
د. مروان شحادة
باحث فى الإعلام الرقمى والإسلام السياسى
الأردن
برز ما يُعرف بـ”إجراء هانيبال” (Hannibal Directive) في صفوف الجيش الإسرائيلي منذ ثمانينيات القرن الماضي، إثر تكرار عمليات أسر الجنود الإسرائيليين على يد المقاومة اللبنانية والفلسطينية. يقوم هذا الإجراء على استخدام قوة نارية كثيفة – حتى لو أدت إلى مقتل الجندي الأسير نفسه – بهدف منع وقوعه حيًّا في قبضة الخصم. وتعود هذه التسمية إلى القائد القرطاجي “هانيبال” الذي اشتهر في حروبه ضد روما، والذي فضّل الانتحار بالسم على الأسر لدى الرومان.
مفهوم “هانيبال” – العقيدة العسكرية لقتل الأسير الإسرائيلي
تمثل العقيدة الأمنية الإسرائيلية الدافع المركزي لهذا التوجه، إذ ترى أن أسر جندي حي يشكل تهديدًا إستراتيجيًا يتجاوز البُعد العسكري، محوِّلاً الجندي إلى ورقة مساومة محرجة سياسيًا وأمنيًا، كما حدث في صفقة جلعاد شاليط عام 2011.
وتكرر اللجوء إلى تطبيق مبدأ “هانيبال” ميدانيًا عدة مرات في قطاع غزة، خاصة خلال عدوان 2014 (حرب “الجرف الصامد”)، حين استُخدمت نيران كثيفة في رفح إثر أسر جندي، ما أدى إلى استشهاد مئات المدنيين الفلسطينيين. كما تكررت المحاولات خلال حرب 2023–2025، حيث برز التخوف الإسرائيلي من تكرار سيناريوهات الأسر.
وبينما يدّعي الجيش الإسرائيلي أنه لا يستهدف جنوده عمدًا، فإن الأدلة الميدانية والتسريبات الصحفية والعسكرية تُظهر أن حياة الجندي قد تُضحّى بها لتجنّب مكاسب إستراتيجية للمقاومة. وما مقتل الأسرى الذين قبضت عليهم حركة “حماس” في السابع من أكتوبر 2023، إلا دليلٌ صارخ على هذا السلوك.
في النص القرآني يبرز التناقض الجوهري لهذه الفكرة؛ فاليهودي يزعم امتلاك الحقيقة والنجاة، لكنه يرفض حتى تمنّي الموت، لأن الموت بالنسبة له نهاية مُذلة وليس انتقالاً إلى حياة أبدية، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
وفي الثقافة الشعبية اليهودية، ينتشر المثل القائل: “عيشة الدبّانة ولا يوم في الجبّانة”؛ أي أن حياةً حقيرة كحياة الذبابة خير من يوم واحد في المقبرة. هذا المثل يختزل فلسفة التمسك بالحياة بأي ثمن، حتى على حساب الكرامة أو القيم. بل إن الدعاء بالموت عندهم يأخذ صيغة جغرافية مرتبطة بالمقابر وأماكن الخطر، مثل:
• “ليخ لعزة” … (اذهب إلى غزة).
• “ليخ لليبانون” … (اذهب إلى لبنان).
• “ليخ لكريات شاؤول” … (اذهب إلى المقبرة المركزية).
هنا يتجسد الموت بوصفه أقصى اللعنات، على عكس الثقافة الإسلامية التي ترى في الشهادة أسمى مراتب العز والكرامة.
مفهوم “متسادا” – الانتحار الجماعي في العقلية التلمودية
يرتبط مفهوم “متسادا” بالحدث التاريخي في قلعة متسادا قرب البحر الميت عام 73 للميلاد، حين اختار نحو ألف يهودي الانتحار الجماعي على الاستسلام للجيش الروماني.
تحوّلت متسادا إلى رمز “البطولة” في الرواية الصهيونية، وغُذّيت بها الأجيال الإسرائيلية باعتبارها تمثل “الخيار الأخير: الموت ولا الاستسلام”، وأصبح هذا المفهوم حاضِرًا بقوة في الذهنية الإسرائيلية التلمودية.
ويُترجم هذا المفهوم إلى ما يشبه “ثقافة الانتحار الجماعي دفاعًا عن العقيدة والهوية”، ويُستدعى في خطاب بعض قادة الجيش والسياسة حين يواجهون أزمات وجودية.
ويمكن اعتبار “متسادا” مكمّلة لفكرة “هانيبال” في العقيدة العسكرية والأمنية والسياسية، إذ يقوم كلاهما على تفضيل الموت على الوقوع في الأسر أو الهزيمة، لأن الوقوع في الأسر يهدم فكرة الجيش الذي لا يقهر، ويدلل على ضعف الدولة أمام المقاومة. كما أن سلوك الجيش مع أفراده من الجنود والضباط، يولد أزمة ثقة داخلية في المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية.
في المقابل، فإن الأسير في الثقافة الإسلامية وفقه القتال يُعد قيمة مقدسة، ويُبذل الغالي والنفيس لتحريره، تجسيدًا لقول الرسول ﷺ: “فكّوا العاني”. وفي الوقت ذاته، يتم التعامل مع الأسير بتأمين علاجه إذا كان مصابًا وتوفير الطعام والبيئة المناسبة لاحتجازه. وهذا السلوك أثناء القتال يختلف جذريًا عن التعامل مع الأسير في الثقافة التلمودية، حيث يُعتبر الأسير عبئًا وتكلفة سياسية وإعلامية وأمنية وعسكرية، وموته أفضل وأهون من بقائه في يد “الأعداء”، وهو ما تجسد بشكل واضح في حروب غزة كافة.
انعكاسات هانيبال ومتسادا على مسار الحروب الإسرائيلية
١. ارتفاع منسوب العنف ضد المدنيين: يترجم تطبيق “هانيبال” عمليًا إلى قصف عشوائي كثيف في مناطق مأهولة، ما يرفع الكلفة الإنسانية على الفلسطينيين، ويعكس ذهنية “الموت الجماعي” التي تتجاوز الجندي لتطال المجتمع بأكمله.
٢. إشكالية الثقة داخل الجيش: معرفة الجنود أن قيادتهم قد تضحّي بهم تُضعف الروح المعنوية، وتخلق فجوة نفسية بين القيادة العسكرية والجنود.
٣. تأثير على العقيدة الأمنية: استمرار هذه العقائد يجعل الحروب المقبلة أكثر وحشية، إذ ستُدار بمعايير “الردع عبر الدم” لا “الردع عبر القوة المنظمة”، ما يُضعف صورة إسرائيل دوليًا.
٤. انعكاسات سياسية دولية: يتسبب اتساع نطاق الاستهداف المدني تحت ذريعة “هانيبال” أو منطق “متسادا” في زيادة عُزلة إسرائيل، وتصعيد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
٥. البُعد المستقبلي: في حال اندلاع مواجهات كبرى مقبلة (مع حزب الله أو في غزة أو الضفة أو سوريا)، سيزداد توظيف هذه العقائد كإجراءات “اضطرارية”، ما قد يسرّع نحو تحولات خطيرة: انهيار أخلاقي للجيش، وزيادة احتمالية العصيان أو الانقسام الداخلي بين الجنود.
بهذه المعاني، يكشف مبدآ “هانيبال” و”متسادا” أن إسرائيل تبني قوتها على هشاشة نفسية عميقة، تتأرجح بين وسواس البقاء وخوف العار. وما يُقدّم كـ”ردع عسكري” ليس إلا استنساخًا معاصرًا لعُقد تاريخية وثقافية لا تزال تتحكم في وجدان الشخصية اليهودية حتى اليوم.
خاتمة
تكشف مفاهيم “هانيبال” و”متسادا” عن عقلية أمنية – تلمودية مشبعة بثقافة الموت الجماعي، حيث يُقدَّم “الموت” كخيار استراتيجي لتجنب الهزيمة أو الأسر. هذه الذهنية تجعل من إسرائيل كيانًا أكثر ميلًا إلى التصعيد الدموي والانتحار الجماعي بدل الحلول السياسية، ما ينذر بأن الحروب المقبلة ستكون أكثر تدميرًا، ليس فقط للفلسطينيين، بل أيضًا للمجتمع الإسرائيلي نفسه الذي يتآكل تحت وطأة هذه العقائد.







