
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
إعلامية ومترجمة متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني
جمهورية مصر العربية
غالبًا ما تبدأ الثورات بشرارة صغيرة… حادثة كبيرة تهز المجتمع، وتذهب ضحيتها أعداد من الأبرياء، لتتحول بسرعة إلى رمز للغضب الشعبي وإشعال الاحتجاجات. في إيران، شهد التاريخ مثل هذه اللحظات، مثل حادثة سينما ريكس عام 1978 التي أودت بحياة المئات وكانت شرارة الثورة ضد الشاه، ومقتل ندا جباري بعد انتخابات 2009 الذي أصبح رمزًا للمعارضة، ووفاة مهسا أميني عام 2022 التي أشعلت موجة احتجاجات واسعة ضد قمع الحريات. في كل مرة، تتحول مأساة فردية أو جماعية إلى رمز سياسي يتجاوز الضحايا أنفسهم، ليصبح مرآة لواقع يرفضه الشعب ونداءً للتغيير.
تقدم الأحداث السياسية والاجتماعية في إيران مثالًا صارخًا على تكرار التاريخ مع تبدل الأدوار. حادثة سينما ريكس عام 1978 كانت شرارة الثورة ضد نظام الشاه، والآن يهتف الشعب لعودة أسرة بهلوي التي أصبحت رمزا للحرية والازدهار الاقتصادي والاجتماعي.
- حادثة سينما ريكس
في مساء صيفي من أغسطس عام 1978، لم يكن روّاد سينما ريكس في مدينة آبادان يعلمون أن دخولهم قاعة العرض سيكون بلا خروج.
على الشاشة كان يُعرض فيلم »گوزنها أي الغزلان»، أحد أشهر أفلام السينما الإيرانية آنذاك، فيلم يتحدث عن التمرد، والظلم الاجتماعي، وصدام الفرد مع السلطة…خارج الشاشة، كانت إيران كلها تعيش القصة ذاتها.
فجأة، غُلّقت الأبواب، واشتعلت النيران، وتحوّلت السينما من مساحة للترفيه إلى واحدة من أكثر المجازر غموضًا في تاريخ إيران الحديث.مئات الضحايا احترقوا داخل القاعة، بينما الحقيقة احترقت معهم.
حادثة سينما ريكس لم تكن مجرد حادثة، بل لحظة فاصلة استُخدمت لتغيير مسار التاريخ. في الأيام التالية، توُجّهت أصابع الاتهام فورًا إلى نظام الشاه والسافاك، وطورتهما فيها،
وتحوّلت المأساة إلى وقود سياسي أشعل الشارع، ومهّد الطريق للثورة.
سنوات لاحقة، ستظهر روايات أخرى، تشير إلى تورط متشددين دينيين اعتبروا السينما رمزًا للفساد والانحلال. لكن، في تلك اللحظة، لم يكن السؤال: من أشعل النار؟
بل ، من استفاد منها؟
- السياق التاريخي بين مأساة سينما ريكس و احتجاجات اليوم
في 1978، أدى حريق سينما ريكس إلى سقوط مئات الضحايا، واستغله الخميني في منفاه بالنجف عبر أشرطة الكاسيت لنشر شعار “الموت للشاه”، ما حول الغضب الشعبي من مطالب إصلاحية إلى رفض النظام بأكمله.
اليوم، المشهد يبدو معكوسًا؛ الشعب يهتف لأسرة بهلوي، وولي العهد رضا شاه، مستخدمين شعارات مثل: “جاويد شاه”، هذا التحول يعكس حنينًا جماعيًا لعهد اعتبره الجيل الحالي رمزًا للحرية والازدهار.
- سلاح الإعلام بين شرائط الكاسيت ووسائل التواصل الاجتماعي
ربط أحداث اليوم، بالمشهد الإعلامي يوضح دور الإعلام في تحريك الشارع، حيث لعبت شرائط الكاسيت في ثورة الخميني دورًا هامًا، فقد كانت الأشرطة الصوتية تُنسخ وتوزع سرًا لتكسر سيطرة الدولة على المعلومات، تمامًا كما كانت مأساة سينما ريكس مادة تحريضية لتصعيد الغضب الشعبي.
واليوم، تتصدر وسائل التواصل الاجتماعي المشهد أصبحت بمثابة ” شرائط كاسيت رقمية”، حيث تنتشر الصور والفيديوهات لحظة بلحظة، ما يجعل النظام عاجزًا عن التحكم بالمعلومات رغم قوة قبضته الأمنية، وهذا يعكس تطورًا في “سلاح الشارع”، الذي يوضح استمرار التفاعل بين مأساة الشعب وسلاح الإعلام، وإن اختلفت الوسيلة عبر الزمن، ولكنه يشترك مع الماضي في كونه أداة محورية لتحريك الجماهير ضد السلطة.
- إدارة الأزمة بين الفشل الحكومي والقوة المفرطة
التواصل بين الماضي والحاضر في هذا السياق يمتد أيضًا إلى كيفية إدارة السلطة للأزمات، حيث تعامل نظام الشاه مع مأساة سينما ريكس باللامبالاة، ما عزز مصداقية خطاب المعارضة، حتى بعد إثباتات لاحقة عن تورط جماعات متشددة في الحادث.
أما النظام الحالي فيلجأ إلى القوة المفرطة فورا، مستخدمًا الحرس الثوري وقوات الأمن، ورغم استخدام القوة المفرطة، تتوالى معطيات تكشف هشاشة سيطرة النظام على المشهد الداخلي، من ذلك ما تشير إليه تقارير استخباراتية حديثة بأنه تم وضع خطة طوارئ لتهريب المرشد الأعلى علي خامنئي إلى موسكو إذا تصاعدت الاحتجاجات وفقدت قوات الأمن السيطرة على الموقف، أو في حالة حدوث انشقاقات فيها، وهذا يوضح مدى توتر النظام الحالي وخشية القيادة من انهيار السيطرة.
وفي الحالتين يوضح فشل السلطة أو سوء إدارتها للأزمات هو عامل مشترك يفتح الباب أمام تحريك الشارع، سواء في 1978 أو اليوم، لكن شكل التعامل مع السلطة ومصداقيتها قد اختلف.
- الرمزية التاريخية، السينما والماضي البهلوي
في الماضي، كان حادث سينما ريكس رمزا لصراع بين حداثة المجتمع الإيراني وسطوة السلطة الدينية والسياسية، وقد استخدم كوقود لتحريض الشعب ضد النظام، والحريق أصبح ذريعة لتصعيد الثورة ضد الشاه. اليوم، الشعب يستعيد رمزية هذه الحقبة، لكن بصورة معكوسة؛ الحنين للشاه وعصره يعكس الندم الجماعي على الثورة نفسها ورغبة في مقارنة واقعهم المرير بما فقدوه من حرية وازدهار.
- توظيف الدين، من الثورة إلى ترسيخ السلطة
في ثورة 1978 ، كان الدين هو الأداة الأهم في حشد الجماهير، الخميني لم يُخاطب الشعب بلغة السياسة، بل بلغة المظلومية الدينية والعدالة الإلهية (معتمدا على مظلومية الإمام الحسين، والمرجعية المذهبية)، بينما حادثة سينما ريكس استُخدمت لإدانة الشاه، وربط النظام الملكي بالفساد والانحلال، رغم أن التحقيقات اللاحقة أشارت إلى تورط متشددين دينيين في الحادث.
وبعد نجاح الثورة، تحوّل الدين من أداة تحريض إلى أداة حكم النظام الإيراني الحالي لا يزال يستخدم الخطاب الديني لتبرير القمع، ووصم المعارضين وكأنهم “أعداء الدين” أو “عملاء الخارج”، تماما كما استُخدم الدين سابقًا لإسقاط الشاه.
المفارقة أن الدين في الحالتين لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة للسيطرة السياسية.
- مشهد العودة والهروب، من طائرة فرنسية إلى خطة هروب على متن طائرة روسية
في فبراير 1979، عاد روح الله الخميني إلى طهران على متن طائرة فرنسية، في مشهد لم يكن رمزيًا فحسب، بل سياسيًا بامتياز. الطائرة لم تحمل قائدًا عائدًا من المنفى فقط، بل حملت رسالة واضحة بأن النظام الدولي قد تقبّل، بل وسهّل، انتقال السلطة.
الغرب، الذي رأى أن نظام الشاه استنفذ وظيفته، سمح بتمكين الخميني إعلاميًا وسياسيًا، وترك الشارع يحسم المشهد، في واحدة من أوضح حالات التمكين غير المعلن في تاريخ المنطقة.
في المقابل، تتداول اليوم تقارير عن خطة طوارئ محتملة لتهريب علي خامنئي إلى روسيا، وتكشف التقارير أن الخطة تشمل المرشد الأعلى وأفرادًا من دائرته المقربة تصل إلى نحو 20 شخصًا، بما في ذلك مساعديه وأفراد عائلته، في حال فقدت الأجهزة الأمنية السيطرة على الشارع أو ظهرت انشقاقات داخلية.
وهنا تنقلب الصورة بالكامل، فالزعيم الذي ورث سلطة جاءت على طائرة غربية، قد يضطر إلى المغادرة عبر بوابة حليف اضطراري هو موسكو.
إن كانت طائرة الخميني رمز الصعود والشرعية، فإن الطائرة المحتملة لخامنئي هي رمز القلق والانكفاء.
ومثل هذه الأخبار تُظهر أن النظام الحالي لا يزال يراقب عن كثب مدى التحول في ولاء الأجهزة الأمنية، وأن استمرار الاحتجاجات المندلعة نتيجة سوء الأوضاع المعيشية له تأثير عميق على ثقة القيادة في قدرتها على البقاء.
- أسرة بهلوي والسلطة، بين أخطاء الماضي واستغلال الحاضر
كما استغل النظام الثوري أخطاء الشاه وأسرة بهلوي في الفساد والاستبداد والترف لتعبئة الشارع، يتم اليوم استدعاء صورة بهلوي بصورة انتقائية؛ لا باعتبارها تجربة كاملة، بل كرمز مضاد لواقع أكثر قسوة.
هذا لا يعني تبرئة نظام الشاه، بل يعكس حقيقة أن الشعوب حين تُدفع إلى الزاوية، تقارن بين السييء والأسوأ، فكما دفع الشعب الإيراني ثمن السياسات البهلوية، دفع ثمنًا أفدح بعد الثورة، عندما تحولت الشعارات إلى نظام منغلق صادر الحريات وأدار البلاد بعقلية أمنية ودينية.
- الدور الدولي والنظام العالمي، من دعم الخميني إلى إدارة الفوضى اليوم
لا يمكن فهم الثورة الإيرانية عام 1979 بمعزل عن تدخل النظام العالمي والقوى الدولية في توجيه المسار السياسي داخل إيران. فبينما بدا سقوط الشاه وكأنه نتيجة غضب شعبي صرف، تكشف القراءة اللاحقة أن القوى الغربية لم تكن متمسكة ببقاء الشاه حتى النهاية، بل رأت في الخميني بديلًا قادرًا على احتواء الشارع وإعادة ضبط التوازن الإقليمي آنذاك، وهو نفس سيناريو سيطرة طالبان على حكم مرة أخرى في 21 أغسطس 2021، وهروب أشرف غني.
تم غضّ الطرف عن تحركات الخميني، وسُهّل له الخطاب الإعلامي، وسُمح لأشرطة الكاسيت بالانتشار، في لحظة كان فيها النظام العالمي يبحث عن إعادة ترتيب النفوذ لا عن حماية الشعب الإيراني .وهكذا، استُخدم الغضب الشعبي كأداة لتنفيذ انتقال سياسي يخدم مصالح دولية، لا تطلعات الشعب الحقيقية.
اليوم، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة؛ القوى الدولية تدعم الشارع الإيراني ليكون ورقة ضغط، لا طرفًا في صناعة القرار، وتذكير للنظام الإيراني بقدرتها على إسقاطه.
- السؤال الأبدي، من يدفع الثمن؟ الشعب دائمًا
في كلتا المرحلتين، كان الشعب الإيراني هو من دفع الثمن الحقيقي:
- دفع ثمن صراع الشاه مع المعارضة.
- دفع ثمن استخدامه كوقود للثورة.
- دفع ثمن صراعات النظام الحالي مع العالم.
- ويدفع اليوم ثمن الفقر، القمع، والعزلة الدولية.
بينما تتغير الشعارات والوجوه، يبقى الثابت الوحيد هو أن السياسة تُدار فوق الرؤوس، والدين والإعلام يُستخدمان لتوجيههم، ثم يُتركون لمواجهة النتائج وحدهم.
الربط بين حادثة سينما ريكس، الثورة الإيرانية، والاحتجاجات الحالية يكشف حقيقة مركزية ألا وهي أن إيران لم تكن يومًا خارج لعبة المصالح الدولية، لكن شعبها كان دائمًا خارج حسابات تلك المصالح.
الدين استُخدم لإسقاط نظام، ثم استُخدم لترسيخ نظام آخر. القوى الدولية ساعدت في التغيير، ثم أدارت الاستقرار الهش. والشعب… من الهتاف إلى الدم، من الأمل إلى الندم، هو من يدفع الفاتورة في كل مرة.
اليوم، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة؛ هذا الشعب الذي حُبس داخل سينما ريكس واحترق، خرج لاحقًا إلى الشارع حاملًا غضبه ومطالب الحرية، مدعومًا بصمت وتوافق دولي، ليكتب فصل الثورة الإيرانية بأشد لحظاته قوة. واليوم، بعد سنوات طويلة من القمع والفشل الاقتصادي والسياسي، يظهر الشارع الإيراني مجددًا، يهتف ضد السلطة القائمة، ليؤكد أن التاريخ قد يعيد نفسه، وأن غضب الشعب لا يمكن كبحه، ويمكن توظيفه مهما امتدت قوة النظام أو تحالفاته الدولية.


