
إعداد
دكتور رفعت عامر
أكاديمي وباحث في الاقتصاد الدولي وقضايا التنمية المستدامة
مملكة السويد- أوربرو
ملخص
يقدّم هذا البحث إطارًا تحليليًا لتعريف مفهومي الذكاء الاصطناعي والإرهاب، ويستعرض الكيفية التي تُسهم بها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي في تعزيز قدرات الجماعات الإرهابية على تنفيذ عملياتها، وذلك من خلال تمكينها من جمع البيانات وتحليلها، والتخطيط الدقيق، والتحشيد، والتحكّم، واتخاذ القرارات بصورة أكثر فاعلية. كما يسلّط البحث الضوء على السياسات والتدابير التي يمكن أن تعتمدها الدول لمواجهة هذا التهديد المتصاعد.
وقد توصّل البحث إلى أن ظاهرة الإرهاب باتت مركّبة ومعقّدة، ولم تعد الأسباب المحلية لنشوئها كافية لفهم أبعادها أو صياغة حلول ناجعة لها، خاصة بعد تمكن الجماعات الإرهابية من تنفيذ عمليات بعيدة عن مناطق وجودها اعتمادًا على تقنيات الذكاء الاصطناعي. ولهذا يوصي البحث بضرورة تعزيز التعاون والتنسيق على المستويين الإقليمي والدولي، وإطلاق مشاريع تنموية على المستوى المحلي لمعالجة الجذور العميقة للإرهاب ذات الأبعاد التاريخية والثقافية والاقتصادية والمجتمعية. كما يوصي بإنشاء وزارة حكومية مختصة بمحاربة الإرهاب لضمان توحيد الجهود وتطوير سياسات شاملة وفعّالة.
الكلمات المفتاحية :
Abstract :
This research provides an analytical framework for defining the concepts of artificial intelligence and terrorism, and examines how applications of artificial intelligence and machine learning enhance the operational capabilities of terrorist organizations. These technologies enable them to collect and analyze data, plan operations, mobilize resources, exercise control, and make decisions with greater efficiency. The study also highlights the policies and preventive measures that states can adopt to counter these groups.
The research concludes that terrorism has become a complex and multifaceted phenomenon, and that local factors alone are no longer sufficient to explain its emergence or to formulate effective solutions. With terrorist groups now able to carry out attacks far beyond their physical locations—thanks to their ability to acquire and utilize artificial intelligence tools—there is an urgent need for strengthened regional and international cooperation. The study further recommends launching development projects at the local level to address the deep-rooted historical, cultural, economic, and societal causes that fuel terrorism. In addition, it calls for the establishment of a dedicated governmental ministry for combating terrorism to consolidate efforts and develop comprehensive, effective policies.
Keywords: Artificial intelligence, terrorist organizations, cyber-terrorism, international security, extremism, cybersecurity.
مقدمة
إنَّ تاريخ تطور البشرية لم يكن في يوم من الأيام بعيدًا عن المخاطر والتحديات، ولكنَّ السُّنن الكونية كانت دومًا مفتوحةً أيضًا على الفرص والممكنات، وتميَّز الإنسان في صراعه الطويل مع الطبيعة بابتكاره الأدوات والوسائل المناسبة للتغلُّب على المصاعب ومواجهة التحديات، وبمقدرته على اجتراح الحلول واستغلال الفرص، وإن كان ذلك قد استغرق من تاريخه نحو عشرة آلاف عام لكي يصل إلى الثورة الزراعية، ونحو ثلاثة قرون للوصول إلى الثورة الصناعية، بينما ثورة الذكاء الاصطناعي التي نعيشها اليوم، لم تأخذ فعليّاً منه أكثر من عشر سنوات، بل إنَّ بعض الآراء العلمية تعلن بدايتها الثورية في عام 2018م.
يعدُّ الذكاء الاصطناعي أحد الأحداث الكبرى في تاريخ تطوُّر البشرية، ومن شأنه أن يُحدِث ثورةً في الاقتصاد والصحة والتعليم والزراعة والصناعة، وفي باقي مجالات الحياة، فهو اليوم في طليعة الريادة التكنولوجية، ويشكِّل بُعدًا حيويّاً للقوة الجيوسياسية والاستراتيجية للدول. إنه موجود داخل أجهزتنا الحاسوبية، وفي هواتفنا، وفي شبكة الإنترنت، وتستخدم تطبيقاته في معظم الخدمات، يُنظِّم، ويفسِّر، ويُترجم دفق المعلومات عبر الكوكب، فهو في كل مكان يزلزل العالم.
وعلى الرغم من أنَّ الذكاء الاصطناعي والتعلُّم العميق قد قدَّم فرصًا هائلةً للبشرية في مسار بحثها عن وسائل جدية وتقنيات مبتكرة لتحسين نوعية حياتها، وتطوير وسائل عيشها، إلا أنَّه فرض أيضًا تحدياتٍ قد يصعب على البشر تجاهلها وتركها دون حلول؛ من مثل وصول تطبيقات هذا الذكاء إلى الجماعات الإرهابية التي بدأت في استخدامه وإتقان العمل به، وأصبح سلاحًا تستخدمه في زعزعة أمن الدول واستقرارها.
تميَّزت ثورة الذكاء الاصطناعي في تسارعها اللوغاريتمي الذي ينبِئ بتغيُّرات جوهرية في حياة البشر في الجانبين المادي والروحي، وخصوصًا إذا ما توصَّل العلماء إلى المرحلة التي تصبح فيها الروبوتات قادرة كليّاً على إنتاج الأفكار والتصرُّف بعيدًا عن إرادات البشر، وعندها قد لا نجني المكاسب فقط بل قد يتحول هذا الروبوت إلى عدوٍّ للإنسان في حال تعارض منطقنا وسلوكنا مع منطقه ونظام تصميمه الذكي، حيث من المتوقع أن تفوق قدرات هذه الروبوتات أضعافًا مضاعفة، قد تصل إلى أكثر من ألف ضعف من قدرات الإنسان1.
إنَّ ما تواجهه البشرية اليوم ليس التحدي التقني الذي تفرضه الثورة الحاصلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل الأخطر من ذلك هو وصول هذه التقنيات إلى الجماعات الإرهابية حول العالم، و تمكّنها من امتلاك هذا الذكاء وتعلُّمه واستخدامه في حروبها وغزواتها على المجتمعات والدول، والسعي إلى تدمير مؤسساتها وزعزعة أمنها واستقرارها، حتى ذهب بعضهم إلى تصوُّر أخطار قد تصل إلى حدِّ تدمير العالم باستخدام هجمات سيبرانية منظَّمة من قبل بعض الجماعات والدول المارقة، إذا لم يستطع المجتمع الدولي وضع حدٍّ لتلك الجماعات والدول في أسرع وقت ممكن.
أولا: الإطار المنهجي للبحث :
- أهداف البحث وأهميته
يهدف هذا البحث إلى تحليل دور تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي في تعزيز القدرات العملياتية والإعلامية للجماعات الإرهابية،
من خلال استكشاف أهم التطبيقات التقنية التي توظِّفها تلك الجماعات في مجالات جمع البيانات، والتحليل، والتخطيط، والتجنيد، والتحكُّم عن بُعد، وتنفيذ الهجمات.
كما يسعى البحث إلى تسليط الضوء على السياسات والتدابير الوقائية الممكنة على المستويين الوطني والدولي للحد من وصول هذه الجماعات إلى التقنيات المتقدّمة.
وتنبع أهمية الدراسة من خطورة التداخل بين التطور التقني السريع ومجال العنف السياسي المنظَّم، ومن الحاجة إلى مقاربات معرفية وأمنية جديدة تستجيب لطبيعة التهديدات الناشئة.
- منهج البحث
اعتمد الباحث المنهج الوصفي–التحليلي الذي يقوم على مراجعة الأدبيات النظرية والدراسات الميدانية والتقارير الدولية ذات الصلة بالإرهاب والذكاء الاصطناعي،
إلى جانب تحليل نماذج مختارة من ممارسات الجماعات الإرهابية في الفضاءين المادي والرقمي.
ويتيح هذا المنهج بناء صورة مركّبة عن العلاقة بين التكنولوجيا المتقدمة وبُنى التنظيمات الإرهابية،
واستقراء الاتجاهات المستقبلية المحتملة لاستخدام هذه التقنيات في السياقات العنيفة.
- إشكالية البحث وتساؤلاته
تتمحور إشكالية البحث حول السؤال الرئيس الآتي:
كيف أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي في إعادة تشكيل قدرات الجماعات الإرهابية ووسائل عملها؟
ويتفرّع عنه عدد من التساؤلات الفرعية، أهمها:
أ. ما أبرز تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة من قبل الجماعات الإرهابية؟ وكيف يُعاد توظيفها في السياق الإرهابي؟
ب. ما حدود إمكانية ضبط وصول هذه الجماعات إلى التطبيقات الذكية والبرمجيات المتقدّمة؟
ج. ما السياسات والأطر التشريعية والمؤسسية المطلوبة لمواجهة هذا النمط من التهديدات؟
- 4. حدود البحث
يركّز البحث على دراسة استخدامات الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي لدى الجماعات الإرهابية المعاصرة،
مع إيلاء اهتمام خاص للحالة العربية والإسلامية بوصفها حاضنة لعدد من التنظيمات الأكثر نشاطًا في هذا المجال.
ولا يتناول البحث بالتفصيل الجذور التاريخية أو الأبعاد العقائدية والفكرية للإرهاب إلا بقدر ما يخدم تحليل البعد التقني.
كما أن محدودية المعلومات الموثوقة حول البُنى التقنية لهذه الجماعات –وما يرافقها من طبيعة سرّية–
تفرض اعتمادًا أكبر على الاستقراء والتحليل النظري والاستفادة من التقارير الأمنية والبحثية المتاحة.
ثانياً: الذكاء الاصطناعي
1- مفهوم الذكاء الاصطناعي
عرَّفت الأمم المتحدة الذكاء الاصطناعي (AI) وفقًا لتقريرها حول التنمية المستدامة لعام 2019م على أنه مجموعة نظم لديها القدرة على تشخيص المهام أو فهمها أو تعلُّمها أو تنفيذها من دون تدخُّل بشري، وأنه أداة تكنولوجية قوية يمكن استخدامها لمعالجة التحديات والمشكلات العالمية، بما في ذلك تعزيز حقوق الإنسان والتنمية المستدامة والعدالة والشفافية، وتعزيز التوجيه والتوصيات للاستفادة منه بشكل أخلاقي ومسؤول، وذلك للتأكد من أنَّ التقدم التكنولوجي يخدم الاستقرار والتنمية المستدامة (2).
ويشير الذكاء الاصطناعي في نظر المفوضية الأوروبية إلى الأنظمة التي تُظهر سلوكًا ذكيّاً من خلال تحليل بيئتها، وبدرجة ما من الاستقلالية، وتتخذ إجراءات لتحقيق أهداف محددة. وأمَّا التعلُّم الآلي، والتعليم العميق، والبيانات الضخمة، وغيرها، فهي مجالات فرعية للذكاء الاصطناعي، ومُعينة على ابتكار تطبيقات أكثر تعقيدًا (3).
ويري الباحث ان الذكاء الاصطناعي: هو علم يجمع بين الحوسبة والإحصاء والروبوتات، ويهدف إلى خدمة الإنسان في مجالات الحياة المختلفة، ولكنَّ تطور هذا العلم يسير بشكل سريع متخطِّيًا الضوابط والمعايير والإجراءات والأهداف التي وضعها الإنسان نصب عينيه، والتي قد تحوُّله في لحظة ما إلى كيان تقني مستقل متجسّدًا في روبوتات، ذاتية التحكُّم ومستقلَّة في قراراتها، وقد تتخذ قرارات وأفعالًا ليست في مصلحة الإنسان الصانع لها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تتعلّق بوصول الجماعات الإرهابية إلى هذه التقنيات واستخدامها في أهداف نشر الفوضى، والقتل، والتدمير.
2- الميزات والاستخدامات
يستثمر الإنسان الذكاء الاصطناعي في عدد من المجالات، ويستخدم تطبيقاته في مجالات عديدة منها:4.
- زيادة كفاءة الأعمال من خلال العمل على مدار الساعة وبدون توقف، وإجراء عمليات إبداعية، وتيسير جميع المهام المتعلقة بالأعمال بسرعة وفعالية.
- استخدام تعلّم الآلة في تحليل كميات كبيرة من البيانات والتنبؤ بمخرجاتها، واقتراح أفضل المسارات بشكل أسرع من أي عنصر بشري، وهذا ما يقلل من التحيّز البشري والأخطاء.
- أتمتة الأعمال الروتينية التي يعاني الموظفون في تنفيذها، أو يجدونها مملّةً، وهذا ما يحرر الموارد البشرية ويوجهها للتركيز على العمل الأكثر تعقيدًا وإبداعًا.
- التحسين في خدمة العملاء من خلال توفير استجابة فورية واستباقية وحل المشكلات بطريقة مثلى.
- تحسين التعلّم والتعليم، من خلال توفير تجارب تعليمية مخصصة وشخصية ومتاحة للجميع.
- تحليل تفضيلات المستخدم وسلوكه، وتقديم توصيات واقتراحات مخصصة في مجالات مختلفة.
- الابتكار والبحث: فهو يساعد على الاكتشافات العلمية، وتطوير الأدوية، والتنبؤ بالطقس وغيرها.
- الأنظمة الذاتية: يعمل الذكاء الاصطناعي على تشغيل المركبات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار والروبوتات، وهذا ما يمكنها من التنقل والعمل بشكل مستقل.
- كشف الاحتيال والأمن السيبراني: تمكِّن خوارزميات الذكاء الاصطناعي من اكتشاف الأنماط غير العادية، وتحديد التهديدات المحتملة، وتعزيز تدابير الأمن السيبراني لحماية البيانات والأنظمة الحساسة واكتشاف الاحتيال.
- القدرة على التعلّم والتكيُّف حيث يمكنه تحسين أدائه وفقًا للخبرات والبيانات الجديدة التي يتعلَّم منها.
- تحسين الإنتاجية والكفاءة في العمليات الصناعية والإدارية من خلال التحليل الذكي للبيانات وتحسين العمليات وتحقيق التكامل بين الأنظمة المختلفة.
- تحسين الرعاية الصحية من خلال التشخيص المبكر والتنبؤ بالأمراض، وتوفير الرعاية المخصصة لكل فرد.
- تقديم مساعدة للأشخاص ذوي الإعاقات من خلال تطوير تكنولوجيا، مثل التعرُّف إلى الصوت والصور لتمكينهم من التفاعل بشكل أفضل مع البيئة.
- التفاعل اللغوي الطبيعي،مثل أنظمة المحادثة الذكية التي تسمح لنا بالحوار وطرح الأسئلة والاستفادة من المعلومات بشكل سريع وسهل.
ولابد من التنويه إلى أنَّ ما ذكرناه هو بعض وليس كل الميزات، ومازالت الفرص كبيرة، حيث يعتقد كثير من المتخصصين بأنَّ السنوات القريبة القادمة ستحمل تحولات ثورية وجذرية لما سيكون عليه هذا العلم، وعلى الأخص في مجال التعاون والتفاعل بين الإنسان والروبوت.
3- التحديات
يطرح الذكاء الصناعي تحديات كبيرة ومنها:5.
- التكلفة العالية في بناء وتشغيل نظم الذكاء الاصطناعي التي تكون مكلفًه للغاية في مراحل التأسيس، وهذا ما يؤدي إلى فوارق في التنمية بين البلدان المختلفة.
- نقص التعامل مع الغموض وعدم اليقين؛لأنه يعتمد على معالجة المعلومات المنطقية والواقعية وعندما يتعامل مع وضعيات مبهمة يقع في الخطأ.
- القدرة العاطفية المحدودة؛لأنَّ الذكاء الصناعي يعتمد على الذكاء العقلي وهو يفتقر إلى المشاعر والعواطف والقدرة على التعامل معها حتى الآن، وهذا ما يوقعه في الخطأ عندما يتطلب ذلك تفاعلاً أو فهمًا عاطفيّاً للبيانات.
- أخطاء تكنولوجية: قد يتعذَّر أحيانًا على النظم الذكية أداء وظائفها المطلوبة بشكل فعَّال وصحيح، وهذا ما يؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها.
- تعقيد التحكُّم: يمكن أن يكون من الصعب التحكُّم في نظم الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تداعيات غير مقصودة أو غير متوقعة.
- الهجمات السيبرانية: النظم الذكية المتطورة قد تكون عرضة للاختراق والاستغلال من قبل القراصنة والمتسللين، الذين من الممكن أن يقدموا خدمات للجماعات الإرهابية، وهذا ما يعرض البيانات والأنظمة للخطر.
- تستخدم بعض الدول الاستبدادية والجماعات الإرهابية الذكاء الاصطناعي في الحروب والهجوم على المنشآت وتدمير البنى التحتية للدول والقتل المتعمد للمجموعات البشرية، وصناعة أسلحة بشكل مستقل من قبلهم.
- الآثار الاجتماعية: سيحدث الذكاء الاصطناعي تغيُّرات اجتماعية ونفسية وسلوكية بسبب الاعتماد المفرط في المستقبل على الروبوتات حتى في الخدمات المنزلية وإدارة الشؤون الشخصية وتنظيمها،وصولاً إلى العمل بديلاً عن الإنسان، وهذا ما سيحرمه من التفاعلات الاجتماعية الضرورية التي قامت عليها أسس الحضارة البشرية، إضافةً إلى إمكانية تآكل مهارات التفكير النقدي لدي البشر.
- المخاطر الأمنية: يؤدي الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي إلى ظهور نقاط ضعف أمنية جديدة، يمكن للجماعات الإرهابية استغلالها، وهذا ما يؤدي إلى سرقة الهوية، أو الهجمات الإلكترونية، أو التلاعب بالمحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي (مثل التزييف العميق).
والأخطر من كل ذلك أنَّ الروبوتات يمكنها الاستجابة لأسئلة حول مواضيع حساسة، مثل صناعة العبوات، وتطوير الأسلحة القذرة، والنفاذ إلى البنيات الهندسية للمنشآت الحساسة، وتعديل الأكواد البرمجية للأنظمة وغيرها.
وعلى الرغم من هذه المخاطر والتحديات نلاحظ أنَّ الذكاء الاصطناعي يحقق تقدّمًا يومًا بعد يوم في كثير من المجالات في مواجهة هذه التحديات وتقليل السلبيات، ويبقى علينا أن ننتج رؤية ونضع ضوابط ومعايير، يكون الهدف منها خدمة الإنسان، وتحسين نوعية حياته، وليس فقط جني العوائد والأرباح؛ الأمر الذي يترك فجوات وثغرات يمكن استغلالها من قبل الجماعات الإرهابية التي تستفيد منها لتنفيذ أغراضها والوصول إلى أهدافها التي تلحق الأذى بالدول والمجتمعات.
ثالثاً: الإرهاب والجماعات الإرهابية
- المفهوم والتعريف
يثير تعريف الإرهاب جدلاً كبيرًا بين مختلف الدول والمنظمات لأسباب سياسية وأمنية وعقائدية، غير أنَّ غالبية الدول اتفقت على تعريف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 1566 الصادر في أكتوبر 2004م، “على أنَّ الأعمال الإرهابية هي الأعمال الإجراميّة، بما في ذلك تلك التي تُرتكب ضد المدنيين بقصد القتل أو إلحاق إصابات جسمانية خطيرة، أو أخذ الرهائن بغرض إشاعة حالة من الرعب بين عامة الناس، أو إرغام حكومة أو منظمة دوليّة. ولا يمكن تحت أيِّ ظرفٍ من الظروف تبريرها بأيِّ اعتبارات ذات طابع سياسي أو فلسفي أو عقائدي أو عنصري، أو أي طابع آخر من هذا القبيل”.
أما الدول العربية، الموقعة على ًالاتفاقية العربية لمكافحة الإرهابً في 22 أبريل 1998 في تونس، ودخلت حيز التنفيذ في 7 يوليو 1999.
تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول العربية في مجال مكافحة الإرهاب وتعزيز قدراتها التنفيذية، وتعزيز الحماية القانونية للدول الأعضاء والتعاون القضائي بينها، وتبادل المعلومات وتقنيات الاستجابة السريعة. تتضمن الاتفاقية مجموعة من المبادئ والتدابير التي يجب اتخاذها للتصدي للإرهاب، بما في ذلك تعاون الدول في نقل المجرمين الإرهابيين وتقديم المساعدة القضائية الضرورية وتبادل المعلومات الأمنية المتعلقة بالإرهاب. تعكس هذه الاتفاقية العربية التزام الدول العربية بالتعاون الدولي في مكافحة الإرهاب وتنسيق جهودها لمكافحة هذه التهديدات الخطيرة. يعد التعاون والتنسيق المستمر بين الدول الأعضاء والالتزام بتنفيذ التدابير المنصوص عليها في الاتفاقية أمرًا حاسمًا لمواجهة التحديات الأمنية التي تشكلها الجماعات الإرهابية في المنطقة العربية.
وعلى الرغم من وجود تعريف عام للإرهاب صادر من مجلس الأمن الدولي، وافقت عليه غالبية الدول، والاتفاقية العربية التي وافقت عليها الدول العربية، إلا أنَّ التباين والانقسام مازال قائمًا بين تلك الدول على المستويين الدولي والعربي، ومازالت هذه الاتفاقيات دون تنفيذ على الواقع، للأسباب الآتية:
- مازال توصيف الإرهاب مفهومًا سياسيّاً وليس قانونيّاً، وهذا ما يجعل الأطراف المشتركة في حلِّ الظاهرة غير متوافقين على الأبعاد المركبة للظاهرة، ولازالت الحدود متماهية بين المقاومة والإرهاب.
- لم يتطرَّق تعريف مجلس الأمن إلى الأسباب الحقيقية للإرهاب، بينما الدول العربية اتفقت على التعريف والاهداف، وبقيت بدون خطط تنفيذية ملزمة للدول الأعضاء.
- لم يتم التفريق بين الإرهاب والتطرُّف، إذ إنَّ التطرف يرتبط بالفكر ولا يعاقب القانون على النوايا والأفكار، بينما الإرهاب فعل ينجم عنه الرعب وتدمير المؤسسات، والاعتداء على الأفراد وممتلكاتهم6. هذه التفرقة ضرورية لدواعي إيجاد وسائل وآليات التصدي لها، فالتصدي للتطرف يكون بالتعليم الجيد واتباع المناهج التربوية الحديثة، بالفكر والحوار والانفتاح على العالم، بينما الإرهاب يحتاج، إضافةً إلى ما يحتاجه التصدي للتطرف، إلى استخدام وسائل القانون والقضاء وأمن الدولة وأجهزتها المختلفة، مع التأكيد على أنَّ التطرف في مرحلة ما متقدمة سيولِّد منظمات إرهابية في مواجهة الدولة والمجتمع.
- مازال العمل الدولي المشترك في محاربة الإرهاب يتسم بإصدار البيانات والتعاون الدبلوماسي، ولم يرقَ بعد إلى مستوى وضع حلول واستراتيجيات عمل شاملة تؤدي إلى حلول جذرية لهذه الظاهرة المدمِّرة للأمن والاستقرار العالمي.
يعدُّ الإرهاب ظاهرةً عالمية لا تختص بشعب من الشعوب، أو دينٍ أو طائفة محددة، ولا بعرقٍ أو إثنيَّة أو فئة بعينها، فهي ظاهرة معقدة ومركبة، ونتاج عوامل موضوعية وذاتية، داخلية وخارجية، فهناك جماعات إرهابية يمينية تنتشر في عدد من البلدان مدفوعةً بدوافع عرقيَّة كتلك التي تُعادي المهاجرين من خلفيات ثقافية إسلامية، وأخرى يسارية متطرِّفة، تمارس العنف والإرهاب ضد الدولة في بعض دول أمريكا اللاتينية بحجة التفاوت الطبقي الشديد، وهناك جماعات إرهابية تتخذ من الدين وسيلةً لأعمالها الإرهابية المعادية للمجتمع والدولة، كالجماعات الإرهابية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط .
تختلف هذه الجماعات الإرهابية في ما بينها من حيث الشكل والاتجاه، إلا أنها جميعها تتشابه من حيث الجوهر، فهي تستند في دعايتها ونشاطها على أيديولوجيا مغلقة، ورؤية لا تمت إلى العصر ومتطلباته بشيء، فهي موجودة فيزيائيّاً فيه، ولكنها غائبة فكريّاً وروحيّاً عنه، فالرؤية لديها ثابتة، ولا تقبل النقاش والجدل حولها، ولا تؤمن بحق الآخر في الاختلاف، وهي تعتمد في عدتها العقائدية على نصوص انتقائية من الدين الإسلامي، وهذه النصوص مقطوعة عن سياقها التاريخي، بينما نجدها لا تتأخر أبدًا في أخذ عدة القتال والسلاح وتقنيات الذكاء الاصطناعي لاستخدامها في الترهيب والقتل والسيطرة دون أن تأخذ بالعقل والمنهج العلمي الذي كان سببًا لهذا الإنتاج المتقدم. إنها تكفر بالغرب وبمنجزاته في كافة حقول المعرفة والفلسفة والفن ونظم الحياة، إلا أنها لا تتردد في تعلُّم التقنيات الحديثة التي تستفيد منها في غزواتها وحروبها ضد الدول والمجتمعات، وفي زعزعة أمنها واستقرارها.
2- الأخطار والتحديات :
يعدُّ الإرهاب من أخطر التهديدات التي تواجه العالم في الوقت الحالي وعلى الخصوص في عالمنا العربي الذي اتخذت الجماعات الإرهابية منه مستقرّاً، ليس فقط للسيطرة على مساحات جغرافية بعينها، وإنما مقرٌّ للتخطيط والتحشيد والتنفيذ لعمليات خارج منطقة وجودها، كما فعلت جماعة الحوثي الإرهابية في اليمن حين قصفت منشآت حيوية في المملكة العربية السعودية خدمةً لأجندات خارجية، وكما فعلت داعش في تدمير المعالم الأثرية في مدينة تدمر السورية، وقتلت الناس على أساس طائفي ومذهبي بتهمة التكفير في مدن أخرى.
ومن هذه الأخطار والتحديات7:
- تنفذ الجماعات الإرهابية هجمات عنيفة تستهدف المواطنين والمؤسسات الحكومية والمرافق الهامة، مما يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة.
- تستهدف الجماعات الإرهابية أحيانًا الحكومات والسلطات الرسمية، مما يزعزع استقرار البلد ويتسبب في فوضى وتقسيمات داخل البلد.
- قد يؤدي الإرهاب إلى تعطيل النشاط الاقتصادي، حيث يؤثر سلبًا على السياحة والاستثمار والتجارة، وقد يقوض الثقة العامة في الاقتصاد.
- تستخدم الجماعات الإرهابية وسائل الإعلام والدعاية لتأثير الرأي العام وترويج أفكارها المتطرفة، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تجنيد المتشددين.
- إن انتشار الإرهاب بشكل واسع يؤدي إلى تفاقم الصراعات الإقليمية والعالمية، مما يعرض الأمن العالمي للخطر.
ويرى الباحث إن الجماعات الإرهابية في العالم العربي والإسلامي تميزت بكونها تتبنِّي أيديولوجية ورؤية متزمتة تنتمي إلى الماضي، وتعادي العلم والمناهج الحديثة، وتقف على النقيض من كل التيارات العقلانية والحداثية بما فيها الإسلام الوسطي والمعتدل، لذلك نراها لا تتردد في قتل العلماء والباحثين وكل المتنوِّرين الذين يشككون في رواياتهم وأفكارهم، وهذا ما يعتبر التحدي الأكبر في تعويض هذه النخب والكوادر التي استثمرت فيها مجتمعاتنا على مدار جيل كامل.
رابعاً: البرمجيات والتطبيقات المستخدمة من قبل الجماعات الإرهابية :
- البرمجيات8
على الرغم من أنَّ الجماعات الإرهابية تُعادي الحضارة والتقدُّم في كلِّ المجالات، إلا أنها لا تتوانى عن تعلُّم واستخدام أحدث البرمجيات والتقنيات التي تخدم التأثير في الرأي العام، واستقطاب الشباب لتكوين خلايا إرهابية حركيّة وأخرى نائمة، وتستثمر في وسائل الإعلام لبثّ الهجمات الإرهابية ونشر التهديدات، كما أنها تستخدم المنصّات الإعلامية للحديث مباشرة مع الرأي العام والتأثير فيه، فقد شاهدنا كيف كانت وسائل إعلام عربية تبثّ خطابات لزعماء تلك الجماعات المتشدّدة، وهناك جماعات إرهابية أخرى لديها قنواتها الإعلامية الخاصة بها، وتعمل على مدار الساعة لترويج أفكارها، وتستخدم الجماعات الإرهابية وسائل وأدوات أخرى للتأثير في الجمهور، ومنها:
- التصوير الهادف: تقديم تسجيلات احترافيّة للعمليات الإرهابية، مع التركيز على المشاهد الصادمة التي تخلق الفزع والترهيب والسيطرة النفسيّة على المشاهد.
- شبكات التواصل: هي القنوات الأسهل والأسرع والأشمل في نشر البيانات وترويج الأفكار والتفاعل مع الجماهير، وعبر هذه الشبكات يقع تشبيك العلاقات واختيار الأفراد في مجموعات مغلقة تخلق نوعًا من التقارب الذهني.
- التكنولوجيا الرّقميّة:توظّف في إنتاج مادّة إعلاميّة متطوّرة وذات فاعليّة متميّزة للتأثير في الجماهير، وجذب الشباب بصريّاً وسماعيّاً أشبه بعملية التخدير الباطني.
فعلى سبيل المثال استطاع تنظيم داعش عبر سياسة اتصاليّة محترفة، أن يسهّل عملية تشكيل الخلايا الإرهابية النائمة في كل أنحاء العالم مستغلاً تقنيات التواصل الافتراضي والاستقطاب غير المباشر. فالانتماء العقائدي صار ممكنًا عبر شبكة الإنترنت بكثافة حضور الكتابات التكفيريّة والأدبيات المتشدّدة، وعلى الأخص لفئة الشباب بهدف تشكيل خلايا نائمة، وتحضيرهم نفسيّاً وماديّاً قبل الإقدام على العمل الإرهابي.
- الشات بوت ووسائل التواصل الاجتماعي: هو برنامج يقوم بمحادثة الأشخاص عبر الإنترنت بشكل آلي، ويستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم ما يطلبه المستخدم،والرد على استفساراته بشكل فوري دون الحاجة إلى انتظار الرد من الإنسان، وهو يقلل إلى درجة كبيرة التكاليف المرتبطة بتوظيف وتدريب الموظفين للرد على الاستفسارات، ويعمل على مدار الساعة بدون توقف. لقد استفادت الجماعات الإرهابية من استخدام الشات بوت لأغراض تجنيد المتطرفين، وفي نشر الأفكار المتطرفة والترويج للأنشطة الإرهابية، فهم، من خلال الشات بوت، يتفاعلون مع المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات عبر الإنترنت، ويقومون بنشر رسائل تحض على الكراهية والعنف. إضافةً إلى استخدامهم الشات بوت في تقديم الدعم النفسي والتأثير في الأفراد للانضمام إلى الجماعات المتطرفة.
وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن للشات بوت أن يكون أكثر فعالية في استهداف الأفراد وتوجيه رسائل مخصصة لهم بناءً على تحليل لغوي وسلوكي دقيق، كما يمكن استخدامه في توجيه الهجمات السيبرانية والتأثير في القرارات السياسية والاجتماعية.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة قوية في فهم وتحليل مشاعر الأشخاص لما تتيحه هذه الوسائل لهم من حرية التعبير عن أفكارهم ورؤاهم ومشاعرهم بشكل علني وفوري، وهذا ما يسهِّل عملية تحليل هذه المشاعر من قبل الجماعات الإرهابية على نطاق واسع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتسمَّى عملية تحليل المشاعر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتقنية التنقيب باستخدام تطبيق خاص بتقنيات معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، يتم تحليل الكلمات والعبارات والعواطف الموجودة في النصوص لفهم المشاعر والمواقف والقنوات التي يتحدث عنها الأشخاص.
- تحليل الصور والفيديو (Image and Video Analysis): يتم تحليل المحتوى البصري، مثل الصور ومقاطع الفيديو المشتركة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتستخدم فيها تقنيات تعلُّم الآلة والتعرُّف إلى الصور لتحليل ملامح الوجه والتعبيرات واستخلاص المعلومات العاطفية من الصور.
- تحليل المشاعر والتوجُّهات (Sentiment Analysis)، لفهم ردود الفعل والتوجُّهات العاطفية للأشخاص تجاه مواضيع محددة، ويعتمد على تحليل النصوص والكلمات المستخدمة والتركيبة اللغوية لفهم ما إذا كانت المشاعر إيجابية أم سلبية أم محايدة.
- رصد المشاعر والاتجاهات (Emotion and Trend Monitoring): يتم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمراقبة ورصد المشاعر والاتجاهات العامة للجمهور، ويمكن تحليل النقاشات العامة حول مواضيع معينة، وتحديد الاتجاهات الشائعة، والمشاعر المسيطرة، وبعد عملية التحليل تترجم هذه المشاعر إلى أفكار ووجهات نظر ومواقف.
- التجنيد والدعاية: تستفيد الجماعات الإرهابية من خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد واستهداف الأفراد المعرَّضين للتطرُّف، ويمكن لروبوتات الدردشة والمساعدين الافتراضيين التي تعمل بالذكاء الاصطناعي التفاعل مع المجندين المحتملين، وتصميم رسائل دعائية، وتوفير محتوى مخصص للتلاعب بالأفراد الضعفاء والتأثير في عواطفهم، ويدخل معظم الأشخاص اليوم إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن مشاعرهم في محتوى مثل تغريدة أو تعليق، وبعدها يبدأ باحثو التنقيب عن النصوص في تحليل المشاعر، لفهم الرأي العام والتنبؤ بالاتجاهات.
لابد من التنويه إلى أنَّ هناك جانبًا خطيرًا في رصد هذه المشاعر، وتحليل نمط السلوك، وفرز المواقف السياسية والاجتماعية للأفراد المستخدمين لهذه الوسائل، حيث تقوم الجماعات الإرهابية بوضع الخطط والاستراتيجيات للتأثير في الأشخاص، كلٍّ حسب البيانات المتحصِّلة عنه، حيث تسهّل عمليات الفرز للأفراد بين من هو سهل المنال وبين من هو أصعب، وبناءً على ذلك الفرز تخصص رسائل محددة تحرّض على الكراهية والعنف. علاوةً على ذلك، يمكن استخدام تقنيات التلاعب النفسي بغرض توجيه رسائل مخصصة تستهدف أفراد ضعفاء البنية النفسية والاجتماعية لزرع أفكار التطرُّف فيهم، وتجنيدهم، ومن ثم توجيههم نحو تنفيذ هجمات إرهابية.
- استخدام تقنية الفيديو المزيفة (Deep Fake)، لإنشاء فيديوهات مزيفة تبدو وكأنها حقيقية، فهي تُستخدم عادةً لتغيير وجوه الأشخاص في مقاطع الفيديو بطرق واقعية، ومن الصعب التحقق من صحتها. وتعتمد هذه التقنية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على مجموعة كبيرة من البيانات الصوتية والبصرية للأشخاص الحقيقيين، ومن ثم تقوم هذه النماذج بتحليل البيانات الموجودة في الفيديو الأصلي ومحاكاة الوجه وحركات الشفاه وتفاصيل أخرى من الشخص الحقيقي على الفيديو المزيف.
رابعاّ: استخدامات تطبيقات للذكاء الاصطناعي من قبل الجماعات الارهابية:
- التلاعب بالمعلومات وتضليل الجماهير: تستخدم الجماعات الإرهابية تقنية الفيديو لتزييف فيديوهات تُظهر شخصيات مشهورة أو مسؤولين حكوميين يدعمون أفكارهم المتطرفة أو يحملون رسائل تحريضية، وهذا ما يساهم في إقناع الجماهير بأفكار مغلوطة لتعزيز التطرف والعنف.
- تهديد الأمان وسلامة الأفراد: تُستخدم هذه التقنية في ابتكار فيديوهات تروّج للعمليات الإرهابية المحتملة، أو لتهديد الأمن العام من خلال استخدام صور وأشرطة فيديو مزيفة لتخدير الناس، أو إشعال الذعر، وإثارة الحالة العامة من الخوف وعدم الاستقرار.
- تشكِّل تقنية الفيديو المزيفة تحدِّيًا كبيرًا للمجتمع فيما يتعلَّق بالثقة في الفيديوهات والتصوير، حيث يمكن استخدامها في التضليل ونشر الأخبار الزائفة، والتلاعب لتشويه سمعة الأشخاص. لذلك، يتطلب التعامل مع هذه التقنية المتطورة، وضع استراتيجيات للكشف عن الفيديوهات المزيفة، ونشر الوعي بين الجمهور بأعراض ومؤشرات الفيديوهات المزيفة، والاعتماد على التحليلات المهنية، والتحقق من المصادر لضمان المصداقية والأمان، كما أثبتت هذه التقنية قدرتها على نشر رسائل الإرهاب المتطرفة، والتأثير في الجمهور، وهناك كثير من هذه التقنيات التي تم استخدمها من قبل (داعش) لا يتسع البحث لعرضها ومناقشتها كلها.
- تعديل الطائرات بدون طيار (Drone): يشكل استخدام هذه التقنية قلقًا أمنيّاً خطيرًا يهدد أمن الدول واستقرارها عندما أصبحت هذه الطائرات بيد جماعات إرهابية، استخدمتها لشنِّ هجمات على منشآت حيوية وأهداف عسكرية ومدنية في عدد من الدول، وتعتمد هذه التقنية على تعديل المراقبة الأصلية للطائرة أو استبدالها بأجزاء جديدة لتحسين أدائها أو تضمين وظائف جديدة عن بعد. ويمكن أن تستخدمها الجماعات الإرهابية في تحسين استراتيجياتهم على الشكل الآتي:
- تجنُّب الكشف وزيادة الانتقالية: من خلال إجراء تعديل على الطائرات لتكون أكثر صغرًا وسرية، وبذلك تتجنَّب الكشف وفحص المراقبة، كما يتم استخدامها لنقل المتفجرات أو المواد الخطرة دون أن يتم الكشف عنها من قبل السلطات الأمنية.
- تنفيذ هجمات بدقة عالية، إذ إنَّ استخدام الطائرات بدون طيار، والمعدلة من قبل الجماعات الإرهابية، وسيلة فعالة ودقيقة لتنفيذ الهجمات، ويمكنهم تجهيزها بأجهزة موجهة بدقة لاستهداف أهداف محددة، مثل المباني الحكومية، أو المنشآت الحيوية، أو القوات الأمنية.
- استخدامها في الاستطلاع والتجسس في جمع المعلومات الاستخباراتية، ورصد حركة القوات الأمنية أو الأهداف المحتملة لهجماتهم.
- البرمجيات الخبيثة (Malware): هي برامج حاسوبية تهدف إلى التسبب في أضرار أو استخدام غير مشروع للأنظمة الحاسوبية، وتستخدم للاختراق وسرقة المعلومات الحساسة، أو تعطيل أنظمة الحاسوب والشبكات، وهذا ما يؤدي إلى خسائر كبيرة للأفراد والشركات. إنَّ استخدام هذه البرمجيات الخبيثة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي من قبل الجماعات الإرهابية، تسمح لها بتحسين قدرات الهجوم والاختراق والتخفِّي والتجنُّب للبرمجيات الخبيثة في مجال الأمان السيبراني، إذ تتيح هذه التقنية للإرهابيين مرونة أكبر وقدرة على التكيُّف مع إجراءات الأمان الجديدة والمتطورة.
- ويمكننا هنا ذكر الخطوات التي تتبعها الجماعات الإرهابية في استخدام هذه البرمجيات الخبيثة، وهي:
- تكتيكات التسلل المتقدمة: يمكن للذكاء الاصطناعي التكيُّف مع أنماط الدفاع المتطورة وتطبيق تكنيكيات متطورة للتسلل إلى الأنظمة والشبكات المستهدفة.
- تعقب وتجنُّب اكتشاف الأنظمة الأمنية: يتيح للبرمجيات الخبيثة المستندة إلى الذكاء الاصطناعي، والقدرة على تجنُّب اكتشاف الأنظمة الأمنية المعتادة، والتلاعب بالسلوك داخل الشبكة للبقاء متخفيةً وغير مكتشفة لفترة أطول.
- الهجمات الموجَّهة: يمكن للبرمجيات الخبيثة المستندة إلى الذكاء الاصطناعي استخدام البيانات الشخصية والعوامل المعرفية لتوجيه الهجمات بصورة أكثر دقة وفعالية.
- العمليات التلقائية: يتمكن الذكاء الاصطناعي من تنفيذ الهجمات المستهدفة واختراق الأنظمة بشكل تلقائي دون وجود تدخل بشري، وهذا ما يزيد من كفاءة الهجمات وقوتها.
- الهجمات السيبرانية والمعلومات المضللة
- يمكن للجماعات الإرهابية استخدام الذكاء الاصطناعي لشن هجمات سيبرانية متطورة تستهدف البنية التحتية الحيوية أو الحكومات أو الأنظمة المالية، ويمكنه أيضًا أتمتة نشر المعلومات المضللة والدعاية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهذا ما يزيد من مدى وصول هذه الرسائل وتأثيرها لخلق الخوف والفوضى والانقسام داخل المجتمعات.
- الأسلحة ذاتية التشغيل: تقوم الجماعات الإرهابية باستغلال الأسلحة المستقلة ذاتية التشغيل، والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل الطائرات بدون طيار والزوارق ذاتية القيادة لتنفيذ هجمات دقيقة، كما يمكن برمجة هذه الأسلحة لتعمل بشكل مستقل.
خامساً: التعلُم الآلي ومجالات استخدامه في النشاط الإرهابي
أولاُ- مفهوم التعلُم الاَلي:
التعلم الآلي هو فرع من الذكاء الاصطناعي يهدف إلى تمكين الأجهزة الكمبيوترية من التعلم من البيانات وإجراء التنبؤات أو القرارات دون الحاجة إلى برمجة واضحة، والتكيف ذاتيًا وتحسين أداء المهام بدون تدخل بشري مباشر. يعتمد التعلم الآلي على تحليل كميات كبيرة من البيانات واستخلاص النماذج والقواعد والمعرفة منها لاتخاذ القرارات واتخاذ إجراءات، ويعتمد التعلم الاَلي على استخدام الشبكات العصبية العميقة التي تحتوي على عدة طبقات لتحسين قدرة النظام في التعلم والتكيف، وهناك مشكلات أكثر تعقيدًا مثل التعرف على الكائنات في الصور وتحليل النصوص الضخمة يتم علاجه بما يسمي التعمق الاَلي العميق. يركز التعلم الاَلي على تطوير الخوارزميات والنماذج التي تمكن أجهزة الكمبيوتر من التعلم والتحسين من خلال التجربة، فبدلاً من أن تتم برمجتها بشكل صريح، تعتمد الآلات على الأنماط والتحليل الإحصائي لإجراء تنبؤات أو قرارات دقيقة. تتضمن عملية التعلم تدريب نموذج باستخدام مجموعة بيانات كبيرة وضبط معلماته لتحسين الأداء9.
وهناك ثلاثة أنواع رئيسية من التعلم الاَلي10:
- التعلم الآلي الخاضع للأشراف: يستند إلى تعلم النماذج من البيانات المصنفة مسبقًا، حيث يتم إرشاد النظام لاتخاذ القرارات الصحيحة عن طريق توفير أمثلة معروفة سلفًا
- التعلم غير الخاضع للإشراف: يعتمد على البيانات غير المصنفة، حيث يقوم النظام بتحليل واستخلاص النماذج والبناء على أساس البيانات المتاحة، ويكتشف الأنماط والتصنيفات دون وجود توجيه مسبق
- التعلم الآلي التعزيزي: يستند إلى نظام يتفاعل مع بيئة ويقوم باتخاذ قرارات بناءً على المكافأة أو العقوبة التي يتلقاها عند تنفيذ إجراءات محددة. يسعى النظام إلى تحقيق أقصى قدر من المكافأة وتجنب العقوبة.
ثانيا: استخدامات التعلم الآلي ومجالات تطبيقه
- يستخدم في العديد من المجالات، مثل التعرف على الصوت والصورة، وتحليل البيانات الضخمة، وتوصيات المنتجات، والتحكم في الروبوتات، والتشخيص الطبي وتوقع الأمراض، ويتطور التعلم الآلي باستمرار ويشهد تقدمًا سريعًا في العقود الأخيرة، ويعتبر أداة قوية لتحقيق التقدم التكنولوجي وتسهيل حياة الناس في العديد من المجال. تستخدم الجماعات الإرهابية التعلم الآلي في تحسين بعض جوانب قدراتها، مما يثير قلقًا كبيرًا بين جهات مكافحة الإرهاب والأمن، حيث يمكن أن يتسبب في تكسير الآلات التي تستخدمها جهات التحقيق، ومن بين أمثلة التطبيقات المهمة التي تستخدمها الجماعات الإرهابية هي:
- التمويل: تستخدم المؤسسات المالية التعلم الآلي للكشف عن الاحتيال وتسجيل الائتمان والتداول الخوارزمي. يمكن لهذه الخوارزميات تحليل كميات هائلة من البيانات المالية في الوقت الفعلي، وتحديد الأنماط والشذوذات التي تساعد في اتخاذ قرارات مستنيرة.
- معالجة اللغات الطبيعية: تعمل خوارزميات التعلم الآلي على تشغيل المساعدين الصوتيين مثل Siri وAlexa، مما يمكنهم من فهم اللغة البشرية والاستجابة لها. كما أنها تلعب دورًا حاسمًا في تحليل المشاعر والترجمة الآلية وتصنيف النصوص.
- المركبات ذاتية القيادة: يعد التعلم الآلي أمرًا بالغ الأهمية للسيارات ذاتية القيادة، حيث تحتاج إلى إدراك البيئة وتفسيرها لاتخاذ قرارات آمنة. أظهرت خوارزميات التعلم العميق، وهي مجموعة فرعية من التعلم الآلي، تقدمًا ملحوظًا في اكتشاف الكائنات والتعرف عليها.
- تجميع المعلومات والتجسس: يمكن للجماعات الإرهابية استخدام الذكاء الاصطناعي لجمع وتحليل المعلومات من مصادر متعددة، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت. يمكن للتعلم الآلي تحليل البيانات الضخمة واكتشاف النماذج والاتجاهات المهمة لتوجيه هجمات إرهابية.
- تطوير الأساليب الهجومية: يمكن للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أن يساعد الجماعات الإرهابية في تطوير أساليب هجومية مبتكرة. على سبيل المثال، يمكن استخدام الروبوتات المسلحة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لتنفيذ هجمات أو لتجنيد وتدريب العناصر الجديدة.
- انتشار الدعاية والتجنيد: يستخدم الإرهابيون التكنولوجيا لنشر الدعاية وتجنيد المؤيدين والمقاتلين الجدد. يمكن للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تحديد الأشخاص المستهدفين وتخصيص الرسائل والمحتوى المناسب لهم لزيادة فرص النجاح في عمليات التجنيد.
- طرق استخدام الجماعات الإرهابية للتعلم الآلي11
- تشويه وتخفي الأنشطة: يمكن للجماعات الإرهابية استخدام تقنيات التعلم الآلي لتحليل البيانات وتطوير خوارزميات لتشويه وتخفي الأنشطة الإرهابية المحتملة. يتم تقنين النصوص وتحريف المعلومات لمنع اكتشاف الأنشطة الخطرة.
- تحليل الاستخبارات: يمكن للجماعات الإرهابية استخدام التعلم الآلي لتحليل البيانات الاستخباراتية وتحديد النقاط الضعيفة في أنظمة الأمن، واكتشاف الأوقات المناسبة لتنفيذ الهجمات أو تجنب الاكتشاف الأمني.
- ترويج الإرهاب والتجنيد: يستخدم التعلم الآلي لتحسين استهداف الجماهير وترويج الأفكار المتطرفة من خلال وسائط التواصل الاجتماعي والإنترنت. يتم تحليل البيانات وتحديد الأفراد المحتملين للتأثير عليهم وتوجيههم نحو أعمال إرهابية أو التجنيد في صفوف الجماعات الإرهابية.
- تطوير حملات هجمات متقدمة: يسمح التعلم الآلي بتحليل النماذج والأنماط من الهجمات الماضية وتحويلها إلى خوارزميات ذاتية التكيف. قد يتم استخدام هذه الخوارزميات لتطوير هجمات جديدة تفوق التقنيات الأمنية الحالية.
- استخدام برنامج التلغرام في التواصل
تُفضّل الجماعات الإرهابية استخدام برنامج التلغرام عن غيره للأسباب الآتية (12):
- التشفير والأمان: يوفر آليات تشفير قوية للمحادثات والملفات المشاركة، وهذا يعني أنه من الصعب على الأجهزة الأمنية اختراق تلك المحتويات،ويوفر سرية وأمان عاليتين للتواصل بين أفراد الجماعات الإرهابية.
- سهولة الوصول والاستخدام: يعدُّ التلغرام تطبيقًا شائعًا وسهل الاستخدام، وهو متاح على مختلف الأنظمة الأساسية، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، وهذا ما يجعله مفضَّلًا للتواصل السريع والفعَّال بين أفراد الجماعات الإرهابية.
- القنوات والمجموعات الخاصة: يمكن للجماعات الإرهابية إنشاء قنوات خاصة أو مجموعات مشفَّرة في التلغرام، وهذه القنوات والمجموعات تسمح لهم بمشاركة المعلومات والخطط والأوامر بين الأعضاء بطريقة منظمة وسرية.
- نشر الفيديوهات والإعلام الإرهابي: يمكن للجماعات الإرهابية استخدام قنوات التلغرام لنشر الفيديوهات، والتسجيلات الصوتية، والأخبار المتعلقة بأعمالهم الإرهابية، وهذا يمنحهم وسيلة سريعة وفعَّالة للترويج لأفكارهم دون أن يتم حذف المحتوى، كما هو الحال مع منصة فيسبوك أو إنستغرام.
- الذكاء الصناعي التوليدي (Generative artificial intelligence)(13)
هو حقل متقدِّم من حقول الذكاء الاصطناعي، ويقوم بتوليد أشكال مختلفة من المحتوى (نصوص، صور، فيديو، موسيقى، أكواد برمجية…إلخ) انطلاقًا من البيانات الضخمة المتاحة على الإنترنت، ويعدُّ روبوت المحادثة Chat GPT أشهر نموذج لغوي مبني على الذكاء الصناعي التوليدي، وقد أطلقت شركة Open AI نسخته الأولى في نوفمبر 2022م، ولم تمض خمسة أيام على ظهوره حتى وصل عدد مستخدميه إلى المليون، متخطِّيًا في سرعة انتشاره كل تطبيقات التواصل الاجتماعي ذات الشعبية الواسعة. ويمثّل روبوت الدردشة الذكي Chat GPT مظهرًا واحدًا من مظاهر ثورة الذكاء الاصطناعي، إذ تصاعدت شعبية تطبيقات أخرى، مثل: DALL-E2 وMidjourney وStable Diffusion المتخصصة في إنشاء صور ورسومات فريدة ومبتكرة انطلاقًا من الوصف الذي يعطيه المستخدم للبرنامج، وغالبًا لا تتجاوز المدة التي يستغرقها البرنامج لتحويل المدخلات النصية إلى مخرجات بصرية أكثر من دقيقة واحدة، في تناغم مدهش بين الفن والتكنولوجيا.
كما اشتهرت في الآونة الأخيرة عشرات الأدوات والبرامج التي توظّف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج وتحرير وترجمة مقاطع الفيديو التي تعتمد على مدخلات نصية في القيام بمهامها، مختزلةً جهدًا قد يستغرق ساعات أو أيامًا في بضع دقائق.
الاصطناعي، مثل تطبيق تشات جي بي تي، مصدر معلومات غنيّاً جدّاً، وشكّل إضافةً نوعية في ذخيرة تلك الجماعات.
يستغل الإرهابيون الذكاء الاصطناعي لتمكين الهجمات السيبرانية وزيادة تأثيرها، ومن خلال الاستفادة من التعلُّم الآلي، ستكون العمليات السيبرانية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أكثر عدوانيةً واستهدافًا وفعَّاليةً بشكل ملحوظ، سواء في هجمات الحرمان من الخدمات، أم البرمجيات الخبيثة، أم برمجيات الفدية، أم التصيُّد الاحتيالي، أم حتى في تحسين تداول الإرهابيين للعملات المشفرة شبه المشروعة بغرض جمع الأموال. ومع تزايد استثمار الحكومات في جميع أنحاء العالم في بناء المدن الذكية، ومع ازدياد تكامل الحياة في القرن الحادي والعشرين من خلال التكنولوجيا، تزداد فرص شن هجمات سيبرانية منسقة باستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل ملحوظ.
إنَّ التقديم السابق حول الوسائل والإدارة التي تستخدمها الجماعات الإرهابية لا يعني البت في أنَّ تلك الجماعات نجحت في الوصول إلى أهدافها بسبب استخدام تلك التقنيات الحديثة فقط، بل لأنها تقدم محتوى ومضمونًا خطابيّاً يستند إلى ما يسمَّى الجهادية التي تمثّل أيديولوجية احتجاجية ضد النظام القائم، التي تصفه بأنه نظام جائر وزائل، وتَعِدُ مناصريها بالمدينة الفاضلة، التي ستعوّض الأتباع عن معاناتهم وابتلائهم في هذه الدنيا بعطايا سماوية، فالمنظومة الجهادية تمتلك عددًا من السبل التي تبذلها لمناصرة قضاياها، وعلى الخصوص في الدول والمجتمعات النامية التي تعاني من الفقر، والتهميش، وفقدان الأمل، وغياب القانون والعدالة.
الخاتمة
لم يمنع الانبهار والإعجاب الذي قوبلت به منتجات الذكاء الاصطناعي، والتطلُّع إلى آفاقها الواعدة، من قبل الخبراء وصنَّاع القرار من دقِّ ناقوس الخطر، والتحذير من تداعياتها الخطيرة على الأمن العالمي بعد أن تبيَّن لهم بجلاء أنَّ الجماعات الإرهابية تستطيع البقاء والتكيُّف مع المتغيّرات، والاستفادة من الفرص الجديدة، وإعادة إنتاج نفسها بطرق وأشكال مختلفة.
إن نشوء ظاهرة الإرهاب لها أسباب متعددة: ذاتية وموضوعية، داخلية وخارجية، ولكن على أهمية العامل الذاتي و المحلي في نشوئها لابد من الإشارة إلى أن النظام الدولي الحالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية يعاني من اختلال في التوازن، و سيادة المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية، وغياب الدور الفاعل لمجلس الأمن الدولي التي تتربع على عرشه خمس دول كبرى، تتعارض في ما بينها من ناحية المصالح والتوجهات ونظم الحكم فيها، جعل من وصول الأمم المتحدة إلى اتفاق دولي في محاربة الإرهاب أمرًا في غاية الصعوبة حتى الآن، وسهل هذا الوضع الدولي إلى نفاذ دول شمولية ( مارقة) إلى مصادر السلاح والتكنولوجيا العسكرية المدمرة، والتي بدورها هذه الدول أصبحت الوصي والممول للجماعات الإرهابية التي تنفذ أجنداتها.
أن المخاطر التي يشكلها استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي من قبل الجماعات الإرهابية، تعتبر التحدي الأبرز في العصر الرقمي الحديث، وهذا يتطلب جهوداً دولية مشتركة لحماية كوكبنا المهدد بالإرهاب والتلوث والتغير المناخي.
لقد بين البحث الفرص والتحديات التي يتيحه الذكاء الاصطناعي والتعلم الاَلي، وكيف تمكنت الجماعات الإرهابية من استخدام هذه التقنيات، ووصل البحث إلى النتائج التالية:
- إن الإجراءات والأساليب المتبعة حتى الأن في مكافحة الإرهاب على المستوى المحلي والعالمي غير كافية لتعذر وجود توافق دولي على إيجاد استراتيجيات ووضع سياسيات ملزمة لجميع الدول.
- فشل النظريات الغربية في تقديم رؤية شاملة وحقيقية عن الإرهاب والجماعات الإرهابية في المنطقة العربية بسبب غياب الرؤية والمعرفة بطبيعة الأسباب التاريخية والمجتمعية المولدة للإرهاب. علاوة على ذلك سقوط الرؤية التي ترى في الإرهاب نتيجة لمجموعة عوامل وأسباب، أي كانت نضرتها ترى هذه الظاهرة كارتباط ميكانيكي باتجاه واحد من السبب إلى النتيجة، بينما ركزت رؤية البحث على أن الإرهاب كنتيجة طبيعة لتراكم مجموعة من الأسباب لا تكفي لتفسير ظاهرة الإرهاب في العالم العربي، الذي تحولت فيه النتيجة إلى سبب في كثير من الأحيان وهكذا دواليك، في حلقة مفرغة، على ًقاعدة أن العنف كنتيجة يولد العنف من جديد، أي أنَّ الإرهاب نفسه يولّد إرهابًا مناقضًا له، فعلى سبيل المثال لا الحصر، داعش الذي يدعى تمثيله للسنة، يقابل الجماعات الشيعية المتطرفة، وهكذا سيبقى هذا الإرهاب يتوالد ما لم تتدخل الدولة بأجهزتها ومؤسساتها المختلفة لأخذ الدور الريادي في محاربة هذا الإرهاب برؤية استراتيجية وخطط طويلة المدى ومتوسطة وقصيرة.
- إن وجود جماعات إرهابية تدعي تمثيلها لمصالح الطائفة السنية كتنظيم الدولة في العراق والشام( داعش)، وأخرى تدعى تمثيلها للشيعة، كجماعة الحشد الشعبي في العراق والحوثي في اليمن يؤكد على إنَّ الإرهاب في العالم العربي والإسلامي عمومًا يتغذَّى على التقسيمات العمودية للمجتمع (الدين، والإثنية، والطائفة، والعرق، والعشيرة، وغيرها) وليس على التقسيمات الأفقية كما في المجتمعات المتقدِّمة (الصراع الطبقي بين طبقات غنية وفقيرة، أو صراع المصالح بين الجماعات المختلفة وليس (صراع الطوائف والملل والنحل)، يجعل من تحدى الإرهاب باستخدام عنف الدولة شرط لازم ولكنه غير كافي.
- إن التقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الاَلي مكن الجماعات الإرهابية من تنفيذ أعمال إرهابية بعيدة عن مكان وجودها، وساهم في عولمة الإرهاب مستفيدين من انزياح الحدود الفيزيائية وظهور القرية الكونية وسهولة انتقال المعلومات والمعرفة والخبرات، والدعاية والتجنيد، والتحويلات المالية. علاوة عن انتقال التكنولوجيا المتقدمة في الصناعات العسكرية وتعلم استخدامها.
- لقد أتاحت تقنيات الذكاء الاصطناعي للجماعات الإرهابية والدول الممولة لها، امتلاك وإنتاج الأسلحة المتطورة، بسهولة وسلاسة لم تكن متاحة سابقاً. مما يؤكد أنَّ مواجهة الإرهاب على المستوى الوطني غير كافي، بدون تعاون وتنسيق دولي.
- مازال الدور الملقى على منظمات المجتمع المدني في حشد الرأي العام العالمي لمواجهة مخاطر انتشار العنف والإرهاب حول العالم، ومخاطر انفلات تطور الذكاء الاصطناعي بدون حدود ومعايير غير مؤثر وفعال.
توصيات البحث
- أن تتخذ بلدان مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية، على وضع سياسات وإجراءات،وسنِّ مجموعة من التشريعات والقوانين المتعلقة بالإرهاب، وتشكيل قسم خاص بمحاربة الإرهاب على مستوى جامعة الدول العربية، والمستوى الوطني لكل دولة.
- لابد من معالجة الأسباب العميقة للإرهاب من خلال تحديث مناهج التعليم وإطلاق مشاريع التنمية البشرية التي في صميمها الإنسان، من صحة وتعليم وخدمات، من خلال وضع استراتيجيات وخطط طويلة الأمد لمواجهة الأسباب العميقة المولدة للإرهاب وخطط قصيرة المدى (خطط طوارئ) تستجيب للأعمال العنيفة المحتملة، والتي تتطلَّب تشريع مناسب في محاربة للإرهاب، وقضاء، وجهاز تنفيذي خاص بالإرهاب من القضاة والشرطة والأمن الاحترافي، المؤهَّل والمدرَّب.
- إن المعالجة الجذرية لظاهرة الإرهاب لا يمكن بدون بناء دولة المواطنة والمؤسسات التي لا تفرق بين المواطنين على أساس طائفي أو عرقي أو إثني، وإنما كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات.
- يوصى البحث بان تقوم المملكة العربية السعودية كدولة إقليمية مؤثرة ورائدة في العالم العربي والإسلام بتبني مبادرة تحت عنوان: “الحرب على الإرهاب أولا” للعمل والتنسيق مع الأطراف الدولية والإقليمية.
- إطلاق مبادرة عربية، ودعوة لمؤتمر دولي، يناقش إمكانية التعاون والتنسيق بين الدول والمنظمات الدولية للضغط على المستثمرين في الذكاء الاصطناعي، وأصحاب المصالح والقوى الفاعلة لوضع معايير وحدود وضوابط في تطور هذه الظاهرة وانتشارها، بهدف من حد إمكانية وصولها لجماعات الإرهابية.
- لابد من أطلاق مبادرة وحملات إعلامية مكثفة وتمويل أنشطة تهدف إلى إنضاج الرأي العام وحشد الدعم لمحاربة الإرهاب.
المصادر والمراجع
- Anne Hakanssonm, Artificial intelligence: concepts, areas, Techniques and applications, studentlitteratur, sweden, 2020.
- تقرير الأمم المتحدة حول التنمية المستدامة لعام 2019م.
- تم ذكر هذا التعريف في توجيه المفوضية الأوروبية، 2018م.
- Tobias kempas: Artifciell intelligens och immaterialratt, Norstedts Juridik, Sweden:2023.
- Tobias Kempas، المرجع السابق.
- نعوم تشومسكي: ثقافة الإرهاب، ترجمة منذر محمود صالح محمد، العبيكان للنشر، القاهرة 2000.
- مها عبد المجيد صلاح، استراتيجيات الاتصال في مواقع الجماعات الإرهابية على شبكة الإنترنت.
- كونت دى مارنشيز وآخرون: الحرب العالمية الرابعة، دلبوماسية وتجسس في عمر الارهاب، مكتبة مدبولي، القاهرة: 1993.
- ماري شروتر:الذكاء الاصطناعي ومكافحة التطرف العنيف، كينجركوليدج، لندن، 2021م.
- مقال تقنية التزييف العميق، مجلة النجاح، 2023م.
- مرجع سابق، Anne Hakanssonm, Artificial intelligence
- مرجع سابق، Tobias kempas: Artifciell intelligens och immaterialratt
- مها عبد المجيد صلاح، مرجع سابق.


