On Research

مقالات تحليلية

إسرائيل وغرب إفريقيا: تحديات الحضور في ظل الموجة الانقلابية

Email :5324

إعداد 

على عماد الدين البلاحى

باحث مشارك بمركز أون ريسيرش للبحوث العلمية والاستشارات

جمهورية مصر العربية 

 

المقدمة:

تُعد حركة الانقلابات الأخيرة في القارة الإفريقية حدثاً جوهرياً أحدث تغييرات ملموسة في خارطة العلاقات الدولية بين دول غرب إفريقيا وإسرائيل؛ حيث أعاد رسم التوجهات الإسرائيلية وصياغة خططها المتعلقة بمشاريع التطبيع في هذه المنطقة. يستعرض هذا المقال أبعاد وأسباب الرفض الغرب إفريقي للحضور الإسرائيلي، والنتائج المترتبة على ذلك، مع تسليط الضوء على البدائل الاستراتيجية التي انتهجتها هذه الدول كخيار بديل عن إسرائيل في مختلف القطاعات الحيوية.

أولاً: مسببات الرفض الغرب إفريقي للدور الإسرائيلي

  1. التعاون الإسرائيلي الفرنسي المشترك: (أمنياً، عسكرياً، اقتصادياً، وتكنولوجياً) تُمثل إسرائيل بالنسبة لفرنسا أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين في منطقة غرب إفريقيا، حيث تجاوزت مجالات التعاون حدود الشراكة التقليدية لتصبح تحالفاً يهدف من خلاله الجانب الإسرائيلي إلى تعميق وجوده في القارة مستفيداً من المظلة الفرنسية قبل موجة الانقلابات، وذلك عبر التنسيق في المجالات العسكرية، الأمنية، اللوجستية، والاقتصادية.

أبرز ملامح التعاون الفرنسي الإسرائيلي في غرب إفريقيا:

  • التعاون في مجال الطائرات المسيرة (الدرونز) والتكنولوجيا الأمنية: يُعتبر التعاون التكنولوجي العسكري أحد الركائز الأساسية بين الطرفين، حيث رُعيت مشاريع كبرى مثل “مشروع هارفانغ” (Harfang)؛ وهو مشروع فرنسي إسرائيلي مشترك استهدف تطوير مسيرات قادرة على العمل في الظروف المناخية والعملياتية المعقدة في دول مثل مالي، بوركينا فاسو، والنيجر، تلبيةً لمتطلبات الجيش الفرنسي. وقد ارتكز المشروع على تطوير مسيرات من طراز (Heron 1)، ويُعد نتاجاً للشراكة بين شركة (IAI) الإسرائيلية وشركة (Airbus) الفرنسية. وتشير تقارير الجيش الفرنسي إلى أن أول تشغيل عملياتي لهذا المشروع كان في قاعدة “نيامي” بالنيجر ضمن ما عُرف بعملية (سيرفال).
  • مشروع توطين التكنولوجيا الأمنية والاستخباراتية:سعت فرنسا قبل الانقلابات إلى تعميق هذا المسار بشكل حيوي للسيطرة على المفاصل الاستراتيجية لهذه الدول أمنياً بالتعاون مع جهاز “الموساد” الإسرائيلي. وقد برز دور شركة (توتال إنيرجيز) التي استعانت بشركات أمنية إسرائيلية لتأمين ملفات حساسة كاليورانيوم والذهب في النيجر. وتُصنف هذه الشركات بكونها تابعة “فكرياً” للجيش الإسرائيلي، حيث يضم كادرها منتسبين سابقين للمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. وامتد هذا النفوذ ليشمل تحديث الأنظمة الأمنية للمطارات والموانئ لتصبح خاضعة لبروتوكولات ارتباط عبرية، مما أتاح التحكم في حركة الدخول والخروج وتعزيز ترابط الحكومات الموالية لفرنسا وإسرائيل. وبررت إسرائيل ذلك رسمياً برغبتها في إحكام السيطرة المعلوماتية لقطع الطريق أمام وصول الأسلحة إلى قطاع غزة عبر تشاد ثم السودان.
  • ملف التدريب العسكري والاستشارات (المرتزقة التقنيون): يُعد التدريب العسكري ملفاً مكملاً للسياسات السابقة، حيث ساهم التدريب “الفرنسي الإسرائيلي” المشترك للجيوش الوطنية في ترسيخ الفكر الفرانكوفوني وتعميق الارتباط العبري الإفريقي. وقد اتخذ ذلك شكل استشارات عسكرية وتكتيكية تحت غطاء “متعاقدين” يعملون تحت المظلة الفرنسية، مما أثر على العقائد القتالية في دول مثل (غانا، غينيا الاستوائية، والكاميرون)، وهو ما أثار توجساً كبيراً لدى سلطات الانقلاب في بوركينا فاسو والنيجر من تنامي النفوذ الإسرائيلي.

ثانياً: حراك الانقلابات والتحول نحو القطيعة وسياسة الإبدال

أدت الانقلابات المفاجئة في عدة دول بغرب إفريقيا إلى تحول جذري في المواقف الدولية؛ فبعد أن كانت هذه الدول تتبنى المواقف الفرنسية، مالت فجأة نحو المعسكر الشرقي باتباع “سياسة الإبدال” وتعزيز العلاقات مع (روسيا، الصين، وتركيا).

ويبرز انهيار مخطط التطبيع “التشادي الإسرائيلي” كأوضح مثال؛ حيث كانت إسرائيل تطمح لضم تشاد إلى “المجلس الإبراهيمي” اعتماداً على جهودها في الإمداد التكنولوجي والتدريبي. ورغم أن التحول في تشاد قد لا يُصنف “انقلاباً تقليدياً”، إلا أنه كان انقلاباً على الفرانكوفونية، مدفوعاً بنظرة استشرافية للقيادة التشادية (بقيادة إدريس ديبي الابن) حول عدم جدوى الارتهان للغرب، وإمكانية استبدال الجهود الإسرائيلية بشراكات استراتيجية جديدة.

ثالثاً: سياسة الاستبدال الإفريقي والمجالات المستهدفة

اعتمدت دول (النيجر، مالي، بوركينا فاسو، وتشاد) سياسة تهدف لتجاوز تداعيات الطرد المفاجئ لإسرائيل وفرنسا، عبر إسناد الوظائف التي كانت تقوم بها هذه الدول إلى شركاء آخرين. وقد نجحت هذه الدول في استبدال الجهود (الفرنسوصهيونية) في مجالات التكنولوجيا العسكرية، الأمن، التدريب، ومكافحة الإرهاب ببدائل من تركيا وروسيا والصين. ورغم محاولات دول حليفة لإسرائيل كالإمارات الدخول في هذه القائمة، إلا أنها لم تحقق نجاح الشركاء الروس والأتراك.

المجالات التي شملها الاستبدال:

  1. التكنولوجيا العسكرية والمسيرات: استُبدلت تكنولوجيا “الهيرون” الإسرائيلية بمسيرات (بيرقدار TB2) التركية، وذلك في إطار ما يُسمى بـ “دبلوماسية المسيرات التركية”. ومع سيطرة تركيا على نحو 65% من سوق المسيرات عالمياً، عززت حضورها في “تحالف دول الساحل” (AES) عبر تزويدها بمسيرات (آقنجي)، مما جعلها شريكاً رائداً بديلاً عن إسرائيل وفرنسا.
  2. تكنولوجيا المعلومات والاستخبارات: دخلت الصين بقوة في هذا القطاع عبر تزويد دول الساحل بـ:
    • أنظمة المراقبة الذكية: من خلال شركتي (هواوي) و**(ZTE)** اللتين تسيطران على 75% من الخدمات في المنطقة.
    • الاتصالات الفضائية: استبدال الإشارات المستقبلة من الأقمار الصناعية الفرنسية والإسرائيلية بتكنولوجيا (SIGINT) الصينية.
    • التسليح النوعي: برزت المسيرات الصينية (مثل CH-4) كخيارات مفضلة للاستطلاع الجوي، إلى جانب الأسلحة المدرعة والثقيلة.
  3. التواجد العسكري والتدريب الميداني: حل (الفيلق الروسي الإفريقي – فاغنر سابقاً) محل شركات الأمن والتدريب الإسرائيلية التي كانت تعمل تحت المظلة الفرنسية. واستطاعت روسيا تعويض الفراغ في ملف مكافحة الإرهاب، مدعومة بجهود صينية وتركية في تزويد القوات البرية بالعربات والمدرعات.

بالإضافة إلى ذلك، قدمت دول مثل البرازيل عروضاً للمساعدة في البنية التحتية والصحة والتعليم مقابل التزامات حقوقية، مما يعقد مهام العودة الفرنسية الإسرائيلية إلى المنطقة.

الخلاصة والدلالات

تشير المعطيات السابقة إلى تراجع فاعلية المخططات الغربية والإسرائيلية في منطقة الساحل الإفريقي، في ظل الخلفيات الأيديولوجية والسياسية للأنظمة الجديدة التي تتبنى مواقف مناهضة للنفوذ الفرنسي (الامتداد الأوروبي الأقوى والحليف التقليدي لإسرائيل).

ورغم أن المواقف قد لا تصل إلى قطيعة مطلقة، إلا أن تحول توازنات القوى يعكس بيئة إقليمية أقل تقبلاً للنفوذ الخارجي عموماً، والتمدد الإسرائيلي خصوصاً. وعليه، تُمثل موجة الانقلابات الأخيرة إحدى أبرز الانتكاسات الجيوسياسية لإسرائيل في القارة الإفريقية، لما تحمله من إعادة تشكيل للتحالفات وإضعاف لشبكات النفوذ التي بُنيت على مدار عقود.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts