
ترجمة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية ومترجمة متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
احتجاج الشعب على ارتفاع سعر الدولار ليس احتجاجًا على رقم بعينه. الدولار مجرد مقياس حرارة؛ أما الحمى الحقيقية فهي في مكان آخر. الناس الذين رفعوا أصواتهم اليوم، يرددون منذ سنوات جملة واحدة في داخلهم: «لم يعد من الممكن العيش».
حين تنهار قيمة العملة الوطنية باستمرار، فإن ما يفقد قيمته فعليًا هو وقت الناس وجهدهم. تعمل، تتقاضى راتبك، ثم تكتشف أن ثمرة عملك كل شهر أصغر من الشهر الذي قبله. هذه ليست أزمة اقتصادية عابرة، بل تجربة استنزاف دائم؛ استنزاف بطيء لكنه متواصل، يدفع الإنسان في النهاية إلى نقطة الانفجار.
الاحتجاج حق للشعب، لأن يبدو أنه لم يبقَ طريق آخر. حين لا يغيّر التصويت شيئًا، وحين يصطدم الحوار بالجدران، وحين لا يتظاهر المسؤولون حتى بأنهم يسمعون صوتًا، يصبح الاحتجاج آخر لغة متبقية. لغة قد تبدو قاسية، لكنها نتيجة طبيعية لعدم الإصغاء.
السؤال الحقيقي ليس: «لماذا يحتج الناس؟» بل السؤال هو: ماذا بقي لهم غير الاحتجاج؟ الصبر؟ لقد صبروا سنوات. التقشّف؟ تجاوز حدوده. التعويل على الوعود؟ الوعود انتهت صلاحيتها.
فمن لديه فكرة لتخفيف معاناة الناس؟ عندما لا يتحمل صانع القرار أي كلفة لأخطائه، يدفع الناس الثمن؛ بسفرة أصغر، وبمستقبل أكثر غموضًا، وبالهجرة القسرية أو بالبقاء بلا أفق.
الاحتجاج على الدولار هو احتجاج على عدم الاستقرار؛ على حياة لا يمكن التخطيط لها. أناس لا يعرفون إن كانت إيجارات بيوتهم ومحالّهم ستتضاعف بعد ستة أشهر، ولا إن كان الدواء سيتوفر، ولا إن كانت الوظائف ستبقى. تجاهل هذه الاحتجاجات لا يعني حل المشكلة، بل يعني فقط تكبيرها. يجب الاستماع إلى صوت الشعب واتخاذ خطوات لتخفيف معاناتهم؛ خطوات تعيد إليهم الأمل، وإلا فالتاريخ لا يمزح مع الشعوب.
إذا كان لهذه المقالة أن توضّح أمرًا، فهو أن هذا الشعب ليس متمردًا ؛ بل على العكس، يبحث عن الاستقرار والهدوء، لكنه أُنهك واستُنزف. والاستنزاف الجماعي أخطر من أي شعار سياسي.
المصدر:
https://www.ettelaat.com/news/130742/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%DB%8C-%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%86%D8%AF%D9%87-%D8%A7%DB%8C%D9%86-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%B6-%D8%A8%D9%87-%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D9%86%DB%8C%D8%B3%D8%AA








