On Research

وحدة الدراسات الاقتصادية

عرض كتاب : الخليج والصراع التجاري بين الصين والغرب “إعادة التوازن المفقود”

Email :15294

إعداد

ا.د  أسماء أمين حسن

أستاذ دكتور بجامعة الازهر

جمهورية مصر العربية 

 

مقدمة

يتميز د. أحمد بن ثنيان المهاشير بطرحٍ فكريٍّ عميقٍ ورؤيةٍ تحليليةٍ متوازنة، يجمع بين الخبرة الأكاديمية والوعي السياسي. ويعد الدكتور أحمد من الأصوات البحثية الخليجية المعاصرة التي برزت في حقل «الجيوسياسة والاقتصاد السياسي الدولي»، وهو يمثل جيلًا من العرب الذين لا يكتفون بتلقي النظريات الغربية، بل يعملون على إنتاج مفاهيم تحليلية نابعة من التجربة الخليجية ذاتها؛ وبذلك يضع الخليج في موقع المفكِّر في النظام العالمي، لا مجرد موضوع للدراسة. وهو يقدم في كتابه «الخليج والصراع التجاري بين الصين والغرب: إعادة التوازن المفقود» قراءةً رصينةً يركز فيها على الدور الوظيفي للخليج: “الطاقة، العبور، التمويل، المدن الذكية”، بدل المقاربات التقليدية التي تحصره في البعد النفطي فقط.

عرض كتاب: الخليج والصراع التجاري بين الصين والغرب: إعادة التوازن المفقود تأليف: الدكتور أحمد بن ثنيان المهاشير الطبعة الأولى: 2026 مكان النشر: الكويت

يقدّم الدكتور أحمد بن ثنيان المهاشير في هذا الكتاب طرحًا فكريًا عميقًا ومتماسكًا، يخرج بالقارئ من أسر القراءات التقليدية للصراع الدولي، وينقله إلى أفق تحليلي جديد يرى في دول مجلس التعاون الخليجي فاعلًا توازنيًا لا تابعًا ولا منافسًا، بل «عقلًا استراتيجيًا ثالثًا» قادرًا على إعادة ضبط إيقاع النظام العالمي في لحظة تاريخية تتسم بالاضطراب والاستقطاب الحاد.

لا يتعامل المؤلف مع الخليج بوصفه مجرد جغرافيا أو مخزون طاقة، بل يعيد تعريفه باعتباره بنية ذهنية ووظيفية تمتلك أدوات ناعمة وصلبة، تمكّنها من لعب دور محوري بين قطبين عالميين: الصين الصناعية السوقية، والغرب التكنولوجي المالي. ومن خلال ما يسميه «المعادلة الثلاثية» (الخليج = طاقة + عبور + توازن)، ينسج الكاتب رؤية متكاملة تفسّر كيف تحوّلت المنطقة من هامش متأثر بالتقلبات الدولية إلى مركز فاعل في إدارتها واحتوائها.

أسلوب الكتاب:

يمتاز الكتاب بأسلوبه الرصين الواضح، الذي يجمع بين العمق الأكاديمي وسلاسة الطرح، دون إسراف في التنظير أو تعقيد لغوي. فالنص مكتوب بلغة تحليلية هادئة، تتكئ على التاريخ والاقتصاد والجغرافيا السياسية، وتستحضر الوقائع الكبرى – من الأزمة المالية العالمية عام 2008، إلى تحولات سلاسل الإمداد، وصعود المدن الخليجية المحورية – بوصفها شواهد عملية على صحة الفرضية التي يدافع عنها المؤلف.

أهمية الكتاب:

كما يكتسب الكتاب أهمية خاصة من كونه لا يكتفي بتشخيص الواقع، بل يقدّم تصورًا استشرافيًا لمستقبل النظام الدولي، ينتقل فيه مركز الثقل من منطق الصراع الصفري إلى منطق التكامل الوظيفي، ومن هيمنة الدول الكبرى إلى شبكات المدن الذكية الرابطة؛ حيث تظهر مدن الخليج بوصفها عقدًا عالمية قادرة على جمع المال والطاقة والمعرفة والتكنولوجيا في آنٍ واحد.

بنية الكتاب وتقسيمه:

قُسِّم الكتاب تقسيمًا منهجيًا دقيقًا، يجعل القارئ ينتقل بسلاسة من الإطار النظري إلى التطبيق العملي، ومن التحليل البنيوي إلى الاستشراف المستقبلي، بما يمنح العمل تماسكًا فكريًا واضحًا، ويؤكد نضج الرؤية التي ينطلق منها المؤلف.

الفصل الأول: دول مجلس التعاون الخليجي كعقل استراتيجي ثالث

يضع هذا الفصل الأساس النظري للكتاب، حيث يقدّم المؤلف مفهوم «العقل الاستراتيجي الثالث» بوصفه إطارًا تحليليًا جديدًا لفهم موقع الخليج في النظام الدولي المتعدد الأقطاب. ويشرح كيف تجاوز الخليج ثنائية الصراع الأيديولوجي التقليدي، ليؤدي دورًا توازنيًا يقوم على إدارة المصالح المتشابكة، لا على الانحياز أو المواجهة.

الفصل الثاني: الخليج بين الشرق والغرب – من الجغرافيا السياسية إلى الدور التكاملي

ينتقل المؤلف في هذا الفصل من التنظير إلى التحليل الجيو-اقتصادي، موضحًا كيف تحوّل الموقع الجغرافي الخليجي من معبر ساكن إلى أداة تشغيل عالمية لسلاسل الإمداد والطاقة والتجارة. ويبرز هنا مفهوم «المعادلة الثلاثية» بوصفه مفتاحًا لفهم الترابط البنيوي بين الخليج والصين والغرب، ضمن نظام عالمي شديد التعقيد.

الفصل الثالث: الأدوات الاقتصادية والمالية للقوة الخليجية

يتناول هذا الفصل الدور المحوري للصناديق السيادية الخليجية، وقدرتها على تثبيت النظام المالي العالمي في لحظات الاضطراب، ولا سيما خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث تحوّلت السيولة الخليجية من مجرد فائض مالي إلى أداة توازن وحماية للاقتصاد العالمي من الانهيار.

الفصل الرابع: المدن الخليجية المحورية والذكية

يخصّص المؤلف هذا الفصل لتحليل صعود المدن الخليجية بوصفها عقدًا مركزية في شبكة المدن العالمية، مثل دبي والرياض والدوحة والكويت، ويتوقف عند مشروع «نيوم» بوصفه مختبرًا حضريًا لمستقبل يقوم على التكنولوجيا والاستدامة والإنسان، ويعكس انتقال الخليج من منطق الموارد إلى منطق المعرفة والابتكار.

الفصل الخامس: الخليج وصراع الحضارات – من الصدام إلى الالتقاء

يفنّد هذا الفصل أطروحة «صراع الحضارات» لصامويل هنتنغتون، ويقدّم التجربة الخليجية نموذجًا عمليًا على إمكانية الالتقاء الحضاري، حيث تحوّلت مدن الخليج إلى فضاءات إنسانية جامعة، تلتقي فيها الثقافات والمصالح دون صدام أو إقصاء.

الخاتمة:

تأتي خاتمة الكتاب خلاصة فكرية ناضجة، يؤكد فيها المؤلف أن الخليج لم يعد ينتظر النظام العالمي ليتشكّل، بل يشارك فعليًا في صناعته. فدوره اليوم يتجاوز تصدير الطاقة أو استضافة الاستثمارات، ليصل إلى إدارة التوازنات، واحتواء الأزمات، وصياغة مسارات بديلة تمنح العالم فرصة جديدة للاستقرار والتكامل.

كلمة أخيرة:

إن هذا الكتاب لا يضيف مجرد رؤية تحليلية جديدة، بل يؤسس لخطاب عربي معاصر في فهم القوة والدور والمكانة الدولية. وهو عمل يذكّر القارئ بأن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بالهيمنة، بل بالحكمة، ولا بالاصطفاف، بل بالقدرة على الجمع، ولا بالصراع، بل بصناعة التوازن. وبذلك يغدو «الخليج والصراع التجاري بين الصين والغرب: إعادة التوازن المفقود» مرجعًا فكريًا مهمًا لكل من يسعى إلى فهم العالم كما هو، لا كما اعتدنا أن نراه، وإلى إدراك الدور الخليجي بوصفه ضرورة دولية لا غنى عنها في زمن الاضطراب العالمي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts