إعداد
محمود السقا
باحث دكتوراه كلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
في مشهد جيوسياسي متشابك بين دولتين عربيتين تتمتعان لعضوية جامعة الدول العربية، يعيد المشهد تشكيل تحالفات القرن الإفريقي والعلاقات العربية-الإفريقية. تبرز الأزمة المتصاعدة بين الصومال والإمارات العربية المتحدة كحالة دراسية معقدة تجسد تقاطعات الصراع الإقليمي والتنافس الدولي والمصالح المتضاربة. هذه الأزمة ليست مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل هي انعكاس لتحولات عميقة في السياسة الإقليمية، حيث تتصادم مفاهيم السيادة الوطنية مع استراتيجيات القوى الخارجية، وتتقاطع مسارات التطبيع العربي-الإسرائيلي مع النزاعات الانفصالية الإفريقية.
في صلب هذا التوتر يقف قرار الصومال بمراجعة وإلغاء اتفاقياتها مع الإمارات؛ قرارٌ لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق ثلاثي الأبعاد؛ أولاً: العلاقات الإماراتية المتعددة المستويات مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، ثانياً: التطبيع الإماراتي الإسرائيلي وتداعياته الإقليمية، وثالثاً: الاعتراف الإسرائيلي الأخير بأرض الصومال كتطور مزلزل يعيد ترتيب أولويات مقديشو الأمنية.
تكتسب هذه الأزمة زخماً متجدّداً في الأشهر الأخيرة، حيث تشير تقارير ومصادر صومالية إلى أن الإمارات واصلت تعزيز علاقاتها مع سلطات أرض الصومال في “هرجيسا” رغم الاعتراضات الرسمية المتكررة من الحكومة الفيدرالية في مقديشو. هذا الدعم الإماراتي يتجسد في استثمارات بنية تحتية واتفاقيات أمنية ودعم سياسي غير مباشر، مما يُنظر إليه في العاصمة الصومالية كتحدٍ صريح لسيادتها وسلامتها الإقليمية. الوضع يشبه لعبة شطرنج جيوسياسية حيث تُستخدم أرض الصومال كقطعة في صراع نفوذ أوسع، بينما تدفع مقديشو ثمن هذا التنافس على أراضيها.
البُعد الثاني الأكثر إثارة للجدل يتمثل في العلاقة الوثيقة بين التطبيع الإماراتي الإسرائيلي (اتفاقيات إبراهام 2020) والتحول في السياسة الإسرائيلية تجاه القرن الإفريقي؛ ففي أعقاب التطبيع شهدت العلاقات الإسرائيلية-الإماراتية تعاوناً استخباراتياً واستراتيجياً متزايداً في مناطق متعددة بما فيها القرن الإفريقي. هذا التحالف الثنائي الجديد أسس -بحسب تحليلات صومالية وإقليمية- لسيناريو اعتراف إسرائيل الرسمي بأرض الصومال، ويعتبر ذلك خطوة كانت مستبعدة سابقاً في الدبلوماسية الإسرائيلية المحافظة تجاه القضايا الإفريقية.
الأحداث الحالية تشهد تصعيداً ملحوظاً، حيث أعلنت الصومال إلغاء اتفاقيات أمنية وعسكرية مع الإمارات وطالبت بمراجعة جميع التعاون الثنائي. ردود الفعل الإماراتية كانت متحفظة لكنها حازمة مع تأكيد التزامها بمصالحها في المنطقة. في الوقت نفسه، تستمر التقارير عن اجتماعات بين مسؤولين إماراتيين وإسرائيليين وسلطات أرض الصومال، مما يغذي شكوك مقديشو بأن هناك “محوراً” ثلاثياً يعمل ضد استقرارها.
العلاقات التعاونية بين الصومال والإمارات
العلاقات الإماراتية الصومالية تمثل شكلاً تعاونياً على مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، وامتدت تلك العلاقات وصولاً لمجالات البنية التحتية الصومالية، وكانت أهمها:
1 – العلاقات الأمنية والعسكرية:
تربط الإمارات العربية المتحدة والصومال علاقات تعاون طويلة الأمد تعود إلى فترة حكم الرئيس محمد سياد بري، حيث تحولت إلى شراكة استراتيجية كان لها دور مؤثر في تعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية الصومالية.
- أ – الدعم العسكري المادي واللوجستي: تمثل أحد أوجه هذا التعاون في الدعم العسكري المباشر الذي قدمته الإمارات للجيش الصومالي، حيث زودته بـ 12 طائرة من طراز هوتر هانكر (Hawker Hunter) والعديد من العربات المدرعة في مرحلة مبكرة، وقد استُخدمت هذه المعدات بشكل فعال في العمليات العسكرية التي استهدفت مواجهة التنظيمات الإرهابية والمجموعات المسلحة، مما أسهم في تعزيز القدرات الدفاعية للصومال في مراحل حرجة من تاريخه الحديث.
- ب – التعاون في مجال التدريب وبناء القدرات: لم يقتصر التعاون على الجانب التسليحي فحسب، بل امتد ليشمل مجالات التدريب الأمني والعسكري المتقدمة. ومن أبرز التجارب الناجحة في هذا الصدد إطلاق الإمارات برنامجاً تدريبياً متخصصاً في عام 2014 لتدريب وتأهيل حرس القصر الرئاسي الصومالي، مما ساهم في تعزيز الحماية للمؤسسات الرسمية والقيادات السياسية. وقد تميز النهج الإماراتي بقدرته على تحقيق نجاحات لافتة في مجال تدريب الجيش الصومالي في وقت واجهت فيه جهود دولية أخرى -مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي- تحديات كبيرة في هذا المجال، ويعود سر هذا النجاح إلى فهم الإمارات للطبيعة الاجتماعية المرتكزة على النظام العشائري الذي يشكل أساس تكوين الألوية العسكرية الصومالية؛ فبدلاً من محاولة إعادة هيكلة الجيش وفق نمط خارجي، راعت الإمارات هذه التركيبة الاجتماعية في تصميم برامجها التدريبية، مما أكسبها قبولاً أوسع وفاعلية أكبر على الأرض.
- ج – الدعم الإنشائي واللوجستي المتواصل: كما واصلت الإمارات دعمها للصومال عبر إعادة بناء وتأهيل المعسكرات العسكرية ومراكز الشرطة التي تعرضت لأضرار جسيمة بسبب أعمال التخريب والنزاعات المسلحة، وقد ساهم هذا الدعم في استعادة البنى التحتية الأمنية لكفاءتها التشغيلية، مما انعكس إيجاباً على استقرار المناطق المحررة وتعزيز سيطرة الدولة. بدأت الإمارات في تخفيض دعم الصومال بعد اتفاقيات التعاون المشترك التركي الصومالي، خاصة في المجال البحري على خلفية حصول أثيوبيا على ميناء بربرة بالاتفاق مع أرض الصومال، حيث أبدت الإمارات اعتراضها على التعاون التركي الصومالي، مما دفع الإمارات لتقليص حجم الدعم العسكري [1].
2 – العلاقات الاقتصادية:
تمتد العلاقات الاقتصادية بين الإمارات العربية المتحدة والصومال إلى عقود طويلة، حيث تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي، وقد شكّلت تجارة الماشية الركيزة الأولى لهذه العلاقات مستفيدةً من الموقع الاستراتيجي للصومال كبلد غني بالثروة الحيوانية ومن حاجة أسواق الخليج المتعطشة لهذه السلع الأساسية. ومع مرور الوقت، لم تبقَ هذه العلاقات حبيسة النطاق التجاري الضيق، بل تطورت وتشعبت لتصبح واحدة من أكثر الشراكات الاقتصادية تأثيراً واستمرارية في منطقة القرن الإفريقي.
منذ تلك البدايات المتواضعة، نمت العلاقات التجارية بين البلدين نمواً مطرداً لتحقق قفزات كبيرة خاصةً بعد النهضة العمرانية والاقتصادية التي شهدتها الإمارات، وقد استفاد الصومال من قربه الجغرافي ومن الروابط الثقافية والدينية واللغوية مع دول الخليج، ليجد في السوق الإماراتية منفذاً حيوياً للسلع ووجهةً رئيسية للاستيراد. وتشير الإحصاءات الحديثة إلى عمق هذا الترابط، حيث تُعد الإمارات الشريك الاقتصادي الأهم للصومال، مسؤولةً عن تزويدها بما يقارب 44% من إجمالي احتياجاتها الاستيرادية التي تتنوع بين المواد الغذائية والأدوية والسلع الاستهلاكية ومواد البناء.
لكن العلاقات الاقتصادية لم تقتصر على حركة البضائع فقط، بل شملت أيضاً حركة رؤوس الأموال والأيدي العاملة؛ فبعد الاضطرابات السياسية والأمنية التي أعقبت انهيار نظام الرئيس محمد سياد بري في أوائل التسعينيات، شهدت الصومال هجرة كبيرة لرأس المال والكفاءات. وجدت هذه التدفقات في الإمارات، باقتصادها الديناميكي وبيئتها الآمنة والمستقرة، ملاذاً ومجالاً خصباً للنمو. وقد أسهمت السياسات الانفتاحية الإماراتية في جذب الاستثمارات الصومالية التي تجاوزت اليوم 175 شركة ومؤسسة مسجلة تعمل في قطاعات متنوعة مثل التجارة والمقاولات والخدمات اللوجستية والوساطة المالية.
في المقابل، لم تكن السياسة الاقتصادية الإماراتية تجاه الصومال مجرد استجابة لفرص السوق أو دوافع إنسانية بحتة، بل تمثل جزءاً من استراتيجية اقتصادية إقليمية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ وبناء شبكة من المصالح المترابطة. من خلال الاستثمار في القطاعات الحيوية والبنية التحتية الصومالية، وتوفير خطوط ائتمان وتمويل للتجارة، تسعى الإمارات إلى ترسيخ موقعها كلاعب اقتصادي محوري لا يمكن الاستغناء عنه في القرن الإفريقي [2].
3 – العلاقات الإنمائية:
تقوم الإمارات العربية المتحدة بتنفيذ مجموعة متنوعة من المشاريع التنموية في الصومال، تشمل إنشاء المرافق التعليمية والصحية. ويُعد مستشفى الشيخ زايد من أبرز هذه المنشآت، حيث يوفر العلاج المجاني لنحو 300 مريض يومياً، وقد أعيد افتتاحه بعد إغلاق سابق في عهد الرئيس محمد عبد الله فرماجو.
ولا تقتصر المشاريع الإماراتية على الجوانب الإنسانية، بل تمتد لتشمل تطوير البنى التحتية الحيوية وفي مقدمتها الموانئ؛ فقد قامت شركة “بي أند أو” بإكمال تطوير ميناء بوساسو عام 2017 باستثمار بلغ 336 مليون دولار، كما تشارك الإمارات في تطوير ميناء بربرة باستثمار قدره 442 مليون دولار ينفذ على مرحلتين، وتهدف هذه المشاريع إلى خلق فرص عمل وتحفيز النمو الاقتصادي في الصومال [3].
دوافع الصومال لإلغاء جميع اتفاقياتها مع الإمارات
ألغت الصومال جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات العربية المتحدة كقرار صومالي منفرد يسعى للحفاظ على وحدة الصومال وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتهم فيها الصومال الإمارات بتهديد السيادة الوطنية؛ فقد توترت العلاقات الصومالية الإماراتية في 2018 لذات السبب، وعادت العلاقات الإماراتية الصومالية للتوتر مرة أخرى منذ 2024، حيث تعتقد الصومال بشكل كبير أن الاتفاقية بين أثيوبيا وأرض الصومال باستغلال ميناء بربرة جاءت بدعم إماراتي. وقد أدى الاتفاق الأمني التركي الصومالي في نفس العام إلى زيادة التوتر بين البلدين، وتعتبر أهم دوافع الصومال لإلغاء الاتفاقيات مع الإمارات هي الآتي:
1 – تهديد سيادة الصومال واستقلاله السياسي: اتهم رئيس الصومال دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها تسعى لتقويض الوحدة الصومالية وتهدد الاستقلال السياسي للصومال، وذلك نتج عن إقامة الإمارات علاقات أمنية واقتصادية عميقة مع أرض الصومال، الإقليم الذي يسعى للانفصال عن الصومال منذ تسعينيات القرن الماضي. تجلت مظاهر التعاون في الاستثمارات في ميناء بربرة والتي بلغت 442 مليون دولار. شمل التعاون أيضا تعاوناً عسكرياً، حيث صوت برلمان أرض الصومال لصالح إقامة قاعدة عسكرية إماراتية في أرض الصومال، وبالرغم من عدم إقامة تلك القاعدة إلا أن الإمارات تقوم بتدريب قوات الأمن بأرض الصومال [4]. لم تقتصر العلاقات التعاونية مع أرض الصومال فقط، ولكن ترتبط الصومال مع بونتلاند بعلاقات تعاونية اقتصادية تجلت في تطوير ميناء بوساسو وأيضاً علاقات أمنية وعسكرية.
2 – الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي اليمني: أدى الدعم الذي تقدمه الإمارات العربية المتحدة للمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن منذ عام 2015 إلى إثارة خلاف سياسي مع المملكة العربية السعودية الحليف الرئيسي في التحالف، وذلك بسبب تباين الرؤى حول هذا الدعم العسكري والسياسي للمجلس وفصائله. وتعقّد المشهد الإقليمي بظهور خلاف مباشر بين الإمارات والصومال بعدما اتهمت الحكومة الصومالية الإمارات باستخدام الأجواء والأراضي الصومالية لتهريب زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي دون تنسيق أو إذن مسبق، وقد ردّ الصومال على هذه الحادثة بإغلاق مجاله الجوي أمام الطيران الإماراتي، مما أدى إلى تصعيد الأزمة [5].
3 – الاتهام الصومالي للإمارات بدعم اعتراف إسرائيل بأرض الصومال: وجهت الصومال اتهامات للإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم ضمني لإسرائيل في سياق اعترافها بإقليم “أرض الصومال” دون أن تقدم أدلة ملموسة تثبت هذه المزاعم. ويُعتقد أن السياسيين الصوماليين استندوا في اتهاماتهم هذه على العلاقات القائمة بين الإمارات والإقليم الانفصالي، حيث أن تعزيز التعاون الإسرائيلي مع “أرض الصومال” يُرى عادةً على أنه يحتاج إلى دعم إقليمي تتمتع الإمارات بمقوماته. ويأتي هذا الاتهام في سياق اشتراك الإمارات و”أرض الصومال” في كونهما طرفين في اتفاقات إبراهام التي تهدف إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وترى بعض التحليلات أن هذا النوع من التطبيع الإقليمي قد يكون قد منح حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مزيداً من الدفعة السياسية في قراره بشن عمليات عسكرية على قطاع غزة، على الرغم من عدم وجود علاقة سببية مباشرة مثبتة بين الحدثين [6].
سيناريوهات تنتظر الصومال نتيجة إلغاء اتفاقياتها مع الإمارات
1 – السيناريو الأول (زيادة الخلافات مع الأقاليم الانفصالية الصومالية):
يبدو هذا السيناريو الأقربَ إلى الواقع السياسي الراهن، حيث تتصاعد حدةُ التوتر بين الحكومة المركزية في مقديشو والأقاليم الصومالية ذات الحكم الذاتي (صوماليلاند، بونتلاند، جوبالاند). وقد تجلَّى هذا الخلاف بوضوحٍ في معارضة هذه الأقاليم لقرار الحكومة الصومالية بإلغاء الاتفاقيات مع دولة الإمارات العربية المتحدة، مما يعكس فجوةً عميقة في الرؤى السياسية والاستراتيجية بين الطرفين. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخلافات إلى تعميق النزعات الانفصالية وتقويض جهود الحفاظ على السلامة الإقليمية للصومال خصوصاً في ظل الظروف الإقليمية الحساسة. ويُضاف إلى هذا التعقيد التقاريرُ غير المؤكدة حول اعتراف إسرائيل بما يُعرف بـ”أرض الصومال”، وهو ما قد يعمل كعامل محفزٍ إضافي للنزعات الانفصالية، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية جديدة تزيد من اضطراب المشهد الصومالي. ويتطلب هذا الوضع قراءةً متأنيةً للمصالح المتشابكة للإقليم، حيث تلعب العوامل الجيوسياسية والاقتصادية دوراً محورياً في تشكيل التحالفات والمواقف، كما يبرز أهمية البحث عن حلولٍ سياسيةٍ مستدامة تراعي مطالب الأقاليم وتحافظ في الوقت ذاته على سيادة الصومال ووحدته الوطنية في ظل بيئة إقليمية ودولية مليئة بالتحديات والمصالح المتعارضة.
2 – السيناريو الثاني (عدم قدرة الصومال على تعويض غياب الإمارات والبحث عن بديل):
يشكّل تراجع الدعم الإماراتي تحدياً للحكومة الصومالية التي قد تواجه صعوبة في تعويض هذا الغياب خاصة في مجالات حيوية مثل التنمية والتعاون الأمني والعسكري. وقد يدفع هذا الواقع الصومال للبحث عن شريك إقليمي جديد أكثر التزاماً بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وأكثر حيادية في تعامله مع الملف الصومالي. في هذا السياق تبرز تركيا كمرشح رئيسي لملء الفراغ المحتمل، حيث يمكنها تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الصومال واستكمال مشاريع تطوير البنى التحتية والموانئ، وذلك انسجاماً مع مصالحها الاقتصادية والأمنية في منطقة الشرق الإفريقي. كما قد تكون مصر شريكاً بديلاً أو مكملاً نظراً للعلاقات التاريخية والقوية التي تربطها بالصومال ولاهتمامها المتزايد بدول القرن الإفريقي كمجال حيوي لأمنها القومي؛ يمكن لمصر أن تقدم دعماً متوازناً في مجالات التنمية والأمن مع التأكيد على احترام سيادة الصومال ووحدته الترابية.
3 – السيناريو الثالث (انفراج الأزمة وعودة العلاقات الصومالية الإماراتية):
يبدو هذا السيناريو الأقل احتمالاً في الوضع الراهن، رغم كونه يعتمد على خلفية تاريخية تعود لعام 2018 عندما لجأت الصومال إلى مجلس الأمن مدعيةً أن اتفاقيات الإمارات مع إقليم أرض الصومال (خاصة تطوير ميناء بربرة) تُعدّ انتهاكاً لسيادتها وسلامة أراضيها. وبعد سنوات من التوتر، سعت الإمارات مؤخراً (قبل عام 2024) إلى إعادة بناء جسور التعاون مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، ويمكن نظرياً أن تسلك نفس المسار التفاوضي مجدداً لاحتواء الأزمة حفاظاً على نفوذها ومصالحها الاستراتيجية في القرن الإفريقي. إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة، بما في ذلك تقارير عن انسحاب القوات العسكرية الإماراتية من ميناء بربرة، تُضعف هذا الاحتمال بشدة؛ فمثل هذه الخطوات قد تُفسر على أنها إشارة عملية لجدية الإمارات في إلغاء الاتفاقيات مع مقديشو، مما يجعل احتمالية عودة العلاقات إلى سابق عهدها -أو توقيع اتفاقيات جديدة- أمراً بعيد المنال في المدى المنظور، ويُشير إلى أن الإمارات قد تختار تعزيز تحالفاتها الإقليمية البديلة على حساب الشراكة مع الحكومة الصومالية الفيدرالية.
ختاماً
في الختام، يمثل قرار الصومال بإلغاء اتفاقياته مع الإمارات منعطفاً حاداً في مسار علاقات استمرت لعقود، ويبدو أن الدوافع الجوهرية تعكس مخاوف عميقة لدى الحكومة الصومالية من تأثير تلك الاتفاقيات على سيادتها الوطنية وسلامة أراضيها، لا سيما في ظل التعاون الإماراتي المباشر مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، كما يكشف القرار عن رغبة مقديشو في إعادة توجيه تحالفاتها بعيداً عن أي قوى تُنظر إليها على أنها تتدخل في شؤونها الداخلية. على الرغم من الفوائد التنموية التي قدمها الدعم الإماراتي، إلا أن ثمنها السياسي أصبح من وجهة النظر الصومالية باهظاً جداً. يُترك الصومال الآن أمام تحدٍ مزدوج: تعويض غياب شريك استراتيجي مهم مع السعي في نفس الوقت لحماية وحدته الوطنية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد ومليئة بصراعات النفوذ، حيث يعتبر قرار الإلغاء في جوهره هو محاولة من دولة ضعيفة لتأكيد سيادتها واستعادة السيطرة على مصيرها مهما كانت التكلفة.
1- عيدو ليفي، بالحفاظ على دور الإمارات العربية المتحدة وتنسيقه مع الجهود التركية والقطرية يمكن مضاعفة قوة الهجوم الذي تشنه الحكومة الصومالية ضد حركة “الشباب”، معهد واشنطن لدراسات سياسة الشرق الأوسط (الولايات المتحدة الأمريكية – 8 مارس 2024) https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/aldm-alskry-alamaraty-yhdth-frqana-fy-alswmal
2- محمود محمد حسن، العلاقات الاقتصادية الصومالية الإماراتية، مركز مقديشو للبحوث والدراسات (الصومال، ديسمبر 2015) https://mogadishucenter.com/ [3] –
3-الصومال الجديد، الإمارات تدعمها للصومال في كافة الصعدة، (الصومال، أبريل 2023) https://alsomal.net/
4-Martin Plaut, How the UAE built its sphere of influence across the region, including role in Yemen, Jerusalem Post (Israel, January, 2026) https://martinplaut.com/2026/01/02/how-the-uae-built-its-sphere-of-influence-across-the-region-including-role-in-yemen/
5- ona Craig, How the UAE’s Decade-Long Project in Yemen Ended in 48 Hours, dropsitenews (Washington, D.C., 7 January 2026) https://www.dropsitenews.com/p/yemen-uae-saudi-southern-transitional-council
6- Faisal Ali, Somalia cancels all agreements with UAE over alleged sovereignty violations, aljazeera (Qatar, 12 Jan 2026) https://www.aljazeera.com/news/2026/1/12/somalia-cancels-all-agreements-with-uae-over-alleged-sovereignty-violations


