
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)
جمهورية مصر العربية
بعد سبعة وأربعين عامًا على انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم تعد الأسئلة الكبرى مرتبطة فقط بشرعية الحدث التاريخي، بل بنتائجه وتداعياته الممتدة على الدولة والمجتمع. فالثورة التي اندلعت ضد نظام الشاه بدعوى الاستبداد والتبعية، تحولت مع الزمن إلى نظام قائم بذاته، له إنجازاته وإخفاقاته، وأنصاره ومعارضوه، وخطابه الخاص عن النجاح والصمود.
وبعيدًا عن منطق الإدانة أو التمجيد، تبدو الحاجة اليوم ملحّة إلى قراءة متأنية للتجربة الإيرانية؛ قراءة تفصل بين ما تحقق على مستوى الدولة، وما تحمّله المجتمع من كلفة، وبين الشعارات الثورية وواقع الحياة اليومية.
أولًا: الدولة بعد الثورة… من التبعية إلى الاستقلال النسبي
من أبرز ما حققته الثورة الإيرانية هو إنهاء مرحلة الارتباط الوثيق بالغرب، خاصة بالولايات المتحدة، واستبدالها بخطاب سياسي قائم على الاستقلال ورفض الهيمنة الخارجية. هذا التحول لم يكن شكليًا، بل انعكس على طبيعة القرار السياسي، حيث باتت طهران أكثر قدرة على اتخاذ مواقف مخالفة للإرادة الغربية، حتى وإن كلّفها ذلك ضغوطًا سياسية واقتصادية.
في هذا السياق، نجحت الجمهورية الإسلامية في بناء نظام سياسي مستقر نسبيًا. فرغم التحديات الداخلية والخارجية، لم تشهد إيران انهيارًا مؤسسيًا أو فراغًا في السلطة، بل استطاع النظام إعادة إنتاج نفسه عبر الانتخابات والمؤسسات الدستورية، وإن ظل الجدل قائمًا حول طبيعة التعددية وحدودها.
ثانيًا: الهوية الأيديولوجية وتماسك النظام
أعادت الثورة تشكيل هوية الدولة الإيرانية على أساس ديني–سياسي، جعل من الإسلام – وفق قراءة معينة – مرجعية أساسية للحكم والمجتمع. هذه الهوية لعبت دورًا مزدوجًا:
من جهة، أسهمت في خلق حالة تعبئة داخلية مكّنت النظام من الصمود خلال الحرب مع العراق، ثم في مواجهة العقوبات والعزلة. ومن جهة أخرى، أدّت إلى تقييد المجال السياسي والاجتماعي، حيث أُعيد تعريف المقبول والمرفوض ثقافيًا وسياسيًا وفق منطق الثورة، لا وفق تطور المجتمع وتنوعه.
ومع مرور الوقت، ظهر تباين واضح بين جيل الثورة الذي يرى في هذا النموذج ضمانة للاستقلال، والأجيال الجديدة التي تنظر إليه باعتباره عائقًا أمام الانفتاح والاندماج مع العالم.
ثالثًا: النفوذ الإقليمي… قوة سياسية أم عبء اقتصادي؟
لا يمكن قراءة التجربة الإيرانية دون التوقف عند التحول الإقليمي الكبير الذي أعقب الثورة. فقد انتقلت إيران من دولة تركّز على داخلها، إلى لاعب إقليمي فاعل يمتد حضوره من العراق إلى لبنان وسوريا واليمن.
هذا النفوذ منح طهران أوراق قوة في التفاوض والردع، ورفع من وزنها السياسي في ملفات إقليمية معقدة. لكنه في المقابل أثار تساؤلات داخلية متزايدة حول كلفة هذا الدور، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتكررة.
فبالنسبة لكثير من الإيرانيين، لم يعد السؤال: هل لإيران نفوذ؟ بل: هل انعكس هذا النفوذ إيجابًا على حياة المواطن؟
رابعًا: الاقتصاد… التحدي المزمن
ربما يكون الاقتصاد هو الساحة الأكثر حساسية في تقييم حصيلة الثورة. فإيران تمتلك موارد طبيعية ضخمة، وقاعدة بشرية متعلمة، وقدرات صناعية لا يُستهان بها. ومع ذلك، لم يترجم ذلك إلى رفاه اقتصادي مستدام.
العقوبات الدولية لعبت دورًا محوريًا في إضعاف الاقتصاد، لكنها ليست العامل الوحيد؛ إذ تشير تجارب داخلية إلى أن سوء الإدارة، وتضارب مراكز القرار، وتغليب الاعتبارات السياسية على الاقتصادية، كلها عوامل عمّقت الأزمات.
ومع تراجع قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، وتآكل الطبقة الوسطى، باتت المسألة المعيشية هي المحرك الأساسي للاحتجاجات، بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجية.
خامسًا: المجتمع والحريات… فجوة تتسع
على المستوى الاجتماعي، شهدت إيران تحولات عميقة. فقد ارتفعت مستويات التعليم، وازدادت نسبة النساء في الجامعات وسوق العمل، وتغيّرت أنماط الحياة، خاصة في المدن الكبرى. لكن هذه التحولات اصطدمت بإطار قانوني وثقافي محافظ، ما خلق توترًا دائمًا بين المجتمع والدولة.
قضايا مثل حرية التعبير، ودور المرأة، وأنماط الحياة، أصبحت نقاط اشتباك متكررة، تعكس فجوة بين ما يريده المجتمع وما يسمح به النظام. هذه الفجوة لا تعني بالضرورة رفض الثورة بقدر ما تعبر عن حاجة إلى تحديث العلاقة بين الدولة والمواطن.
ثورة أنشأت دولة… ودولة تبحث عن توازن
بعد 47 عامًا، يمكن القول إن الثورة الإيرانية نجحت في إنشاء دولة قوية سياسيًا، لكنها ما زالت تواجه صعوبة في التحول إلى دولة مريحة لمواطنيها. فالمعادلة بين الاستقلال والانفتاح، وبين الأيديولوجيا والتنمية، وبين الدور الإقليمي والاحتياجات الداخلية، لا تزال غير محسومة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع إيران إجراء مراجعات هادئة لتجربتها دون الدخول في صدام شامل مع ماضيها الثوري؟ أم أن الاستمرار بنفس الأدوات سيجعل كلفة الزمن أكبر من قدرة المجتمع على الاحتمال؟
سؤال مفتوح… وإجابته لن تُكتب بالشعارات، بل بالسياسات والخيارات القادمة.


