On Research

مقالات تحليلية

أزمة التدريب في العالم العربي بين وهم الإنجاز وصناعة الأثر الحقيقي

Email :1365

إعداد

الدكتور فراس الرجوب

مدرب دولي  واستشاري الموارد البشرية وتطوير الأداء

مستشار استراتيجي و تدريب لاتحاد اكاديميات الدول العربية

سوريا                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              

يشهد قطاع التدريب والتطوير في العالم العربي توسعًا غير مسبوق من حيث العدد والتنوع والانتشار. آلاف البرامج، عشرات الآلاف من الساعات التدريبية، ومليارات تُنفق سنويًا تحت عناوين جذابة: القيادة، الذكاء العاطفي، إدارة الوقت، التميز المؤسسي، وبناء الفرق. للوهلة الأولى، يبدو المشهد واعدًا ومبشرًا. لكن عند الانتقال من واجهة النشاط إلى عمق النتائج، تظهر مفارقة مقلقة: لماذا لا تنعكس هذه الاستثمارات الضخمة في صورة قفزات نوعية في الأداء المؤسسي؟ ولماذا ما زالت كثير من المؤسسات تعاني من ضعف الإنتاجية، وتواضع الالتزام الوظيفي، وهشاشة الثقافة التنظيمية؟

هنا يفرض سؤال نفسه بحدة: هل نحن جادون فعلًا في ما نفعله في مجال التدريب؟ أم أننا نمارس نشاطًا شكليًا يمنح شعورًا بالإنجاز دون أن يصنع تغييرًا حقيقيًا؟

الجدية، في هذا السياق، لا تعني كثافة العمل، ولا ازدحام الأجندات، ولا كثرة البرامج. الجدية تعني وجود علاقة واضحة بين ما نفعله وبين ما يتغير في الواقع. تعني أن يكون التدريب وسيلة لتحسين الأداء، لا غاية في حد ذاته.

أولى الإشكاليات الجوهرية تكمن في الخلط بين مفهومَي “الفعالية” و”الفاعلية”. كثير من المؤسسات باتت تركّز على إقامة الفعاليات التدريبية: تنظيم جيّد، قاعات أنيقة، مدربون متميزون، شهادات حضور، وتغطية إعلامية. كل ذلك مهم من الناحية التنظيمية، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا حدث بعد التدريب؟ هل تغيّر سلوك الموظف؟ هل تحسّن مستوى اتخاذ القرار؟ هل انخفضت الأخطاء؟ هل ارتفعت جودة الخدمة؟ عندما يغيب هذا السؤال، يتحول التدريب إلى نشاط تجميلي، أشبه بدهان جديد على جدار متصدع. جميل في الظاهر، لكنه لا يعالج البنية.

الإشكالية الثانية تتمثل في شيوع ما يمكن تسميته “شيخوخة المحتوى التدريبي”. عدد غير قليل من البرامج المقدمة اليوم يعتمد على مواد صُممت قبل سنوات طويلة، مع تعديلات شكلية محدودة. نفس الشرائح، نفس الأمثلة، نفس التمارين. في المقابل، تغيّر العالم جذريًا: نماذج الأعمال تطورت، أدوات العمل تغيرت، الأجيال الجديدة دخلت سوق العمل بعقليات مختلفة، والتحديات أصبحت أكثر تعقيدًا.

المتدرب المعاصر يمتلك وصولًا مفتوحًا للمعلومة، ويستطيع خلال دقائق الوصول إلى محتوى عالمي عالي الجودة. لذلك لم يعد السؤال: هل يعرف المعلومة؟ بل: هل يستطيع توظيفها في سياق عمله؟ وهل يساعده التدريب على التفكير بطريقة مختلفة، لا مجرد حفظ أفكار مألوفة؟ عندما يستمر المدرب في تقديم محتوى مكرر، فإنه لا يخاطر فقط بملل المتدرب، بل يفقد تدريجيًا مكانته المهنية. فالمدرب الجاد هو من يرى نفسه باحثًا ومطوّرًا دائمًا، يراجع محتواه باستمرار، ويربطه بتغيرات السوق، ويختبر صلاحيته في الواقع العملي.

الإشكالية الثالثة، والأكثر تأثيرًا، هي الفجوة بين قاعة التدريب وبيئة العمل. في كثير من الحالات، يعيش المتدرب داخل القاعة تجربة إيجابية ومحفزة، ثم يعود إلى بيئة لا تكافئ السلوك الجديد، ولا تشجع التجريب، ولا تتسامح مع الخطأ، ولا تتابع التطبيق. في مثل هذا المناخ، يذبل أثر التدريب سريعًا. التدريب لا يفشل داخل القاعة غالبًا، بل يفشل خارجها.

وتزداد خطورة هذه الفجوة حين تكون الثقافة التنظيمية نفسها مناقضة لما يُطرح في قاعات التدريب. فكيف يمكن لبرنامج عن التمكين أن ينجح في بيئة تُدار بعقلية السيطرة؟ وكيف يمكن لبرنامج عن الابتكار أن يثمر في مؤسسة تعاقب الخطأ وتخشى التجريب؟ إن الثقافة التنظيمية ليست خلفية صامتة للتدريب، بل هي التربة التي يُزرع فيها. فإن كانت التربة فاسدة، فلن ينمو أفضل البذور. من هنا، يصبح من الوهم الحديث عن أثر مستدام للتدريب دون العمل بالتوازي على مراجعة القيم السائدة، وأنماط القيادة، وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة. التدريب لا يستطيع وحده أن يعالج ثقافة مختلة، لكنه يستطيع أن يكون شرارة البداية إذا وُضع ضمن مشروع تغيير أوسع.

ومن هنا يتضح أن المشكلة ليست فردية بحتة، بل مؤسسية بالدرجة الأولى. فحين تُختزل إدارة الموارد البشرية في دور إداري تشغيلي، وتُستبعد من طاولة القرار الاستراتيجي، يصبح التدريب نشاطًا منفصلًا عن بقية منظومة الأداء. وعندما تُقطع ميزانيته بسهولة عند أول أزمة مالية، فإن الرسالة الضمنية للموظفين واضحة: تطويركم ليس أولوية حقيقية.

التحول المطلوب ليس في شكل البرامج، بل في فلسفة التعامل مع التدريب نفسها. نحن بحاجة إلى الانتقال من منطق “تنفيذ البرامج” إلى منطق “هندسة الأثر”.

هندسة الأثر تعني أن يبدأ أي تدخل تدريبي بسؤال تشخيصي: ما فجوة الأداء الموجودة؟ أين الخلل؟ ما السلوك أو المهارة أو القرار الذي نريد تغييره تحديدًا؟ بناءً على هذا التشخيص فقط يتم تصميم البرنامج، وليس العكس. كما تعني أن يكون للبرنامج امتداد بعدي واضح: خطط تطبيق، مهام عملية، متابعة من المدير المباشر، ومؤشرات قياس. التدريب هنا يصبح جزءًا من منظومة الأداء، لا نشاطًا جانبيًا.

في هذا السياق، يتغير دور المدرب جذريًا. لم يعد مجرد ناقل معرفة، بل مهندس تغيير. ييسّر التفكير، يطرح أسئلة صعبة، يصمم تجارب تعلم مرتبطة بالواقع، ويتابع أثر ما قدمه.

وفي المقابل، لا يمكن إعفاء المتدرب نفسه من المسؤولية. فالتدريب الجاد يفترض انتقال الفرد من عقلية “المتلقي” إلى عقلية “الشريك”. كثير من المتدربين ما زالوا ينظرون إلى البرنامج كاستراحة ذهنية، أو فرصة للخروج من ضغط العمل، أو وسيلة للحصول على شهادة إضافية. هذه العقلية تقتل الأثر قبل أن يولد. المتدرب الجاد هو من يدخل القاعة بسؤال: ما الذي سأغيره في طريقة عملي ابتداءً من الغد؟ وما السلوك الذي سأوقفه؟ وما المهارة التي سأتمرن عليها؟ عندما تصبح هذه الأسئلة جزءًا من وعي المتدرب، يتحول التدريب من حدث عابر إلى نقطة انعطاف.

ويتغير أيضًا دور إدارة الموارد البشرية، من جهة تنظيم الدورات إلى جهة بناء بيئة حاضنة للأثر. بيئة تربط بين التعلم والترقية، بين التطبيق والتقييم، بين المبادرة والمكافأة. ولا يقل أهمية عن ذلك تغيير لغة الحوار مع الإدارة العليا. الحديث عن التدريب بوصفه “تكلفة” محكوم عليه بالفشل. أما الحديث عنه بلغة العائد على الاستثمار، بلغة تقليل المخاطر، وتحسين الجودة، وزيادة الإنتاجية، فهو ما يمنحه وزنه الحقيقي داخل المؤسسة.

حين نقول إن برنامجًا ما سيقلل زمن إنجاز المعاملة بنسبة معينة، أو سيخفض الأخطاء التشغيلية، أو سيرفع رضا العملاء، فإننا نربط التدريب مباشرة بقلب الأعمال، لا بهامشها.

إن أزمة التدريب في جوهرها ليست أزمة أدوات ولا أزمة ميزانيات، بل أزمة فلسفة. هي انعكاس لطريقة تفكيرنا في الإنسان داخل المؤسسة: هل نراه تكلفة يجب ضبطها، أم أصلًا يجب تنميته؟ المؤسسات التي اختارت المسار الثاني لم تفعل ذلك بدافع مثالي، بل بدافع استراتيجي. لأنها أدركت أن القدرة التنافسية في العصر الحديث لا تُبنى على المعدات ولا على المباني، بل على العقول التي تديرها. ومن هنا، فإن إصلاح منظومة التدريب ليس ترفًا، بل مدخلًا مباشرًا لإصلاح الاقتصاد المؤسسي نفسه.

في النهاية، نحن أمام اختبار صدق مهني وأخلاقي. إما أن نقبل بأن نكون جزءًا من صناعة الفعاليات، حيث يبدو كل شيء جميلًا من الخارج، ويظل الواقع على حاله. أو أن نختار طريقًا أكثر صعوبة، لكنه أكثر شرفًا: طريق صناعة الأثر.

قيمة المختص في الموارد البشرية، وقيمة المدرب، لا تُقاس بعدد البرامج التي نفذها، ولا بعدد الشهادات التي حصل عليها، بل بعدد التحولات الإيجابية التي ساهم في إحداثها داخل المؤسسات.

السؤال باقٍ، وسيظل يلاحقنا: هل نحن جادون؟ والإجابة الوحيدة المقبولة ليست جملة تُقال، بل ممارسة تُرى، وأثر يُقاس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts