On Research

مقالات تحليلية

الجبهة الداخلية في إيران الآن؛ انقسام أم التفاف هش في مواجهة تهديد مركب؟

Email :1305

إعداد
د. محمد حسن الزيبق
كاتب أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني
كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر
جمهورية مصر العربية

 

مقدمة: سؤال الجبهة الداخلية في لحظة الاختبار

في كل دولة، هناك لحظات عادية تُدار فيها الخلافات ضمن الإيقاع اليومي للسياسة، وهناك لحظات استثنائية تُختبر فيها بنية “الجبهة الداخلية” بوصفها عامل بقاء أو تفكك. ما شهدته إيران في أحداث “دي‌ماه 1404هـ.ش/ يناير 2026م” – بما انطوت عليه من احتجاجات، وعنف مسلح، وعمليات إرهابية، وصراع روايات، وتدخل إعلامي خارجي مكثف – ينتمي بوضوح إلى الصنف الثاني.

السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل توجد معارضة؟ فوجود المعارضة حقيقة بنيوية في أي مجتمع حي. ولا هو: هل هناك أخطاء في الحكم؟ فذلك بديهي. بل السؤال الأعمق والأكثر خطورة هو: هل تعيش إيران حالة انقسام داخلي بنيوي، أم حالة التفاف هش حول الدولة في مواجهة تهديد مركب؟ وهل كانت الجبهة الداخلية الإيرانية واحدة، أم كانت منقسمة بانقسام الجغرافيا والعرقيات؟

هذا السؤال يأخذنا مباشرة إلى لب الإشكال، وهو أعمق بكثير من ثنائية “موالاة/ معارضة”. والإجابة المختصرة: لا، الجبهة الداخلية الإيرانية لم تنقسم على أساس الجغرافيا أو العرقيات، لكنها شهدت محاولات منظمة لدفعها في هذا الاتجاه، دون نجاح حاسم. أما التفصيل – وهو الأهم – فيحتاج تفكيكًا هادئًا:

أولًا: ماذا يعني الانقسام الجغرافي–العرقي نظريًا؟

لو كانت إيران قد دخلت فعلًا في انقسام عرقي أو جغرافي، لكنا أمام مؤشرات واضحة، مثل:

  • اصطفاف محافظات كاملة في مواجهة محافظات أخرى.
  • تحول الهويات القومية (كردي، بلوشي، عربي، أذري…) إلى مرجع سياسي بديل عن الدولة.
  • بروز قيادات ميدانية محلية بخطاب انفصالي أو فيدرالي صريح.
  • انتقال مركز الاحتجاج من “مطالب معيشية/ سياسية” إلى “حقوق قومية/ حدودية”.

لكن أيًا من هذه الشروط لم يتحقق بصورة عامة في أحداث “دي‌ماه 1404”.

ثانيًا: الخريطة الميدانية للاحتجاجات – تشابه لا انقسام

ما يُلفت في أحداث “دي‌ماه” ليس تباين الجغرافيا، بل تشابهها:

  • الاحتجاجات ظهرت في مدن مركزية وأطراف: طهران، مشهد، أصفهان، شيراز، تبريز، الأهواز…
  • الشعارات الأساسية كانت اقتصادية–سياسية عامة، لا قومية. حتى في المحافظات ذات الحساسية العرقية (خوزستان، كردستان، سيستان وبلوشستان)، لم تتحول الحركة إلى انتفاضة قومية شاملة؛ وهذا يعني أن خط الانقسام لم يكن “مركز/ هامش” ولا “فارسي/ غير فارسي”، بل كان دولة في مواجهة خليط غير متجانس من احتجاج، وعنف، وتخريب.

ثالثًا: لماذا تظهر العرقيات في صورة جبهة مستقلة؟

هناك ثلاثة أسباب بنيوية:

  1. اندماج العرقيات في الدولة أكثر مما يُتصور: رغم كل الاختلالات، العرقيات في إيران ممثلة في مؤسسات الدولة (جيش، حرس، إدارة)، متداخلة سكانيًا (لا وجود لحدود صافية)، ومرتبطة اقتصاديًا بالمركز، وهذا يمنع نشوء “كتلة عرقية سياسية صافية”.
  2. ذاكرة الفوضى الإقليمية: المجتمعات الحدودية الإيرانية رأت بأعينها مصير الأكراد في سوريا، وتفكك العراق، وحرب ليبيا. هذا الأمر خلق خوفًا جماعيًا من سيناريو “التحرير الخارجي”.
  3. فشل المعارضة الخارجية في إنتاج خطاب قومي مقنع: رفعت المعارضة في الخارج شعارات انفصالية في الإعلام، لكنها لم تقدم مشروعًا واقعيًا للحياة بعد الدولة. وكانت النتيجة أن الخطاب لم يجد حاضنة اجتماعية واسعة.

رابعًا: لماذا كان الرهان الخارجي على العرقيات كبيرًا؟

لأن تفكيك إيران لا يمر عبر الثورة السياسية فقط، بل عبر كسر الجغرافيا، وضرب الهوية الوطنية الجامعة، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى صراعات هوية؛ لكن ما جرى أثبت أن الهوية الإيرانية – رغم كل أزماتها – ما زالت أقوى من مشاريع التقسيم.

لم تكن الجبهة الداخلية الإيرانية موحدة بالكامل، ولم تكن منقسمة عرقيًا أو جغرافيًا، بل كانت في حالة تماسك هش مع انقسامات سياسية–رمزية حادة. وهذا الأمر ينقلنا إلى السؤال الثاني: هل تعيش إيران حالة انقسام داخلي بنيوي، أم حالة التفاف هش حول الدولة في مواجهة تهديد مركب؟

وللإجابة على هذا السؤال، لا يكفي الاكتفاء بالتحليل الأمني، ولا الخطاب التعبوي، ولا السرديات الإعلامية المنفردة. المطلوب قراءة تركيبية للجبهة الداخلية بوصفها شبكة من الفاعلين: الدولة، النخب السياسية، التيارات الفكرية، الإعلام، الشارع، والمجال الخارجي الذي يتقاطع مع الداخل بصورة غير مسبوقة.

أولًا: مفهوم الجبهة الداخلية – من التماسك إلى إدارة الصراع

الجبهة الداخلية ليست وحدة صماء، بل قدرة المجتمع السياسي على إدارة الصراع دون الانهيار. هي ليست غياب الخلاف، بل وجود خطوط حمراء مشتركة: السيادة، وحدة الأرض، رفض العنف المنفلت، ورفض التوظيف الخارجي. من هذا المنظور، يمكن التمييز بين ثلاث حالات:

  1. الالتفاف: حين تتقدم الأولويات الوجودية (الأمن، الاستقلال) على الخلافات السياسية.
  2. الانقسام المُدار: خلافات حادة لكن ضمن قواعد وطنية مشتركة.
  3. الانقسام البنيوي: تفتت في المرجعيات، وتشظٍ في تعريف “العدو” و”الصديق”.

أحداث “دي‌ماه” وضعت إيران على حافة الانتقال من الحالة الثانية إلى الثالثة، أو – في المقابل – أعادت إنتاج لحظة التفاف قسري، لكن غير مكتمل.

ثانيًا: طبيعة ما جرى – احتجاج اجتماعي أم هجوم مركب؟

من أخطر ما كشفته الأحداث هو الخلط المتعمد بين ثلاثة مستويات مختلفة:

  1. الاحتجاج الاجتماعي المشروع: مطالب اقتصادية، غضب تراكمي، شعور بالانسداد.
  2. العنف المنفلت: مهاجمة مراكز أمنية، استخدام السلاح، قتل عناصر حفظ الأمن.
  3. العمل الإرهابي المنظم: هجمات منسقة، توقيت متزامن، نمط يتجاوز “الاحتجاج”.

هذا الخلط لم يكن بريئًا، بل كان جوهر الصراع على الرواية. فمن جهة، سعت مؤسسات الدولة إلى تثبيت توصيف “الهجوم الإرهابي”. ومن جهة أخرى، عملت قطاعات من الإعلام الإصلاحي والمعارض الخارجي على إعادة كل شيء إلى خانة “الاحتجاج”. هنا بدأ الشرخ في الجبهة الداخلية: ليس حول الحدث نفسه، بل حول معناه.

ثالثًا: الإصلاحيون بين خطابين – الازدواجية القاتلة

تكشف مقالات الصحافة الإيرانية التي بين أيدينا صورة إشكالية لدور التيار الإصلاحي؛ فالمسألة ليست أن الإصلاحيين “عارضوا الدولة”، بل أنهم لم يحسموا موقعهم في لحظة سيادية حرجة. ويمكن رصد ثلاث طبقات داخل التيار الإصلاحي:

  1. إصلاحيون اندمجوا في خطاب الدولة: شخصيات مثل عطا الله مهاجراني، وشمس الواعظين، وعطريانفر، تحدثت بوضوح عن تدخل خارجي، ونموذج سوري/ ليبي، وخطر التفكك.
  2. إصلاحيون في المنطقة الرمادية: القيادات التنظيمية، وبعض الصحف الكبرى (اعتماد، شرق، هم‌ ميهن)، التي ركزت على: المعتقلين، الحقوق، “الاستماع إلى صوت الاحتجاج”، مع تجاهل شبه كامل لضحايا الإرهاب من قوات الأمن.
  3. إصلاحيون صامتون أو متأخرون: موقف محمد خاتمي وبيان آذر منصوري مثالان واضحان؛ إدانة عامة، لغة عاطفية، دون تسمية الفاعلين أو تحديد طبيعة الجريمة. هذه الازدواجية لا تعبر فقط عن حسابات سياسية، بل عن أزمة هوية؛ هل الإصلاح من داخل الدولة، أم من خارج معادلة السيادة؟

رابعًا: الإعلام الإصلاحي وصناعة الفراغ الأخلاقي

الإعلام في لحظات الأزمات ليس ناقلًا محايدًا، بل فاعل مركزي في تشكيل الجبهة الداخلية. ما فعلته بعض الصحف الإصلاحية كان خطيرًا على ثلاثة مستويات:

  1. الانتقائية: إبراز ضحايا طرف واحد، وتغييب الطرف الآخر.
  2. إعادة التسمية: تحويل العنف إلى “احتجاج”، والهجوم إلى “غضب”.
  3. تفريغ الحدث من بعده الأمني: وكأن الدولة تتعامل مع مظاهرة لا مع هجوم مسلح. النتيجة كانت فراغًا أخلاقيًا؛ ضحايا بلا اعتراف، شهداء بلا سردية، وأمن بلا شرعية رمزية. هذا الفراغ هو ما تملؤه لاحقًا روايات الخارج.

خامسًا: المعارضة الخارجية وسيناريو التفكيك

الدور الذي لعبته قنوات مثل “إيران إنترنشنال”، و”بي بي سي فارسي”، و”منوتو” تجاوز الإعلام إلى التعبئة الصريحة. اللغة المستخدمة (“ميدونه جنگه”، “رحم نكنيد”) ليست لغة احتجاج، بل لغة حرب أهلية مصغرة. تشبيه بعض مشاهير المعارضة بشعبان جعفري أو ما يعرف بـ “شعبان بي مخ” – رغم حدته – يضيء على نمط متكرر؛ التحريض من الخارج، ودفع الداخل إلى المواجهة، والاستثمار في الفوضى دون كلفة شخصية. هنا لا نتحدث عن حرية تعبير، بل عن اقتصاد سياسي للفوضى.

سادسًا: بيان زيدآبادي ورضا بهلوي – حدود التلاقي المستحيل

مقال أحمد زيدآبادي بالغ الأهمية لأنه يكشف خط التماس الحقيقي داخل المعارضة. شروطه الثلاثة (احترام الإسلام، دعم فلسطين، نبذ العنف) ليست تفصيلًا، بل تعريفًا لمعيار الوطنية. رفض رضا بهلوي الضمني لهذه الشروط يوضح أن جزءًا من المعارضة ارتبط استراتيجيًا بمحاور خارجية، وأن أي التزام بالقضايا الوطنية سيُفقده “رأسماله السياسي”. وهذا الأمر يعمق الانقسام؛ لأنه يحول الصراع من سياسي إلى هوياتي-حضاري.

سابعًا: الدولة بين الأمن والشرعية

الدولة الإيرانية واجهت تحديًا مزدوجًا: حفظ الأمن في ظرف عنيف، والحفاظ على الحد الأدنى من الشرعية الاجتماعية. وقد أدت إجراءات مثل قطع الإنترنت، رغم مبرراتها الأمنية، إلى تعميق الفجوة مع الطبقة الوسطى، والإيرانيين في الخارج، والاقتصاد الرقمي. لكن في المقابل، فشل الخطاب الإصلاحي في الاعتراف بضرورة الأمن جعل الدولة وحيدة رمزيًا في مواجهة الإرهاب.

ثامنًا: هل نحن أمام انقسام أم التفاف؟

الإجابة الدقيقة: نحن أمام التفاف أمني دون التفاف سياسي-رمزي كامل. المجتمع لم ينخرط في حرب أهلية، والدولة لم تفقد السيطرة؛ لكن الثقة بين مكونات الجبهة الداخلية تآكلت. هناك إجماع سلبي على رفض الفوضى، لكن لا يوجد إجماع إيجابي على تعريف المستقبل.

خاتمة:

الجبهة الداخلية كمسؤولية أخلاقية الجبهة الداخلية لا تُبنى بالقمع وحده، ولا بالشعارات الإصلاحية الفضفاضة، ولا بالتحريض الخارجي. هي تُبنى بثلاثة شروط:

  1. وضوح أخلاقي: تسمية العنف عنفًا، والإرهاب إرهابًا.
  2. شجاعة سياسية: نقد الدولة دون فتح الباب للخارج.
  3. مسؤولية إعلامية: لا حياد في الدم.

إيران اليوم ليست على حافة الانهيار، لكنها على حافة إعادة تعريف ذاتها. فإما أن يتحول الخلاف إلى طاقة إصلاح داخل السيادة، أو يُستثمر كوقود لتفكيك الدولة. وهنا، لا يكون السؤال: من مع من؟ بل: مع أي إيران نقف؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts