السياسي الحاكم، وهو ما أبان عنه الفصل الأول من الباب الرابع في المادة (49) من النظام الأساسي للدولة العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021)، والتي نصت على أن: “يقوم السلطان بالمهام والصلاحيات الآتية: – المحافظة على استقلال البلاد، ووحدة أراضيها، وحماية أمنها، ورعاية حقوق المواطنين وحرياتهم، وكفالة سيادة القانون، وتوجيه السياسة العامة للدولة”. بالإضافة إلى المادة (50) من ذات النظام الأساسي للدولة، والتي نصت على أن: “يعاون السلطان في رسم السياسة العامة للدولة وتنفيذها مجلس للوزراء، ومجالس متخصصة”. ومفاد هذه النصوص الدستورية أن الاختصاص الأصيل في توجيه السياسة العامة للدولة مرده إلى رئيس الدولة – السلطان – مع معاونة كل من مجلس الوزراء والمجالس المتخصصة الوارد اختصاصاتهما في الفصلين الثالث والرابع من اختصاصات السلطة التنفيذية.
- الصياغة التشريعية ومبدأ تدرج القواعد القانونية: ذهبت المبادئ العامة للقانون إلى وجود تفاوت وتدرج في القواعد القانونية في أي نظام قانوني، حيث يأتي الدستور في أعلى درجات سلم التراتبية لتلك القواعد، يليه قواعد القانون العادي (القوانين)، ومن ثم القانون الفرعي (اللوائح)، ويأتي في أدنى درجات التراتبية للقواعد القانونية ما يُعرف بالقواعد القانونية الفردية (القرارات الوزارية). ولئن كان من المسلم به – في سلطنة عمان – أن القواعد الدستورية المتمثلة في النظام الأساسي للدولة وكذا القوانين تستوجب صياغتها من السلطة التشريعية ممثلة في مجلس عمان أو عن طريق الحكومة ممثلة في وزارة العدل والشؤون القانونية، فإن تلك القواعد تكون تحت نظر الجهة المختصة التي تراعي عدم تعارض ما تقوم بصياغته أو مراجعته من مشروعات القوانين مع القواعد القانونية الأعلى منها مرتبة أو التي تتساوى معها في التراتبية القانونية. إلا أن تلك القواعد قد تخرج عن الصياغة القانونية السليمة في حالة صدورها من المؤسسات الحكومية والتي لا تستوجب نشر تلك القواعد في الجريدة الرسمية. ومن ثم يستلزم الأمر وجود مستشار تشريعي – على قدر من الكفاءة المهنية في مجال صياغة التشريعات – في هيكلية تلك المؤسسات، بغية تجويد التشريعات التي تصدرها تلك الجهات من ناحية، وعدم تعارض ما يصدر عنها مع تشريعات أخرى أعلى منها مرتبة من ناحية أخرى.
- الصياغة التشريعية والطبيعة العلائقية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية: تتباين الطبيعة العلائقية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في مختلف الأنظمة الدستورية، ومن بينها الأنظمة الدستورية الكبرى، حيث اتصف النظام الدستوري الأمريكي بالجمود في العلاقة بين هاتين السلطتين، ولئن كان ذلك وفق ما انتهجه النظام الدستوري الأمريكي إلا أننا نرى عدم التسليم المطلق بجمودية تلك العلاقة، وأن العلاقة بين هاتين السلطتين يفرضه الواقع العملي ولئن كان بصورة بسيطة وغير ظاهرة. في حين يوجد تعاون وتوازن بين هاتين السلطتين – التشريعية والتنفيذية – في النظام البرلماني البريطاني، على خلاف النظام المجلسي السويسري (نظام الجمعية العمومية) القائم على ترجيح كفة اختصاصات وسلطات السلطة التشريعية على حساب أعمال السلطة التنفيذية. ولقد سار النظام السياسي العماني في انتهاج التعاون والتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو ما أبانت عنه الكثير من النصوص الدستورية الواردة في الباب الخامس الخاص بالسلطة التشريعية – مجلس عمان – وكذا القواعد القانونية الواردة في قانون مجلس عمان الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2021). ويترتب على ذلك وجوب أن يراعي المستشار التشريعي كافة القواعد القانونية الحاكمة لصياغة التشريعات بمختلف أنواعها ودرجاتها؛ حيث إن اكتفاء المؤسسات العامة في الدولة بصياغة التشريعات الخاصة بها من قبل الدوائر القانونية قد يكون له تأثير سلبي في عدم سلامة الصياغة القانونية أو التعارض مع ما عداها من قوانين.
وتأسيسًا على ذلك، ولتقريب الصورة للقارئ، فقد يكون من المناسب استعراض بعض القطاعات الحكومية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، وفقًا للآتي:
- المؤسسات التعليمية: من نافلة القول أن وزارة التعليم تُعنى بتنظيم العديد من الجوانب المتعلقة بالتعليم، وتبرز أهمية هذه الجهة من خلال كمية التشريعات والتعاميم التي تصدرها من قبل كافة التقسيمات الإدارية في الوزارة، والتي غالبًا ما يتم إعدادها من قبل الدائرة المختصة، والتي تتطلب التفرقة بين مشروعات التشريعات الواجب عرضها على وزارة العدل والشؤون القانونية أو تلك التشريعات الداخلية التي تنظم شأنًا داخليًا في هذه الوحدة، والتي لا يتطلب مرورها بالدورة التشريعية. ومن ثم نرى وجوب توفر هذه الجهة – وزارة التعليم – على مستشار تشريعي في ديوان عام الوزارة، وكذا في المديريات العامة للتعليم في مختلف المحافظات، للقيام بإعداد ومراجعة كافة التشريعات الخاصة بها.
- المؤسسات الرياضية: لا مندوحة أن وزارة الثقافة والرياضة والشباب تضطلع بدور كبير في المجال التشريعي، حيث إن المجال الرياضي يتضمن العديد من الاتحادات العمانية والأندية الرياضية والفرق الأهلية، وتتضمن غالبية أعمال هذه التقسيمات الإدارية نسبة كبيرة من التشريعات سواء أكانت لوائح تنظيمية أو قرارات إدارية أو تعاميم تنظيمية. وبغية تطوير المؤسسات الرياضية فإنه لا مناص من احتواء هذه التقسيمات على مستشار تشريعي يتولى كافة الأعمال التشريعية الخاصة بها، ويمكن في مرحلة أولى أن يتضمن ديوان عام الوزارة والاتحادات وجود المستشار التشريعي، على أن يتم تعميمه في السنوات القادمة في باقي المؤسسات الرياضية (الأندية والفرق الأهلية). ويكمن العائد الإيجابي من وجود المستشار التشريعي في هذه المؤسسات – الرياضية – في تجويد العمل القانوني، وتوفير الجهد والمال على الدولة في الحالات التي يمكن الولوج إليها قضائيًا، خاصة تلك المتعلقة بجهات أجنبية، التي تتمثل في التعاقدات الخاصة بالمدربين واللاعبين الأجانب وغيرها من صور الوثائق المتبادلة بين الوزارة أو الاتحاد والأطراف الأخرى.
- المؤسسات التجارية والاستثمارية: استنادًا إلى الاختصاصات المناطة بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، فإن هذه الجهة تضطلع بالعديد من الاختصاصات ذات الأهمية المتصلة بالاقتصاد الوطني، كونها الجهة المختصة بتنظيم الأسواق والعلاقات التجارية الوطنية والدولية، بالإضافة إلى ما يمثله مجال الاستثمار من أهمية قصوى في جذب المستثمرين الأجانب. وبطبيعة الحال فإن كافة هذه المسائل تتطلب تشريعات تتسم بالرصانة والحبكة القانونية السليمة لسد أي ثغرات قد يترتب عليها مثول الدولة قضائيًا، ومن ثم لا يتأتى ذلك إلا بوجود كادر قانوني مؤهل، يمتلك من الأدوات والوسائل التي تعينه على القيام بالصياغة التشريعية السليمة لمشروعات القوانين واللوائح والأنظمة الخاصة باختصاصات هذه الجهة.
وفي الختام، وصفوة القول، وتحقيقًا لمرتكزات وأهداف رؤية عمان 2040، فإن وجود المستشار التشريعي في كافة وحدات الجهاز الإداري للدولة، وكذا المؤسسات الكبرى في القطاع الخاص، يمثل ميزة فارقة في تجويد التشريعات على مختلف قواعدها القانونية، مع أهمية قيام الجهات المختصة بدراسة المقترحات الآتية:
- قيام المشرع العماني بإصدار تنظيم تشريعي ينظم مهنة المستشار التشريعي.
- قيام الجهة المختصة بإعداد برنامج تدريبي لتأهيل من يشغل وظيفة مستشار تشريعي.
- توفير قاعدة بيانات بالمستشارين التشريعيين، توطئة للتعاقد معهم من قبل وحدات الجهاز الإداري للدولة ومؤسسات القطاع الخاص.
المراجع:
- د. أحمد بن محمد الهنائي، “مكانة ودور السلطة التشريعية في النظام السياسي العماني – دراسة مقارنة”، دار الدراسات العربية، 2022.
- النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021).
- قانون مجلس عمان الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2021).

