
إعداد
نوران السيد السيد نصار
باحثة ماجستير العلوم السياسية
جمهورية مصر العربية
مقدمة:
تُعد الصين من بين دول العالم التي تتميز بالتعددية العرقية والإثنية، وكفالة حرية الاعتناق الديني الذي تتم حمايته وفقًا لما ورد في الدستور الصيني، وهو الذي يضمن التمتع بحرية الاعتقاد الديني للمواطنين الصينيين. وعلى الرغم من وجود هذا النص في الدستور، إلا أن الصين تعرضت في الآونة الأخيرة لعدد من الاضطرابات العرقية من قِبَل جماعة الإيغور المسلمين.
تُعد الصين من الدول القديمة التي تتميز بحضارتها العريقة، فهي دولة مترامية الأطراف تبلغ مساحتها حوالي 9.6 مليون كيلومتر مربع؛ أي أكبر دولة في قارة آسيا والثالثة من حيث المساحة في العالم بعد روسيا وكندا. ويصل عدد سكانها إلى حوالي أكثر من مليار و400 مليون نسمة، وتتداخل فيها القوميات واللغات والأديان المختلفة؛ حيث يوجد في الصين نحو 56 قومية، أولها وأكبرها قومية “هان” التي تضم أغلبية الصينيين، ثم تأتي القوميات الأخرى، ويوجد نحو 25 مليون مسلم.
يعتبر موضوع الأقليات من الموضوعات الهامة القديمة والمتجددة وفق المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحدث على مر العصور التاريخية. كما أن جماعات الأقليات تختلف عن بعضها البعض، ويرجع ذلك إلى العديد من الخصائص التي تميزها عن غيرها، فنجد الأقليات الدينية، واللغوية، والعرقية، والقومية. كما أن غالبية دول العالم لا تخلو من وجود الأقليات، وهناك دول تعتبرهم إما واقعًا يمكن التعايش معه وإدارته، وإما أن تعتبرهم مشكلة يتطلب حلها لتستمر الدولة، فترتكب في سبيل ذلك أبشع الجرائم ضد الإنسانية، كالجرائم المرتكبة بحق “الإيغور” في إقليم شينجيانغ الصيني. فبين الحين والآخر تظهر هذه الجرائم البشعة للعالم فتثير تعاطفه واستنكاره، ليعود ويصمت بعدها، وبذلك تنحصر جهوده في الإدانة والتنديد، دون اتخاذ تدابير ملموسة في سبيل وضع حد لها وردع مرتكبيها، وذلك تماشيًا مع لعبة المصالح، والضغط الذي تمارسه القوى الكبرى لرعاية مصالحها.
المنهجية:
اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي لمعرفة المراحل التاريخية لنشأة جماعة الإيغور، وخصائصها، وأهمية إقليم شينجيانغ بالنسبة للصين، مع معرفة السياسات المتبعة من جانب الحكومة الصينية على مر التاريخ، ورد فعل جماعة الإيغور على السياسات الصينية.
المحور الأول: الجذور التاريخية لأقلية الإيغور في إقليم شينجيانغ:
تُعد أقلية الإيغور جماعة عرقية مسلمة تتحدث في الغالب باللغة التركية، وتعيش في إقليم شينجيانغ الذي يقع في المنطقة الشمالية الغربية للصين. يبلغ عددهم أكثر من أحد عشر مليونًا، ويشبهون في الشكل شعوب آسيا الوسطى أكثر -إلى حد ما- مما يشبهون “الهان” الذين يشكلون أغلبية سكان الصين.
كان يُعرف إقليم شينجيانغ بـ “تركستان الشرقية”، وكان يحكمه الإمبراطور التركي (ساكا) عام (1000 ق.م)، وأصبحت جزءًا من إمبراطورية أتراك الهون حتى عام 334 ق.م عندما استولى الإسكندر المقدوني على القسم الغربي من تركستان، في الوقت الذي حافظت فيه التركستان الشرقية على حيويتها حتى قام الصينيون عام 93 ق.م بعدة هجمات للاستيلاء عليها، إلا أن احتلالهم لها لم يدم ثلاثين عامًا. وفي عام (555م) انضمت تركستان الشرقية إلى إمبراطورية “كوك تورك” (وهي من ضمن الإمبراطوريات الحاكمة في الدولة التركية الكبرى) التي كانت في حرب دائمة مع الصين.
تعد جماعة الإيغور جماعة في آسيا الوسطى من جنس الأتراك، كانت قبائل رحالة قبل هجرتها واستقرارها في إقليم تركستان الشرقية، وقد اختلط جنسهم بالفرس والعرب والصينيين. وتعددت الانتماءات الدينية لجماعة الإيغور قبل استقرار غالبية أفرادها على اعتناق الإسلام؛ حيث شهد عام 651م دخول الإسلام في الدولة الصينية، وذلك على يد عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين، لتكون بمثابة وصول الإسلام إلى منطقة آسيا الوسطى، وبمرور السنوات تزايد عدد المسلمين في الصين، وكان من أبرز الجماعات التي انضمت للإسلام هي جماعة الإيغور.
أصبحت شينجيانغ في القرن الرابع الهجري أحد مراكز الحضارة والثقافة الإسلامية بمؤسساتها العلمية ومكتباتها الغنية، وصار مسلمو تركستان يتصدرون مجالس الإفتاء والتدريس والقضاء، فقد ظهر منهم مشاهير العلم النبوي الشريف وعلم الحضارة الإسلامية المختلفة، مثال: (البخاري، والترمذي، والبيهقي، والفارابي، والخوارزمي، والبيروني، والكاشغري) وغيرهم من أعلامها الكبار. لكن بعد أن جاءت أسرة “مانشو” إلى الحكم في الصين عام 1644م بدأت حملة الاضطهاد ضد المسلمين، وهو الأمر الذي دفعهم إلى مواجهة السلطات برفع السلاح لأول مرة عام 1648م. وبعد ذلك استولى الصينيون على الإقليم في عام 1760م بعد أن ضعف أمر المسلمين، واتبعوا سياسة “تصيين الإقليم”، وعلى إثر ذلك قام المسلمون بثورات عنيفة مثل “ثورة جنقخ” التي كانت عام 1825 واستمرت سنتين.
تلتها ثورة “يعقوب بك” عام 1845 التي استمرت عشرين عامًا، تمكن بعدها المسلمون من تحرير الإقليم عام 1865، إلا أنه لم يلقَ الاعتراف الدولي. وبسبب الصراع الذي دار بين بريطانيا وروسيا خلال القرن التاسع عشر للسيطرة على آسيا الوسطى -وهو ما عرف وقتها بـ”اللعبة الكبرى”- وتخوف بريطانيا من أن تنجح روسيا في ضم تركستان الشرقية إلى أراضيها بعد أن نجحت في ضم معظم تركستان الغربية (دول آسيا الوسطى)، قامت بريطانيا بمساندة الصين ودعمها للسيطرة على الإقليم. وبالفعل استطاعت الصين بقيادة الجنرال “زوزونغ تانغ” السيطرة على الإقليم مرة أخرى عام 1876، ومنذ ذلك التاريخ سُمي الإقليم بـ “شينجيانغ”.
كانت تعتبر جماعة الإيغور ضمن نطاق حكم السلطة المنغولية؛ حيث انقسمت وسط آسيا إلى تركستان الغربية وتركستان الشرقية. واستطاعت تركستان الشرقية “شينجيانغ” الحصول على استقلالها وتأسست دولتها المستقلة في 18 نوفمبر 1884 على أساس الدولة الإسلامية بعد ثماني سنوات من تعرضها لغزو من قِبَل إمبراطورية “مانشو”، ويعني ذلك أن تركستان هي “أرض الترك” وهو ما يعني إسلامية الإقليم.
بدأت تتأسس فكرة القومية الإيغورية بعد تأسيس إقليم تركستان الشرقية “إقليم شينجيانغ”، والذي كان للإسلام الدور الأكبر والمحوري في الحفاظ على موروثهم الثقافي وعاداتهم التاريخية. فقد كان الإيغور يعتنقون عددًا من الديانات على غرار البوذية والمسيحية النسطورية والزرادشتية إلى حدود القرن العاشر الميلادي ثم دخلوا في الإسلام، وأصبحوا يتوزعون على أغلبية سنية حنفية وأقلية شيعية. وأثرى الإيغور التراث الثقافي الصيني بعدد من المؤلفات والكتب والموسيقى والفنون، لعل أبرزها الألعاب البهلوانية التي برع فيها الصينيون.
شهد إقليم شينجيانغ ثورات متتالية كان سببها قيام الحاكم الصيني بتقسيم الإقليم إلى وحدات إدارية، فكانت هناك ثورة عام 1931 تبعتها ثورة أخرى عام 1933، نتج عنها تشكيل جمهورية إسلامية في الإقليم، لكنها سرعان ما انهارت بعدما تحالفت الصين مع روسيا مقابل حصول روسيا على حق التنقيب عن الثروات المعدنية وإشغال الروس بعض المواقع الخدمية في الإقليم. وهو ما دفع سكان الإقليم إلى القيام بثورة أخرى عام 1944 بقيادة “علي خان”، إلا أن تحالف الصين وروسيا أدى إلى إجهاض الثورة مرة أخرى، وإرغام سكان الإقليم على الصلح مع الصين مقابل الاعتراف بحقوقهم في إقامة حكومة تمثلهم. حصل الإقليم بالفعل على الاستقلال عام 1946 وتم تعيين “مسعود صبري” رئيسًا للحكومة، لكن لم يلبث هذا الاستقلال كثيرًا؛ فسرعان ما اندلعت الثورة الصينية عام 1949 التي أدت إلى اجتياح القوات الصينية إقليم شينجيانغ بعد قتال عنيف مع السكان. وقامت الصين بتطبيق سياسة مشددة في عهد ماو تسي تونغ حلت في ظلها تعاليمه محل التعاليم الإسلامية، ومنذ ذلك التاريخ حتى الآن أصبحت هناك حالة دائمة من الصراعات وعدم الاستقرار في الإقليم.
المحور الثاني: الأهمية الاستراتيجية لإقليم شينجيانغ:
يقع إقليم شينجيانغ في الشمال الغربي لدولة الصين، وهي إحدى المناطق الخمس ذاتية الحكم في الصين (إلى جانب قوانغشي، ومنغوليا الداخلية، ونينغشيا، والتبت). وتعني شينجيانغ باللغة الصينية “المستعمرة الجديدة”، والذي كان يسمى سابقًا بتركستان الشرقية، وتعني تركستان “أرض الترك” قبل سيطرة الدولة الصينية عليها. يعتبر إقليم شينجيانغ أيضًا من أكبر الأقاليم الصينية من حيث المساحة، وتبلغ مساحته ما يناهز المليون ونصف المليون كيلومتر مربع. ويتميز بموقعه المتوسط لآسيا، كما يعد منطقة عازلة بين الصين والدول المجاورة. وترجع أيضًا أهمية الإقليم في كونه منطقة وقائية من الأخطار الخارجية؛ حيث أن سيطرة الصين على هذا الإقليم تخلق مجالًا عسكريًا محاذيًا لكل من (أفغانستان، باكستان، كازاخستان، منغوليا، قيرغيزستان، طاجيكستان، وروسيا).
صورة رقم (1): خريطة توضح الموقع الجغرافي لإقليم شينجيانغ:

المصدر: من صحيفة BBC[1]
[1] جون سادوورث، معتقلات الصين المخفية ما الذي جرى لمسلمي الإيغور المختفين في إقليم شينجيانغ؟، مرجع سابق.
ترجع الأهمية الاقتصادية للإقليم إلى التنوع الكبير في الموارد والثروات؛ حيث يتمتع بثروات ومعادن متنوعة كالبترول، والغاز الطبيعي، والذهب واليورانيوم، إلى جانب موقعه الجغرافي الذي يُعد من أبرز مسارات عبور مصادر الطاقة، كما يقع على خريطة طريق “الحزام والطريق”. ويعتبر هذا التنوع والوفرة أحد أهم الأسباب التي تدفع الصين إلى التمسك به ضمن حدودها الجغرافية؛ فيعتبر من أكبر الأقاليم المنتجة للغاز الطبيعي في الصين وثالث أكبر منتجي النفط في المنطقة، حيث يحتوي على ما يقرب من 6 مناجم يورانيوم، واحتياطي نفطي يقدر بنحو 8.2 تريليون طن. كما تزداد أهمية الإقليم في مجال إنتاج النفط والاحتياطات الخاصة به، ويمثل أكثر مسارات العبور أهمية للنفط والغاز، فالسيطرة على هذا الإقليم تمثل أمرًا ضروريًا لأمن الصين.
المحور الثالث: أزمة أقلية الإيغور في إقليم شينجيانغ:
هناك عدة عوامل -سواء داخلية أو خارجية- لها أثر كبير في أزمة إقليم شينجيانغ؛ حيث شهد الإقليم العديد من الثورات المناهضة للهيمنة الصينية، وكان آخرها سلسلة الاضطرابات العنيفة عام 1997. فاعتمدت الحكومة الصينية سياسة “تصيين الإقليم”، ويقصد بها تغيير التركيبة السكانية “الإثنية” للإقليم؛ فهناك مصادر أشارت إلى أن نسبة المسلمين في الإقليم انخفضت في عام 1940 من 95% إلى 60% مع بداية القرن الحادي والعشرين. تم ذلك عبر زج ملايين الصينيين للاستيطان في الإقليم وسط حوافز اقتصادية مغرية، منها منحهم إعفاءات ضريبية شاملة مع توفير المساكن والأراضي التي تمت مصادرتها من الإيغوريين المسلمين بعد أن تم طردهم إلى أطراف القرى والأراضي القاحلة، واعتماد الصين سياسة النفي والإبعاد والعقوبات الجماعية والعمل القسري الشاق في المعسكرات الحزبية للذكور والإناث، أو عبر التلاعب بديموغرافية الإيغور البيولوجية على مختلف المستويات.
قامت الحكومة الصينية بتطبيق عشرة إجراءات صارمة تجاه جماعة الإيغور، منها:
-
حظر التعليم الإسلامي.
-
منع النشاط الديني واستعمال القمع والاغتيال.
-
الإعدام لكل من يعارض الحزب الشيوعي أو يدعو إلى استقلال أو انفصال الإقليم عن الصين.
-
قيام الصين بنقل الآلاف من نساء الإيغور عنوة للعمل في مصانع خارج الإقليم وإكراههن على الزواج من غير المسلمين ومنعهن من ارتداء الحجاب.
-
التضييق على السكان المسلمين في المساجد وأماكن العمل، والإجراءات الأمنية المشددة التي تنال من الحرية الدينية.
-
منعت الحكومة الصينية الكتابة العربية التي يستخدمها سكان الإقليم منذ نحو ألف سنة، وأتلفت نحو 730 ألف كتاب باللغة العربية بما في ذلك نسخ من القرآن الكريم تحت شعار “محاربة مخلفات الماضي”.
-
عملت الصين على إجبار الإيغوريين على تعلم المبادئ الماوية الصينية.
-
لم ينجُ سكان الإقليم من الإيغور من سياسة الإهمال التعليمي المتعمد.
-
نظام تعليمي أقل جودة من ولايات الصين الأخرى.
-
منع الحمل والإجهاض والتعقيم وتحديد النسل والتحكم بالنمو السكاني في الإقليم.
المحور الرابع: النهج الصيني المتبع تجاه أقلية الإيغور:
تُعد السياسات المتبعة من قِبل الحكومة منذ عهد “ماو تسي تونغ” الشيوعية وحتى الآن تجاه جماعة مسلمي الإيغور من أبرز العوامل والأسباب المتأصلة في جذور الصراع العرقي بإقليم شينجيانغ الصيني؛ حيث كانت تستهدف طمس هوية جماعة الإيغور المتمايزة عن الهوية الصينية، وفرض الثقافة الصينية عليها، وزعزعة الوحدة بين أعضاء جماعة الإيغور أنفسهم.
تتسم حملة الحكومة الصينية ضد الإيغور في شينجيانغ بتعدد جوانبها ومنهجيتها. وتشمل الاستراتيجيات الأساسية لهذه الحملة: الاضطهاد القائم على الهوية، والاعتقال الجماعي، والمراقبة، والتعقيم القسري، والعمل القسري، والاندماج القسري؛ حيث يُمنع الإيغور من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، والتحدث بلغتهم، والتعبير عن عناصر أساسية أخرى لهويتهم. وتُفرض قيود على جوانب عديدة من حياتهم، بما في ذلك اللباس واللغة والنظام الغذائي والتعليم، حتى أن القيام بأفعال عادية كالصلاة أو الذهاب إلى المسجد قد يُعد سببًا للاعتقال أو الاحتجاز.
يقدر الخبراء أن جهود “إعادة التثقيف” بدأت في شينجيانغ في عام 2014، وتم توسيعها بشكل كبير في عام 2017، في أعقاب سلسلة من الهجمات على المدنيين في عام 2014 تتمثل في عملية طعن جماعي في محطة قطار في “كونمينغ” (يوننان)، وتفجيرات في عاصمة شينجيانغ “أورومتشي”. وأشارت الحكومة الصينية إلى مخاوف الإرهاب كعامل محفز للحملة، كما قامت الحكومة الصينية باحتجاز أكثر من مليون مسلم تعسفيًا في منطقة شينجيانغ الصينية، وتُعد معسكرات إعادة التأهيل منذ عام 2017 جزءًا من حملة القمع التي تشنها الحكومة ضد الإيغور.
أمرت السلطات الصينية أيضًا الجالية المسلمة في ولاية شينجيانغ بتسليم كل نُسخ المصاحف المتواجدة لديها، وسجادات الصلاة، وإلا واجهت عقوبات شديدة. ووفقًا لمصادر محلية، حذر المسؤولون الأمنيون سكان الأحياء والمساجد من رفض تسليم المصاحف وحصائر الصلاة، وهو ما تم وصفه بخطوة جديدة في الحملة القمعية التي تشنها سلطات البلاد على المسلمين، ويُمنع الموظفون الحكوميون من الإيغور من ممارسة الطقوس الإسلامية والصلاة في الجوامع والصيام في شهر رمضان.
تستخدم الحكومة الصينية تكنولوجيا متطورة تقوم من خلالها بمراقبة المؤسسات الدينية الإيغورية، ومراقبة الأفراد في جميع أنحاء البلاد. والهدف من ذلك هو رصد أي مخالفات محتملة كالتواصل مع أشخاص من خارج الصين أو التعبير عن معتقداتهم الدينية، وقد يؤدي ضبط أي مخالف إلى الاحتجاز أو الاختفاء. إلى جانب ذلك، يخضع الإيغور لمراقبة دقيقة من قِبَل جيرانهم وعناصر الدولة في مجتمعاتهم. وفي إطار برنامج “متحدون كأسرة واحدة”، قامت الحكومة الصينية بتوطين ما يقدر بنحو مليون مواطن من عرقية الهان في منازل الإيغور في إقامة إلزامية لمراقبة أنشطتهم والإبلاغ عنها، والتأكد من امتثالهم للعادات والتقاليد الصينية وليس الإيغورية، ولا تستطيع عائلات الإيغور رفض هذه المراقبة المباشرة. كما يتعرض الإيغور إلى التفتيش والتحقيق على الهوية عند الآلاف من نقاط التفتيش والحواجز، بينما لا يتعرض الهان لذلك، بالإضافة إلى مواجهة الإيغور قيودًا مشددة على السفر والتنقل سواء كان ذلك داخل إقليم شينجيانغ أو خارجه. وأصدرت الحكومة بيانًا أجبرت فيه السكان على تسليم جوازات سفرهم إلى الشرطة “لتأمينها والمحافظة عليها”.
للصين تاريخ طويل في فرض سيطرتها على الخيارات الإنجابية لمواطنيها وقيامها بجرائم ضد الإنسانية تجاه جماعة الإيغور. ورغم تخفيف القيود على المستوى الوطني عام 2016، فقد انتهجت الصين نهجًا مختلفًا جذريًا في شينجيانغ، إذ بدأت الدولة بفرض عقوبات قاسية على مخالفة تحديد النسل، كما نفذت حملة مكثفة للتعقيم الجماعي وبرامج زرع اللولب الرحمي. ويبرر المسؤولون الحكوميون الصينيون ذلك بربط ارتفاع معدلات المواليد بالتطرف الديني. ويرى أكاديميون صينيون أن نمو سكان الأقليات العرقية يهدد الاستقرار الاجتماعي والهوية الوطنية. وتُظهر وثائق حكومية مُسربة أن مخالفة تحديد النسل هي السبب الأكثر شيوعًا لوضع نساء الإيغور في معسكرات الاعتقال، وقد أدلت نساء بشهادات حول تعقيمهن قسرًا أثناء احتجازهن، بينما شهدت أخريات بتعرضهن للتهديد بالاعتقال في حال رفضهن الخضوع للتعقيم أو زرع اللولب الرحمي. في ظل هذه البيئة القسرية، من غير المرجح أن يُقال إن أي امرأة من الإيغور قد وافقت طواعية على هذه الإجراءات.
توحي هذه السياسات المتبعة من جانب الصين بوجود تغيير جوهري في نظرة الحكومة الصينية؛ فالنزعات الانفصالية لم يعد ينظر إليها على أنها مشكلة تتعلق بعدد قليل من الأشخاص، بل مشكلة بنيوية تتعلق بالثقافة الإيغورية والدين الإسلامي بشكل عام. وتزامن تبني هذه السياسات مع تعزيز قبضة الرئيس “شي جين بينغ” على المجتمع الصيني، وتركيزه على أن ولاءات الفرد لأسرته أو دينه يجب أن تأتي في المرتبة الثانية للولاء الحقيقي للحزب الشيوعي.
المحور الخامس: موقف جماعة الإيغور من السياسات الصينية تجاههم:
عبرت جماعة الإيغور عن رفضها لسياسات الحكومة الصينية خلال التظاهرات؛ فعلى سبيل المثال المظاهرات في مطلع الثمانينيات التي نادت بانفصال الإقليم، ورفض سياسات الحزب الشيوعي وانتهاكها لموارد الإقليم والتجارب النووية المُقامة من قِبل الحكومة الصينية. وشهدت أيضًا أولمبياد بكين 2008 أحداث عنف واضطرابات بين جماعة الإيغور وقوات الأمن الصيني، كما برزت أعمال العنف بصورة متكررة في الأعوام 2011 و2014 و2017 خلال الاحتجاجات وغيرها من الأحداث التي أسفرت عن مقتل أعداد ليست قليلة من جماعة الإيغور.
قامت أيضًا جماعة الإيغور بتظاهرات وأعمال عنف وشغب في الطرق، ففي أكتوبر 2013 أغلقت قوات الأمن الصينية ميدان “تيانانمن” عقب هجوم بسيارة مفخخة أودى بحياة شخصين. لكن تغيرت الصورة بشكل كبير في عام 2013، عندما فجر ثلاثة إيغور السيارة التي كانوا يستقلونها في ميدان “تيانانمن” في قلب بكين فقتلوا اثنين من المارة إضافة إلى أنفسهم، ورغم صغر حجم الهجوم من ناحية الخسائر التي سببها، لكنه هز الدولة الصينية.
شكلت جماعة الإيغور عددًا من الحركات والتنظيمات بهدف مواجهة سياسة الحكومة الصينية، ومنها “حركة نار البراري” التي كان لها دور في قيادة التظاهرات في مطلع الثمانينيات، بالإضافة إلى حركات أخرى لعل من أبرزها “حركة تركستان الشرقية الإسلامية”، وهي أحد أكثر الحركات تطرفًا في إقليم شينجيانغ الصيني. واختلفت الآراء حول كونها حركة إرهابية أو عدمه، خاصةً مع انتشار مزاعم عن علاقتها بتنظيم القاعدة، لكن تعترف الصين بأنها جماعة إرهابية، وتبرر الحكومة الصينية سياساتها تجاه أقلية الإيغور على أنها محاربة للإرهاب.
خاتمة:
تناولت الدراسة مشكلة سياسية بارزة وهي مشكلة الأقليات العرقية في الصين المتمثلة في الأقلية العرقية بإقليم شينجيانغ الصيني والمتمثلة في جماعة الإيغور المسلمة. حيث تناولنا سمات جماعة الإيغور والأصول التاريخية للصراع في الإقليم، ومعرفة الأطراف المباشرة في الصراع المتمثلة في الحكومة الصينية وجماعة الإيغور ومصالحهما المختلفة والسياسات المُتبعة لتحقيقها. حيث تأكد لنا المبدأ القائل بأن أساس الصراع هو تضارب المصالح، وهذا ما تمت ملاحظته في إطار الصراع العرقي بإقليم شينجيانغ الصيني؛ حيث تضاربت مساعي الحكومة الصينية الرامية إلى تحقيق الاستقرار الداخلي بالدولة والحفاظ على وحدتها القومية الصينية بعيدة عن تهديدات وجود الجماعات العرقية، والاستفادة من الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للإقليم، وما اتخذته من سياسات تتعارض مع مصالح ومطالب جماعة مسلمي الإيغور التي شعرت بالاضطهاد والتهميش؛ ما زاد حرصها ورغبتها في الانفصال عن الدولة الصينية وإقامة كيان مستقل تحت مسمى “تركستان الشرقية”. كما تبيّن لنا أسباب الصراع ووجدنا أن أغلبها كانت نتيجة ورد فعل على السياسات الصينية المُتمثلة في سلسلة من الأحداث منذ بداية الصراع، خلفت أغلبها سلسلة من الاضطرابات وعدم الاستقرار بالمنطقة. ولا يزال الوضع الراهن للصراع العرقي في إقليم شينجيانغ الصيني غير مستقر، ولم يتم التوصل إلى حل نهائي لتلك المشكلة السياسية الدولية المعقدة.
قائمة المراجع
مراجع باللغة العربية:
أولًا: الدوريات العلمية:
-
أحمد الظرافي، “تركستان الشرقية: قضية إسلامية لا عرقية”، مجلة البيان، (المنتدى الإسلامي، ع 359، أبريل 2017).
-
جيهان عبد الوهاب صبان، “الإسلام والمسلمون في الصين (تركستان الشرقية)”، مجلة الدراسات العربية، 2018.
-
حميد شهاب أحمد، “التنافس الإقليمي والدولي في المنطقة الجمهورية الإسلامية لآسيا الوسطي”، مجلة دراسات دولية، (جامعة بغداد، كلية العلوم السياسية، ع 28، يناير 2005).
-
غزلان محمود، “الحركات الانفصالية في إقليم شينجيانغ: دراسة الصين تجاه مسلمي الإيغور”، مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، (مج 19، ع 1، 2018).
ثانيًا: الأبحاث والتقارير:
-
حنان صبحي عبد الباقي حسن، “مشكلة الإيغور وأبعادها الجيوبولتيكية من المنظور الصيني”، (المركز الديمقراطي العربي، 16 يوليو 2020).
-
ماتشنغ، يونس عبد الله، “الأمين الحيوية في تبصرة المسلمين في الصين”، (الكويت، ع 617، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، نوفمبر 2016)، ص78. متاح على الرابط التالي: [https://neuaxis.mod.gov.my/neuaxis/Record/iium-67712?print=1]، تاريخ الدخول: 4 يناير 2026.
ثالثًا: المواقع الإلكترونية:
-
أكتاي تركمين، “لمحة تاريخية عن دولة الكوك تورك”، (منتدى تركمان سورية، 17 مارس 2008). متاح على الرابط التالي: [https://suriye-turkmen.ahlamountada.com/t979-topic]، تاريخ الدخول: 4 يناير 2026.
-
“انخفاض عدد سكان الصين خلال عام 2024 وفقًا لوكالة شينخوا”، (موقع Arabic. News. CN، 17 يناير 2025). متاح على الرابط التالي: []، تاريخ الدخول: 4 يناير 2026.
-
جون سادوورث، “معتقلات الصين المخفية: ما الذي جرى لمسلمي الإيغور المختفين في إقليم شينجيانغ؟”، (BBC، 30 سبتمبر 2017). متاح على الرابط التالي: [https://www.bbc.com/arabic/world-41453093]، تاريخ الدخول: 4 يناير 2026.
-
زينب شاكر السماك، “من هم الإيغور؟: أقلية مسلمة خلف جدار الحقوق في الصين”، (شبكة النبأ المعلوماتية، 10 أكتوبر 2017). متاح على الرابط التالي: [https://annabaa.org/arabic/rights/12748]، تاريخ الدخول: 4 يناير 2026.
-
“الصين تصادر المصاحف والسجادات من أقلية الإيغور المسلمة”، (بكين، رابطة العالم الإسلامي، ب.ت). متاح على الرابط التالي: [https://themwl.org/mwn/node/54]، تاريخ الدخول: 4 يناير 2026.
مراجع باللغة الإنجليزية:
-
“China’s Repression of Uyghurs in Xinjiang”, (Council on Foreign Relations, 3 October 2025). Available at: [https://www.cfr.org/backgrounder/china-xinjiang-uyghurs-muslims-repression-genocide-human-rights], Date of access: 4 Jan 2026.
-
“Chinese Persecution of the Uyghurs”, (United States Holocaust Memorial Museum, N.D). Available at: [https://www.ushmm.org/genocide-prevention/countries/china/chinese-persecution-of-the-uyghurs], Date of access: 4 January 2025.
-
Katie Corradini, “Uyghurs Under the Chinese State: Religious Policy and Practice in China”, Journal of Human Rights & Human Welfare, (Vol. 9, No. 1, 2009).


