
كتابة وتحليل
د. ريم أبو الخير
(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)
جمهورية مصر العربية
مقدمة
شهدت العلاقات المصرية–الإيرانية خلال الفترة الأخيرة تحولًا لافتًا في نبرتها واتجاهها، انتقلت فيه من حالة الجمود والحذر التقليدي إلى مسار تقاربي محسوب تحكمه اعتبارات التوازن الإقليمي والبحث عن قنوات تواصل غير صدامية. هذا التقارب لا يعكس بالضرورة تطبيعًا كاملًا، بقدر ما يعبر عن إدراك متبادل لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية وتداخل الملفات الأمنية والسياسية.
في هذا السياق، برزت القاهرة كطرف وسيط موثوق في أكثر من ملف حساس، مستفيدة من ثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها المتشعبة مع القوى الدولية والإقليمية. وقد لعبت مصر دورًا ملحوظًا في تسهيل قنوات التواصل غير المباشر بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في لحظات توتر حادة، سعت خلالها إلى خفض منسوب التصعيد، وفتح نوافذ للحوار الفني والسياسي، بما يحفظ مصالح الأطراف ويمنع تدويل الأزمة أو دفعها نحو مسارات عقابية أوسع.
تعكس هذه الأدوار الوساطية إدراكًا إيرانيًا متزايدًا لأهمية مصر كدولة مؤسسات قادرة على الجمع بين الشرعية الدولية والفهم العميق لتعقيدات الإقليم، كما تعكس في الوقت نفسه توجهًا مصريًا يسعى إلى تثبيت موقع القاهرة كفاعل توازني لا ينخرط في الاستقطاب، بل يعمل على إدارة الأزمات لا تأجيجها. ومن هنا، يمكن النظر إلى الحراك المصري–الإيراني الأخير بوصفه تقاربًا وظيفيًا تمليه الضرورة الإقليمية، ويؤسس – ولو تدريجيًا – لدور مصري أكثر حضورًا في ضبط الإيقاع بين طهران والمؤسسات الدولية.
تعتبر مصر واحدة من اللاعبين الإقليميين الكبار في الشرق الأوسط، ويأتي دورها في صميم معادلات التوازن الإقليمي. من منظور طهران، تبرز القاهرة كقوة مركزية تلعب دورًا حذرًا بين القوى الإقليمية، دون الانحياز الكامل لأي طرف، ما يجعلها عنصرًا مهمًا في معادلة الاستقرار الإقليمي.
1- مصر كركيزة توازن إقليمي في الحسابات الإيرانية
من منظور طهران، لا تُصنف مصر ضمن معسكر الخصوم ولا تُدرج في خانة الحلفاء، بل يُنظر إليها كقوة عربية مركزية قادرة على ضبط إيقاع التوازن الإقليمي. فالقاهرة تتحرك بمنطق الدولة لا الأيديولوجيا، وتدرك أن أي تصعيد واسع ستكون كلفته مرتفعة على الجميع، خصوصًا في مناطق حيوية مثل البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل موقفها عنصرًا لا يمكن تجاهله في أي حسابات استراتيجية إيرانية.
2- التقارب الوظيفي: من القطيعة الصامتة إلى الحوار المنظم
يعكس تكثيف اللقاءات بين المسؤولين الإيرانيين ووزير الخارجية المصري انتقال العلاقات من مرحلة الدبلوماسية الصامتة إلى التواصل السياسي المنظم. هذه اللقاءات، التي غالبًا ما تأتي على هامش اجتماعات دولية وإقليمية، تشير إلى رغبة متبادلة في إدارة الخلافات عبر الحوار بدل تركها عرضة للتصعيد أو الضغوط الخارجية. وترى طهران في وزير الخارجية المصري ممثلًا لدولة تمتلك شرعية دولية وخبرة مؤسسية، وقادرة على الاستماع دون فرض شروط، وعلى نقل الرسائل دون تبنّيها، وهو ما يمنح هذه اللقاءات قيمة عملية تتجاوز البروتوكول.
3- مصر كوسيط بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية
برز الدور المصري بشكل خاص في تسهيل قنوات تواصل غير مباشرة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في لحظات توتر حادة. فقد سعت القاهرة إلى خفض منسوب التصعيد، وفتح نوافذ للحوار الفني والسياسي، بما يحول دون تدويل الأزمة أو دفعها نحو مسارات عقابية أوسع. هذا الدور الوساطي لم يُنظر إليه إيرانيًا كضغط أو اصطفاف، بل كمسعى لتجنب المواجهة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا في طهران لأهمية مصر كدولة قادرة على الجمع بين القبول الدولي والفهم العميق لتعقيدات الإقليم.
4- إدارة الاختلاف لا إنكاره
تقوم المقاربة المصرية تجاه إيران على إدارة الخلاف لا تجاهله. فالقاهرة لا تتبنى المواقف الإيرانية، لكنها في الوقت ذاته لا تغلق باب الحوار أو تساير منطق العزل. هذا النهج، القائم على الواقعية السياسية، يُنظر إليه في إيران باعتباره نموذجًا عقلانيًا يختلف عن سياسات الضغط القصوى أو المواجهة الصفرية.
5- البعد الإقليمي للوساطة المصرية
لا يقتصر الدور المصري على الملف النووي، بل يمتد إلى ملفات إقليمية تتقاطع فيها المصالح الإيرانية، من بينها:
- أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
- تداعيات الحرب في غزة واحتمالات توسعها إقليميًا.
- استقرار المشرق العربي ومنع تحوله إلى ساحة صراع مفتوح.
في هذه الملفات، ترى طهران أن مصر تمثل عامل كبح للتصعيد لا محركًا له، وتسعى إلى منع الانفجار الشامل الذي قد يفرض وقائع جديدة على الجميع.
6- التنسيق المصري مع الخليج والولايات المتحدة: مصدر حذر لا قطيعة
رغم مراقبة طهران الحذرة للتنسيق المصري مع دول الخليج والولايات المتحدة، فإنها تميز بين التنسيق الأمني والاصطفاف الاستراتيجي الكامل. فمصر، من وجهة النظر الإيرانية، لا تشارك في مشاريع تطويق إيران، بل تعمل على حماية مصالحها الوطنية وضمان الاستقرار الإقليمي.
7- دلالات سياسية أوسع
يمكن قراءة هذا الحراك بوصفه محاولة مصرية لإعادة تثبيت دورها كفاعل محوري في إدارة أزمات الشرق الأوسط، وليس مجرد طرف متأثر بها. أما بالنسبة لإيران، فإن الانفتاح المدروس على القاهرة يُعد استثمارًا في قوة توازن عربية قادرة على التأثير دون فرض إملاءات، وعلى التهدئة دون التفريط في استقلال قرارها.
خاتمة
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن القاهرة تحتل في الرؤية الإيرانية موقع القوة المعتدلة والمتوازنة داخل المشهد الإقليمي، فهي ليست خصمًا مباشرًا لطهران، كما أنها لا تُدرج ضمن دائرة الحلفاء الاستراتيجيين، بل يُنظر إليها باعتبارها ركيزة استقرار استراتيجية ذات ثقل سياسي ودبلوماسي لا يمكن تجاهله. هذا التوصيف يعكس إدراكًا إيرانيًا واضحًا بأن مصر تمتلك قدرة فريدة على التحرك بين المحاور، مستندة إلى تاريخها السياسي، وثقلها المؤسسي، وموقعها الجغرافي، وهو ما يجعلها طرفًا حاضرًا في كل الحسابات المتعلقة بإدارة الأزمات أو احتواء التوترات في الشرق الأوسط. ومن هنا، ترى طهران أن أي تحولات كبرى تشهدها المنطقة، سواء على مستوى الصراعات المفتوحة أو مسارات التهدئة، لا يمكن أن تتم دون مراعاة الدور المصري، خصوصًا في الملفات التي تتطلب موازنة دقيقة بين المصالح الإقليمية والشرعية الدولية.
ومن المنظور الإيراني، تبقى مصر عنصرًا أساسيًا في معادلة التوازن الإقليمي، ولاعبًا يفرض احترامه واعتباره في الحسابات الاستراتيجية، ليس فقط بحكم قوتها التقليدية، بل أيضًا بسبب قدرتها على إدارة الخلافات بدل تعميقها، والتعامل مع الأزمات بمنطق الدولة لا بمنطق الاستقطاب الأيديولوجي. فالقاهرة، في الرؤية الإيرانية، تمثل نموذجًا لقوة تسعى إلى منع الانفجار الشامل، وتدرك أن الفوضى الإقليمية ستنعكس سلبًا على الجميع دون استثناء. ولذلك، يُنظر إلى الدور المصري بوصفه حجر الزاوية في أي محاولة لضبط الأزمات، سواء تلك المرتبطة بالملف النووي الإيراني، أو بالصراعات الممتدة في المشرق العربي، أو بأمن الملاحة والتوازنات البحرية ذات البعد الدولي.
وفي المحصلة، لا يمكن توصيف العلاقة المصرية–الإيرانية الراهنة على أنها تحالف استراتيجي أو خصومة صلبة، بل هي تقارب وظيفي تفرضه ضرورات المرحلة وتعقيدات السياق الإقليمي. هذا التقارب لا يقوم على تطابق في الرؤى أو المصالح، بقدر ما يستند إلى إدراك مشترك لأهمية الحوار وتبادل الرسائل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وهو تقارب يهدف في جوهره إلى ضبط الإيقاع الإقليمي، وتخفيف حدة الاستقطاب، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات شاملة قد تخرج عن السيطرة. وفي هذا الإطار، تظل مصر – في العقل الاستراتيجي الإيراني – ميزانًا ثقيلًا لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه عند رسم معادلات التوازن الإقليمي أو البحث عن مخارج سياسية للأزمات المتفاقمة في الشرق الأوسط.


