On Research

مقالات تحليلية

عصر الإكراه: قراءة في انهيار السياسة وتحييد الجماهير

Email :1133

إعداد

محسن الشوبكي

خبير أمنى واستراتيجي

المملكة الأردنية الهاشمية

ملخص تنفيذي

ترصد هذه الدراسة التحول العالمي من “فن الممكن” إلى “عصر الإكراه”، حيث تتراجع الدبلوماسية أمام منطق القوة، ويتحوّل الاقتصاد إلى سلاح، فيما تُدار الجماهير عبر التخويف وتوجيه القناعات. وتستند القراءة إلى مؤشرات من الاستراتيجية الأمريكية 2025، التي جعلت من التفوق العسكري والاقتصادي وحرب المعلومات ركائز لإعادة تشكيل النظام الدولي، لتضع القارئ أمام صورة مكثفة عن مستقبل الاستقرار الهش والصراع المستتر.

مدخل: تغير قواعد اللعبة السياسية

لطالما اعتُبرت السياسة “فن الممكن”، أي القدرة على الوصول إلى أنصاف الحلول عبر التفاوض. لكن المشهد الدولي الراهن يشير إلى خروج واضح عن هذا المسار؛ حيث انتقلت محركات العمل السياسي من الرغبة في التفاهم إلى الرغبة في فرض السيطرة. نحن أمام مرحلة توقفت فيها الدبلوماسية المرنة، وبزغت معادلة جديدة ترتكز على القوة المباشرة، واستخدام الاقتصاد كسلاح، وإدارة مخاوف الشعوب.

أولاً: السيادة المطلقة للقوة (تجاوز التفاوض)

تحولت القوة من وسيلة ضغط لتحسين شروط الحوار إلى هدف قائم بذاته. في الماضي، كانت الجيوش تتحرك لترسم حدوداً يجلس خلفها القادة للاتفاق، أما اليوم فإن القوة العسكرية والتقنية تُستخدم لفرض واقع لا يقبل النقاش. هذا التحول يعكس انهيار الثقة في المنظمات الدولية التي كانت تلعب دور الوسيط، ويتقاطع مع ما ورد في الاستراتيجية الأمريكية 2025 حول تعزيز التفوق العسكري والتقني كأداة لفرض النظام الدولي.

ثانياً: الاقتصاد كأداة للإخضاع لا للرفاه

لم يعد الاقتصاد وسيلة لتبادل المصالح أو تحقيق التنمية، بل تحول إلى سلاح لا يقل خطورة عن الصواريخ. إن التحكم في موارد الطاقة، واحتكار السلع الأساسية، وفرض الحصار المالي، كلها أدوات تهدف إلى كسر إرادة الطرف الآخر قبل أي حوار. هذا “التوظيف الحربي” للاقتصاد جعل من لقمة العيش ورقة ضغط أساسية، وهو ما ينسجم مع توجهات الاستراتيجية الأمريكية 2025 في توظيف العقوبات الاقتصادية والقيود التكنولوجية لإعادة تشكيل السلوك الدولي.

ثالثاً: تحييد الشعوب عبر “توجيه القناعات”

تراجع دور الشعوب كطرف مؤثر، ليس بسبب غياب الرغبة في التغيير، بل نتيجة استراتيجيات “السيطرة على المشاعر”. يظهر ذلك جلياً في خطابات التعبئة والتحريض التي تصنع حالة من الخوف الدائم، حيث يُصوَّر أي صوت معارض كتهديد للوطن. كما تُستخدم التكنولوجيا لتقسيم المجتمع وتشتيت الرأي العام، مما يمنع تشكّل موقف شعبي موحد. هذا المحور يرتكز على الحرب الدعائية والسيطرة على السرديات، وهو ما يتطابق مع مفهوم “حرب المعلومات” في الاستراتيجية الأمريكية 2025.

رابعاً: إدارة الخوف وصناعة التبعية

تعيش المجتمعات تحت ضغط “الخوف المنظم”؛ ليس من الحرب فحسب، بل من المجهول، وانهيار المعيشة، وفقدان الاستقرار. تستغل الأنظمة هذا القلق لإقناع المواطن بأن ثمن المطالبة بالتغيير هو الفوضى والضياع. يكمن الفرق هنا عن المحور السابق في أن “تحييد الشعوب” ركز على التعبئة ضد العدو الخارجي، بينما يركز هذا العنوان على التخويف من الفوضى الداخلية، وهو ما يلتقي مع رؤية 2025 حول إدارة المخاطر الاجتماعية لضمان الاستقرار التابع.

خامساً: نظرة مستقبلية (توقعات الاستقرار الهش)

يمكن توقع استمرار المواجهات غير المباشرة، حيث تسعى الدول لإضعاف خصومها دون الانزلاق إلى حرب شاملة. كما سيؤدي الاعتماد المفرط على سلاح الاقتصاد إلى نشوء تكتلات مغلقة، مما ينذر بنهاية عصر الانفتاح العالمي. ورغم نجاح خطابات التحريض حالياً، إلا أن الضغط المعيشي قد يصل إلى مرحلة تعجز فيها الشعارات عن سد جوع الناس، مما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية غير متوقعة. هذه التوقعات تتقاطع مع ما ورد في الاستراتيجية الأمريكية 2025 حول تعدد ساحات الصراع الهجين وتراجع التعاون الدولي.

خاتمة

العالم لا يمر بأزمة عابرة، بل يعيد ترتيب موازين القوى حيث حل “الإجبار” محل “الدبلوماسية”. وفي ظل غياب الرقابة على القوة وتغييب وعي الجماهير، يبقى الاستقرار العالمي معلقاً بحسابات القادة ومراكز القوى، بعيداً عن تطلعات الشعوب أو مواثيق القانون الدولي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts