
محمد أزضو
باحث في سلك الدكتوراه
إشراف – د : مارية البحصي
كلية اللغات والفنون والآداب بجامعة ابن طفيل،
المغرب
التقديم:
لقد عرفت القصيدة المغربية، انطلاقا من ثمانينات القرن المنصرم تحولات كبيرة، تمثلت في ظهور قصيدة النثر كامتداد واستمرار طبيعيين لتطور الشعر المغربي المعاصر، فهي تعبير مضاد للنماذج الثابتة والسائدة التي عمرت منذ بداية الفترة الأدبية الحديثة ليس فقط في المغرب بل في الوطن العربي ككل، ولا ننكر في البداية أن الملمح الأول لهذه القصيدة في الوطن العربي، يتصل بإقدام” أدونيس على استلهام رؤية سوزان برنار في كتابها (قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن) ونقل أدواتها لمقاربة قصيدة النثر العربية”[1]، هو ومجموعة من الأسماء التي كان لها الفضل في الترويج لهذه القصيدة، مثل: يوسف الخال مؤسس مجلة شعر في آواخر الخمسينات وأنسي الحاج صاحب أول ديوان نثري (لن) في بداية الستينات ومحمد الماغوط وشوقي أبي شقرا وآخرون … وذلك من خلال ما كانوا ينشرونه في مجلة شعر اللبنانية، من ممارسات وتنظيرات لهذا الشكل الجديد الذي سينتشر في الأقطار العربية انتشار كبيرا، وسيشكل مرجعية مهمة لهذا اللون الجديد من الشعر، على أنه إبدال حديث يستمد شرعيته ووجوده من الواقع الذي يعيشه الشاعر، وليس مما خلفه السابقون، الشيء الذي سيثير جدالا واسعا فيما بعد، خصوصا بين المشارقة والمغاربة، حول إشكالية التسمية وانتساب هذا المولود الجديد لجنس الشعر، وفي هذا الصدد نجد الشاعر والناقد صلاح بوسريف، يعبر عن رأيه في هذا الجدال بقوله: “أما نقطة الاختلاف بيننا وبين هؤلاء الذين يدعون إلى قصيدة النثر ويروجون لها دون غيرها، هو أنهم في دعوتهم هذه يقصون باقي الأشكال الشعرية، ويسعون جاهدين إلى محو أثرها في مقابل الترويج لشكل واحد، ولقصيدة واحدة هي في نظرهم القصيدة التي بدونها لا وجود لحداثة ما، ولا وجود لشعر جديد أو لحساسية شعرية، مغايرة لما هو سائد ومألوف[2]“.
يذهب بوسريف إلى أن مثل هذه الأحكام هي إقصاء لا يخدم الشعر في شيء ولا يؤمن باستمرارية الإبداع، و يتمم منتقدا أصحاب هذا الطرح: ” إن هذا النوع من الإقصاء أو الإبعاد لباقي الأشكال الحديثة إنما هو نوع من المكابرة التي يقصد من ورائها إخفاء حالة عطب يعانيها هؤلاء إزاء تمثل هذه الأشكال الشعرية من جهة، وعجزهم من جهة أخرى على محاورتها واختيار ممكنات برامجها الشعرية. أعني الأشكال الشعرية العربية من قصيدة الطلل إلى قصيدة (البعث والرماد) … وإلى غيرها من الأشكال التي تراهن على كتابة نص شعري مفتوح على ممكنات واحتمالات المعرفة الشعرية، وغيرها من أشكال المعرفة الإنسانية”[3].
أما محمد بنيس فقد شن بدوره انتقادا لاذعا على شعراء لبنان لاهتمامهم الكبير الذي أولوه لهذه القصيدة، بعد أن تعرفوا عليها من خلال مؤلف سوزان برنار (قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن) قائلا: ” لو فرضنا أن هذا العمل لم يصدر فهل كانت هذه القصيدة ستنال في بيروت كل هذه الحظوة في الفترة ذاتها؟ وهل كان لشعراء بيروت في الفترة ذاتها ما أصبح لهم بفضل الاطلاع على كتاب سوزان برنار”[4]. إن انتقاد بنيس لشعراء قصيدة النثر في لبنان هو من باب التنبيه بأن الشعر إبداع خلاق وتجريب مستمران وليس استنباتا أو محاكاة لنماذج وقوالب غربية حديثة العهد.
وبما أن هذه القصيدة ستصير فيما عد واقعا شعريا جديدا لا محالة عنه، نظرا لما توفره من إبدالات كتابية مغايرة عما آلفه الشعراء، بتغييبها لمقومات الإيقاع العروضي ونظام التفيعلة، يقول عبد اللطيف الوراري عن سياق ظهور قصيدة النثر المغربية: ” لم تُثِر زوابع مثلما حدث في المشرق قبل مجلة «شعر» وبعدها. نعم، ظهرت نماذج أولية منها في بداية الأربعينيات ونشرتها مجلة «الثقافة المغربية»، لشعراء محدثين مثل، محمد عزيز الحبابي وإدريس الجاي، ثم كتبها محمد الصباغ بشكل أكثر وعيا، إلا أنها في كل الأحوال ظلتْ في الهامش وخارج اعتراف المؤسسة الثقافية وأدبها المعتمد، عندما أتى جيل الثمانينيات أحدث منعطفا في المشهد الشعري المغربي، وهو يولي هذه القصيدة ما تستحقه من اعتبار. فأخطر ما تَحقق في المنجز النصي لشعراء الجيل هو الانتساب إلى أفق قصيدة النثر، وتبنيه اختيارا جماليا، وهو ما أعاد النظر في العلاقة بين الشعر والنثر، وفي تحويل أوضاع الدال النصي، وبالنتيجة في مفهوم الشعر وهُويته الجمالية ككُل”[5]. إذ ترتب عن هذا التبني ظهور حساسية شعرية جديدة، ينضوي تحت لوائها شعراء من مختلف الأجيال، حساسية حسمت” مع بعض المسلمات التقليدية التي ما زالت حاضرة بشكل ما، على المستوى الرسمي، وتلك مفارقة، والتي تشكل المقياس الأول لجودة القصيدة، بل ولتمييز الشعر عن غيره من الأجناس الأخرى، نعني ذلك التعريف المتداول في مدارسنا بشكل من الأشكال والذي هو: الشعر هو الكلام الموزون المقفى.”[6]
وفي ظل هذه الحساسية الشعرية المغربية الجديدة، نلاحظ أن هناك وعيا شعريا وجماليا جديدا دائم التشكل لدى شعراء الفترة المعاصرة الذين انكبوا على هذا الشكل الشعري الحديث، وهذا الوعي نلامسه من خلال كتاباتهم الجديدة التي تجسد رؤيتهم الإبداعية للعالم، بآليات وتقنيات جديدة بعيدة كل البعد عن قوالب القصيدة الخليلية والقصيدة الحرة، ولعل من أهم هذه الأسماء التي أبدعت في هذا اللون الجديد من الكتابة الشعرية، نذكر: رشيد المومني، عبد الله زريقة، أحمد بركات، حسن نجمي، إدريس عيسى، مبارك وساط عبد اللطيف الوراري وصلاح بوسريف ومحمد الصالحي ومصطفى الشليح وصلاح لبريني ومحمد منير الذي تعد تجربته رحى دراستنا هاته، فهو كاتب وشاعر وفنان، له من القدرات الأدبية والإبداعية والفنية، ما يبوئه هذه المكانة في خارطة الشعر المغربي المعاصر، إذ أنتج إلى حدود اللحظة خمسة دواوين شعرية، على أزمنة مختلفة، وهي كالآتي:
- نبض الكلام، صدر بتونس
- هكذا حدثني البلح، صدر بمصر 2013.
- حين استدرجتني المدن كنت وحيدا، صدر بالجزائر 2014.
- الشّجرة التي أسقطتني كانت يدي، صدر بتونس 2020.
- رسائل face à la mer ، صدر بالمغرب 2024
وفي دراستنا هذه، سنركز على ديوانه ( الشجرة التي أسقطتني كانت يدي)، بوصفه من الدواوين التي جسدت صورة لامتداد قصيدة النثر بالمغرب وانفتاحها على الأجناس الأدبية، وذلك من خلال عنصرين إثنين، عنصر حضور المكون السردي، من خلال التجسير مع جنس السيرة، وعنصر الومضة كملمح من ملامح الكتابة الشعرية الجديدة.
- المكون السردي في تجربة محمد منير سمة من سمات الشعرية.
إن المتأمل في المنجز الشعري لمحمد منير سيجده منجزا متميزا دلالة وبناء ورؤيا، لأن الشاعر سلك فيه مذهب التجريب، الذي يؤمن بتجاوز الثابت وخلخلة الجاهز نحو المتحول والمتغير، الشيء الذي أعطى لتجربته شعريةً خاصة، لأنه يشقُّ طريقَه بصيغة الانفراد بدل الجمع، نظرا لكون ” الانفراد يأتي من التجربة وامتلاك الرؤية الواضحة التي قد تصل إلى حد المزاوجة بين كتابة القصيدة والتنظير لها بهوامش ضرورية… وكأن الشاعر يسعى لإسماع صوته بكل الوسائل[7]“، ومن خلال هذا العنصر يبرز للقارئ أن التجربة الشعرية لمحمد منير تجربة منفتحة على الأجناس الموازية، وخاصة جنس السيرة الذاتية، الذي عرفه فيليب لوجون بقوله بأنه ” حكيٌ استعاديٌّ نثريٌّ يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، عندما يركز أساسا على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة،“[8] فهذا الحكي له من الجمالية ما يضفي على القصيدة انسيابية ترسم علاقة الذات بالواقع المعيش، علاقة حاول أن يشير إليها الشاعر من أولى عتبات الديوان، العنوان الرئيس الموسوم ب: ( الشجرة التي أسقطتني كانت يدي)، بحيث، جاء جملة اسمية واصفة سردية لسبب السقوط، بل سبب الإبداع الكامن وراء نسج تفاصيل هذا الديوان، وهي اليد باعتبارها آلية من آليات الكتابة التي تفيض وتتدفق اضطرابا إزاء ما يحيط بها في هذا الكون من هواجس التوتر والقلق، التي فضل الشاعر أن يختار لها زمان الليل كإطار زمني مساعد على البوح لإخراج مكنونات النفس وما يؤلمها و يؤرقها.
ولعل ما يؤكد طرحنا هذا، هو أن ديوان ( الشجرة التي أسقطتني كانت يدي)، يضم بين دفتيه ثلاث عشرة قصيدة، فضلا عن الإهداء الشاعري، وهي قصائد نثرية وأخرى ومضية، والقاسم المشترك بينها، هو عنصر الليل وما يرافقه من أحلام، وهذا ما يتضح من خلال عناوين الديوان التي جاءت على الشكل الآتي:
- ليل يحرسه الغيم في صدري.
- في محراب الليل
- سرديات الليل
- ليل يزهر في الجسد
- لليل بياض الوجه ولي سواده
- حكايا ليلة ماطرة
- أنشودة ليل منفلت من سواده
- موائد تؤثثها الأحلام
- منتصف الحلم
- لليل موائده
- في حضرة هذا المساء أعلن لكما حبي
- بدر
وبما أنه لم يعد النثر قيدا وشرطا أساسيا في تحديد معالم السيرة الذاتية، فقد “أصبح الشعر مكونا في تحديد مفهومها، وفق تقنيات جديدة في الكتابة، تتطلب من الشاعر أن يسرد تاريخه، ويكشف عن أناه وفق ميثاق سير ذاتي شعري، يصوغ بيوغرافيته الشعرية وفق مقومات فنية تراعي هذا التأطير الأجناسي الجديد، بما يتناسب وبنياته الفنية والجمالية المفتوحة التي أصبح السرد عنصرا فنيا من عناصرها”[9]، وهذا ما نجده عند محمد منير في هذا الديوان، إذ استقر اختياره على الليل كزمان لجل قصائد ديوانه، وهذا راجع، في نظرنا، إلى كونه الفترة التي تعيد للنفس استقرارها، والفترة المحفزة على السرد للإفصاح عما يجول في الذات من توترات وارتباكات اليوم كله تجاه الآخر والعالم ككل، وهذا ما نلامس في أولى قصائد الديوان المعنونة ب: (ليل يحرسه الغيم في صدري) التي يقول فيها:
لم يعرفني
في زحام الغيم
ظلي.
الغيم تستدرجه الريح وليلي يقطّع سواده تمائم
لنجمات أعيتها لعبةُ الرقص على حبل هلال
شاخ قبل اكتمال الولادة.. ها وجهي شاحبة
وجنتاه.. والليل تيها تكتبه عيناي على خد
أحرقته قطرات دمع أحمر.. الليل لم يعد ليلا
.. تاه في غبار الوقت باع أقماره لسيدة الجرح/
الغيمات، نام على موجة ضلت طريقها..
وتاهت في تراقص الرمل عند منتصف القمر..
لأجدني وحيدا
أمتطي غيمة
تشاكسها الريح
بحبر القلب..[10]
سيلاحظ القارئ لهذا المقطع الشعري، أن الشاعر استطاع خلق تجسير بين جنس الشعر المعروف باللغة الإحيائية وجنس السيرة المتسم بالواقعية والصدق في الحكي، ليضعنا أمام لوحة فنية تحكي هموم الشاعر وانكساراته التي تعبر عنها وجنتاه بدموع حمراء في قالب شعري سردي، يشكل مذهبا جديدا من الكتابة الشعرية، الذي لا تقيده قيود التجنيس.
ولعل من أبرز الأمثلة الأخرى التي تمثل هذا التجسير الحاصل في قصائد هذا الديوان، بين ما هو شعري وما هو سير ذاتي، ما نلفيه في قصيدة ( سرديات الليل)، التي يقول في مستهلها:
“لا تقربيني
وحدي أستطيعُ
أن أطوي موج الحرف
وأكتبُ على الشطِّ
أني منك تخلصتُ
إني الآن حرٌ[11]”
إن انفتاح النص الشعري على مكون السير ذاتي في هذا المقطع، أعطى للقصيدة جمالية خاصة في تلقيها، فبفضل هذا الانفتاح، يضعنا الشاعر أمام مقطع تحول إلى حدث من أحداث سردية عاشها، يصور فيها بتوظيف ضمير المتكلم المفرد ( لا تقربني/ إني/ أني/ أطوي…) ما وقع له جراء تخلصه من المخاطبة الحبيبة التي كان تحت قيد حبها سجينا منشغلا عن شيء يمثل له علاج الذات ومتنفسا جديدا للهروب من الكآبة، وهو الكتابة، وهذا ما يتضح من خلال قوله ( أطوي موج الحرف)/ أكتب على الشط/ أني الآن حرٌ). الشيء نفسه عبر عنه في إحدى مقاطع هذه القصيدة بقوله:
قد مضى وقتٌ طويل
لم أخرجْ للريح
لم يبللني نَدى الموج ْ
لم تُقرِئني النوارس ُ
سلامُ جسد راقص
خلفَ بحري.
لم يعدْ لي
في حرقةِ الوقت
الصمتُ..[12]
واضح من خلال هذا المقطع، أن الشاعر كان يعيش حالةً من الانكسار الداخلي، حالة من الحرقة التي أدخلته دوامة الصمت، وأبعدته عن عالم الريح عالم النوارس، حيث التأمل والأمل والإلهام لوقت طويل، فضغط حرقة الوقت لن يكون مرة أخرى عاملا من عوامل الصمت، ولن يكون عائقا للابتعاد أكثر عن عالم البوح رغم انشغالات الحب واكراهاتها، وهذا ما يقره في آخر القصيدة، إذ يقول:
الليلُ حكايةٌ أخرى لي ..
نشيدٌ ممتدٌ في صمتي
انتشاءُ بالبدر ..
سويعة يرتجل في الأفق
ويكتمل في نبضي ..
قصيدا لــ ..
امرأة شمرت عن قلبها
تركت ظلي
وبعضا من أوراق
احترقت في كفي .[13]
لقد ختم الشاعر قصيدته هاته بهذا المقطع، الذي استهله بزمان الليل مرة أخرى، ليروي لنا حكاية ممتدة يرتجل فيها نبض قلبه، كي ينتج قصيدة محورها المرأة، التي كانت وراء احتراق القلب وسقوط القصيدة التي تروي قصة رحيلها.
- قصيدة النثر : بين السير ذاتي وجمالية الومضة .
تعتبر قصيدة الومضة من الأجناس الشعرية الجديدة التي تكشف عن مآل تطور وامتداد قصيدة النثر في راهن الشعر المغربي، حيث صارت أكثر تكثيفا واختصارا، بناء ودلالة، الشيء الذي جعلها تحظى باهتمام النقاد والدارسين، نظرا لكونها تعتبر إحدى آخر الإبدالات الجديدة التي ترمي إلى شد أفق انتظار المتلقي بشكلها القصير جدا، ودفعه إلى التفاعل معها، لإحياء تلك الصلة التي بدأت تتلاشى بين الشعر والقارئ، لاعتبارات كثيرة منها ماله علاقة بالبناء، ومنها ماله علاقة بالتيمات والرؤيا.
فظهور هذا الشكل الجديد من الكتابة، هو تفسير وتصوير مصغران للعالم الذي صرنا نعيش فيه، عالم العولمة والرقميات، عالم السرعة، لهذا اضطر شعراء الشعرية الجديدة بالمغرب بدورهم لمواكبة هذا النمط الجديد من الحياة، بأسلوب شعري يتماشى وروح العصر، وذلك لتبليغ همومه وأسئلتهم وهواجسهم في حلة تستميل اهتمامات القراء، الذين صاروا أكثر ارتباطا بكل ما هو خفيف على النفس ومؤثر فيها، وفي هذا السياق يقول عبد اللطيف الوراري واصفا بعض ملامح هذا الجنس الجديد من زاوية انفتاح على جنس السيرة: ” إن قصيدة السير ذاتية هي بمثابة نصوص، شذرات، واستدعاءات مقطعية، يميزها استعمال “أنا” سيرذاتي مرتبط بالاسم الشخصي للشاعر، ولكنه أنا يتخفف من غلواء التطابق الذي نعثر عليه في السيرة الذاتية. الأنا كنسق ناظم لأصوات متشظية، نلتقي به في أكثر من مكان؛ في الإهداءات والتصديرات، والتواريخ والاقتباسات والإيحاءات الموازية”[14].
وبالرجوع للديوان المشتغل عليه لمحمد منير، نجد أولى تمظهرات هذا الجنس بارزة في القصيدة الأولى ( ليل يحرسه الغيم في صدري) على شكل مقاطع مختصرة مكتوبة بخط مضغوط، وفي بضع كلمات، في إشارة من الشاعر على أنها مستقلة شكلا وبناء عن جسم القصيدة الذي كتب بخط غير مضغوط، ومن بين هذه المقاطع الومضية، نذكر ما قاله الشاعر في مستهلها:
لم يعرفني
في زحام الغيم
ظلي[15].
إن المتأمل في هذه الومضة، في معزل عن قصيدة النثر التي تنتمي إليها، سيدرك أنها تحمل في طياتها الكثير من المعاني، التي تختلف دلالاتها من قارئ إلى آخر، وهذا الاختلاف هو ما يعطي لهذا الجنس الجديد من الشعر جماليته، التي تستمد شعريتها من بلاغة الغموض، كتقنية من تقنيات القصيدة المعاصرة.
يعبر الشاعر من خلال هذه الومضة عن تيهه وسط ما يخالجه من أفكار يصعب الإمساك بها، برمز “زحام الغيم”، الزحام الذي أفقده البوصلة، وأدخله في تيهٍ فصل ذاته عن ظلها، ولم يعد يعرف من أين سيبدأ ولا أين سيتجه في كتاباته، بإضافة جملة اعتراضية – قال وجهي- ضمن القصيدة النثرية نفسها ( ليل يحرسه الغيم في صدري)، في القصيدة الومضية الثانية، ووجه الشاعر هنا، يرمز إلى الكثير من الأشياء أهمها ما يكتبه وتوجهه الفكري، وفي هذا يقول:
لم يعرفني- قال وجهي-
في زحام الغيم
ظلي..
وسلمني للتيه[16].
وعلاوة على الأبعاد الدلالية المختلفة لقصيدة الومضة، لا بد من الإشارة إلى أن المزج بين القصائد النثرية والقصائد الومضية في قالب واحد، كما فعل شاعرنا محمد منير، في هذه القصيدة، يعد ضربا من ضروب التجريب، وملمحا من أهم الملامح الراصدة لأبرز التحولات التي أضفت جمالية فنية على راهن الشعر المغربي.
ومنه، نخلص إلى أن قصدة الومضة تعد من أهم الأشكال الشعرية الجديدة، التي “تترك أثرا يشبيه الوميض[17]” في نفسية المتلقي، نظرا لكونها تتسم بـ”وحدة الموضوع وكثافتها العالية التي تستلزم الاقتصاد الشديد في استعمال حروف العطف والمفردات الكمالية التي لا تخدم الموضوع، وتخلو هذه القصيدة بطبيعة الحال من الحشو والتطريز والمحسنات البديعة الأخرى”[18]، تماما كما رأينا في المقطعين السابقين، وما نلفي في قصيدة (في محراب الليل) التي قسمها محمد منير إلى سبع مقاطع ومضية مختصرة جدا، وهي على الشكل الأتي:
الليل يجمع حقائبه
يطوي النجوم في عيني
(1)
ويبيع القمر للشمس.
(2)
الليل سرير مبلل بحبر العمر
(3)
الليل كامرأة في الجنس
لا يروي عطشه البحر.
(4)
الليل وسادة
وأنا سرير سواده
(5)
الليل أغنية
تسرقها شفتاي
من حضن القمر
(6)
الليل ضوئي
قبلتي القمر.
(7)
الليل محراب السواد
وقداس الفراشات.[19]
واضح من خلال هذه القصيدة أن الشاعر اختار لها، من خلال عتبتها الكبرى، الليل زمانا لأحداثها الرئيسية، إذ لا يخلو هذا العنصر الزماني من كل ومضة من ومضات هذه القصيدة، في تأكيد من الشاعر على أن هذا الزمان يمثل له أشياء كثيرة، لذا، فهو حسب كل ومضة، يدل أو يرتبط بحدث معين، فهو السفر مع مكونات الطبيعة، والسرير المغري، والمرأة في الأنس والمتعة، والوسادة المريحة، والأغنية المطربة، والضوء الذي يستنير به شعرا في محرابه. وبتعبير آخر، فالليل، ليس فقط في هذه القصيدة وحسب، وإنما في كل أرجاء قصائد الديوان، لحظات زمانية تساعد الشاعر على تفريغ الهموم ووسيلة من وسائل الإبداع التي دفعت اليد المبدعة إلى إسقاط أسئلة الشاعر من شجرة الإبداع.
الخلاصة:
وخلاصة لكل ما سبق نصل إلى التأكيد على أن قصيدة النثر المغربية امتداد للتحولات الجغرافية التي عرفتها القصيدة المغربية المعاصرة في راهن الشعر المغربي المعاصر، بناء ودلالة، إذ استطاع شعراء الشعرية الجديدة أن يؤسسوا فضاء شعريا يؤمن باستمرارية التجاوز نحو المتحول والمتغير، وذلك باتباع كل ما يتيحه التجريب من آليات فنية تخول للشاعر تفجير كل الممكنات المساعدة على تطوير واقع الشعر بالمغرب، وفق رؤيا شعرية جديدة تربط آفاق قصيدة النثر وبنتها الومضة بأسئلة الذات في علاقتها بما يؤرق همومها وتطلعاتها، تماما كما هو بارز في ديوان محمد منير ( الشجرة التي أسقطتني كانت يدي) ، الذي يعد نموذجا لراهن الشعر المعاصر بالمغرب، إذ استطاع الشاعر عبر تقنية التجسير، سواء بين ما هو شعري وما هو سير ذاتي أو ما هو شعري و ما هو ومضي بوصفه جنسا وشكلا جديدا من الكتابة الشعرية، أن يعبر بنا نحو عوالم، مليئة بأسئلة وصور مقلقة، كأنها شجرة متشظية فروعها وتيماتها، والقاسم المشترك بين فروعها زمان الليل، كفترة مساعدة نفسيا على البوح والتأمل في مسارات الذات لترتيب أوراقها.
قائمة المصادر والمراجع
[1] – إيمان الناصر: قصيدة النثر العربية التغاير والاختلاف مؤسسة الانتشار العربي، ط1، 2007، ص: 13.
[2] – صلاح بوسريف: صلاح بوسريف، رهانات الحداثة أفق لأشكال محتملة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1996، ص: .24
[3] -صلاح بوسريف: رهانات الحداثة أفق لأشكال محتملة، ص: 25.
[4] – محمد بنيس: نقلا عن مجلة البيان، العدد 608، مارس 2021، ص 21.
[5] – عبد اللطيف الوراري: قصيدة النثر المغربية: هل خذل شعراؤها مشروع الانفتاح؟ موقع جريدة القدس، 17 يناير 2025.
[6] – أحمد العمراوي: الحساسية الشعرية الجديدة في راهن الشعر المغربي أسئلة الذات، أسئلة الآخر وكتابة الأثر، مجلة البلاغة والنقد الأدبي، ملف الشعر المغربي الحديث والمعاصر، ع 7، شتاء 2016، ص: 87.
[7] – أحمد العمراوي: الحساسية الشعرية الجديدة في راهن الشعر المغربي أسئلة الذات، أسئلة الآخر وكتابة الأثر، مجلة البلاغة والنقد الأدبي، ملف الشعر المغربي الحديث والمعاصر، ع 7، شتاء 2016، ص: 98.
[8] _ فليب لوجون: السيرة الذاتية، الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، ط1، 1994، ص: 22.
[9] – عبد الحق وفاق: بنيات التحول والامتداد في الشعر العربي المغربي، دراسات نقدية، منشورات دار الشعر- سلسلة نقد 7، ط1، 2023، ص: 205.
[10] – محمد منير: الشجرة التي أسقطتني كانت يدي، ص: 7-8.
[11] – المصدر نفسه، ص: 23.
[12] – محمد منير: الشجرة التي أسقطتني كانت يدي، ، ص: 26.
[13] – المصدر نفسه، 30.
[14] – عبد اللطيف الوراري: في راهن الشعر المغربي من الجيل إلى الحساسية، منشورات دار التوحيدي، ط1، 2014، ص: 91-92
[15] – محمد منير: الشجرة التي أسقطتني كانت يدي، ص: 8.
[16] – المصدر نفسه، ص: 9
[17] – أماني الحنفاوي، خاتمة قصيدة الومضة دراسة تحليلة، مجلة كلية الآداب جامعة الفيوم، مج 14، ع 1 يناير، 2022، ص: 2304.
[18] – المرجع نفسه.
[19] – محمد منير: الشجرة التي أسقطتني كانت يدي، ص: من 13/ 20


