On Research

مقالات تحليلية

لماذا هزم الديمقراطيون ترامب من جديد؟ تحليل صعود التيار التقدمي بقيادة زهران ممداني

Email :4245

إعداد

عبد الرحمن محمد محمد غزالة 
 كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

 

المقدمة :

مثّل عام 2024م ضربة قوية للديمقراطيين، حيث صعد دونالد ترامب مرة أخرى على رأس السلطة في الولايات المتحدة، وذلك على الرغم مما شهده العالم في أواخر عهده من أزمات واضطرابات في النظام السياسي، مثل تحريضه لأنصاره على محاصرة واقتحام الكونجرس الأمريكي، مما شكّل سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ الأمريكي. أضف إلى ذلك تشكيكه في نزاهة الانتخابات وتهديده بورقة الحرب الأهلية، إضافةً إلى حادثة مقتل جورج فلويد، الأمر الذي أدى إلى موجة احتجاجات واسعة بدعم من حركة “Black Lives Matter”. والشيء بالشيء يُذكر، أن وجود ترامب على رأس السلطة في أمريكا لأول مرة في عام 2016م مثّل مؤشراً على أن التوجهات الخاصة بالشعب الأمريكي شهدت تحولاً كبيراً، وأنهم قد سئموا من النسخة المعتادة والمكررة من الصفوة والنخبة السياسية الأمريكية، أو ما عبّر عنه د. أحمد وهبان بأنه لا فرق بين الحزبين الأمريكيين سوى “اللاصقة”، أي نفس السياسات ونفس الأهداف بلا أي تغيير. وجاء ترامب ليقلب الطاولة، فهو شخص لم ينشأ داخل المؤسسة الأمريكية، أو ما يُطلق عليه الساسة الأمريكيون اسم “الغريب” (Outsider)، في إشارة إلى أنه قادم من الخارج وأنه ليس منهم. لذلك، نراه في فترته الأولى يعاني أشد المعاناة، فالمؤسسة الأمريكية كانت تلفظه وتقاومه مع كل حركة يقوم بها. وفي الحقيقة، يبدو أن الديمقراطيين لم يروا هذا المؤشر جيداً، وأن المواطنين قد ضاقوا ذرعاً من النسخ المكررة. فنرى بايدن – والذي هو من وجهة نظري خير ممثل لما وصلت إليه المؤسسة الأمريكية بأبهى صورها – رجلاً يفتقر إلى الكاريزما، لا يستطيع نطق جملة كاملة، ولم يستطع تلبية تطلعات الشعب الأمريكي. ومن ثم جاءت الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي كشفت إلى حد كبير الوجه الحقيقي للديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وأنها ليست سوى دولة احتلال ودولة فصل عنصري، وتمت إضافة لقب “دولة إبادة جماعية” إليها، وأن الديمقراطيين قد تخلوا عن مبادئهم التي تدعو عادةً إلى استخدام الدبلوماسية أو القوة الناعمة أكثر من القوة الصلبة، فنراهم يدعمون إسرائيل بالأسلحة والمعدات، ما جعله يخسر أصوات العرب والمسلمين، وتحديداً في الولايات المتأرجحة مثل نيوجيرسي وفيرجينيا وغيرها. ومع وعد ترامب للعرب بأنه سينهي الحرب فور وصوله، نراهم يصوتون له كنوع من أنواع التصويت العقابي.

إجراءات ترامب التي ساعدت الديمقراطيين:

في الحقيقة، مثل عودة ترامب مرة أخرى “قبلة الحياة” للديمقراطيين بعدة طرق:

أولاً: عمليات الترحيل للمهاجرين والإجراءات التعسفية ضدهم:

فنرى إدارة الهجرة الأمريكية، والتي تُعرف اختصاراً باسم (ICE)، تطارد الناس في الشوارع وتعقلهم بأساليب وحشية، مما أدى إلى العديد من الاضطرابات في الولايات، شهدنا فيها مشاهد للمتظاهرين وهم يُحرقون سيارات الشرطة، بشكل أشبه بحروب العصابات.

ثانياً: تدخله في اختصاصات الولايات:

من المفترض أن كل ولاية هي المسؤولة عن فرض النظام داخلها، وهي التي تمتلك القوات الشرطية الخاصة بها لجعل هذا الأمر ممكناً، لكن ترامب نراه يقوم بنشر ما يُعرف باسم قوات الحرس الوطني (National Guard) في واشنطن العاصمة، وهو ما وصفه المحتجون بأنه “احتلال”، وتهديده بنشر هذه القوات في شيكاغو، وأيضاً تهديده باستخدام قوات المارينز من أجل إرساء الأمن في كاليفورنيا، متجاوزاً بذلك حاكم الولاية.

ثالثاً: عمليات الفصل الجماعي وغير المخطط لها داخل الحكومة الفيدرالية :

تعلم دونالد ترامب من فترته الأولى أن أكبر عائق واجهه كان الجهاز البيروقراطي، حيث كان لهذا الجهاز دور في رد وصد العديد من مغامرات ترامب المتهورة في فترته الأولى، لذلك حاول تقليص أجنحته لمنعه من أن يكون له أي فاعلية.

رابعاً: الحرب التجارية والسياسات الاقتصادية غير الفعالة:

في الحقيقة، إن الحرب التجارية التي بدأها ترامب مع الصين ومع العالم كله على الأرجح سببت خسائر للبورصة الأمريكية وللسندات الأمريكية، أضف إليها الضغط المستمر من قبل إدارة ترامب على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لخفض أسعار الفائدة، وهو ما كان سيعصف بالنظام النقدي والاقتصادي الأمريكي وبالدولار بصفة عامة كعملة مستخدمة في المعاملات التجارية الدولية، واتجاه العديد من الدول إلى شراء الذهب. وليلتها كانت الدول المستثمرة أيضاً، لنرى الذهب يصعد صعوداً صاروخياً.

السبب الثاني هو سياسة ترامب  الفوضوية إلى حد كبير، فنراه تارةً يسعى للتقارب مع الروس وتارةً يهدد بفرض عقوبات، حتى أنه هدد أقرب حلفائه وذراعه الضاربة في احتواء الخطر الصيني، ألا وهي الهند، إن لم تتوقف عن شراء الغاز الروسي. الأمر كان صدمة للجميع، ودفع الهند جزئياً إلى التقارب مع الصين، وقد رأينا ذلك في قمة منظمة شنغهاي.

خامساً: الدعم الإسرائيلي الذي وصل إلى أقصى مداه في عهد ترامب:

قال نتنياهو في الكنيست قبيل توقيع وقف إطلاق النار في شرم الشيخ 2025م إن دونالد ترامب هو “أفضل صديق حظيت به إسرائيل”، وحقيقةً أن نتنياهو لم يكذب هذه المرة، فدونالد ترامب وفر منظومات الدفاع الصاروخي التي تحتاجها إسرائيل تحديداً، مثل باتريوت وأيضاً صواريخ سكود، وهو الأمر الذي سبب نقصاً في مخزون الجيش الأمريكي ليصل إلى 25%، وهذا دون احتساب الدعم الدبلوماسي المستمر، والذي جعل صورة الولايات المتحدة كمدافعة عن القيم الإنسانية تتمزق شيئاً فشيئاً، بل إن الأمر سبب انقساماً داخل تيار “MAGA”، الذي يرفع شعار “أمريكا أولاً” ويعد ترامب أكبر داعميه، حيث أصبح جزء كبير منهم يرى إسرائيل عبئاً على كاهل المواطن الأمريكي، وأن المساعدات التي تُدفع لدولة خارجية يجب أن تُوجَّه لقطاعات الصحة والتعليم داخلياً.

كيف تمكن الديمقراطيون من العودة مرة أخرى؟ :

أولاً وقبل أي شيء، يجب أن نقول إن هانز مورغنثاو كان يرى أن عالم السياسة الداخلية لا يختلف كثيراً عن عالم السياسة الخارجية، فما هي إلا علاقات قوة ومصلحة. فمع وصول ترامب في الفترة الأولى، وجب أن تظهر قوة توازن للديمقراطيين، وفي هذه الحالة كانت حركة “ANTIFA” تواجه تيار “MAGA”. اعتبرها قانون نيوتن الثالث: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه.

وفي الحقيقة، كنت قد أوضحت في مقال سابق أن الحياة السياسية الأمريكية آخذة في التغير بشكل جذري، فالاختلاف حول ماهية القيم الأمريكية وما تمثله أكبر من أي وقت مضى، وأن المؤسسة الأمريكية يجب عليها أن تلملم جراحها لاستيعاب هذه التفاعلات بين القوى المختلفة. والديمقراطيون بحق لعبوا بقواعد اللعبة وبمكر، فنرى مثلاً الإغلاق الحكومي، والذي يُعد أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة، والذي استمر قرابة 36 يوماً، ليكون أطول فترة إغلاق حكومي في فترة حكم ترامب. وظني أن الديمقراطيين لم يريدوا سوى أن يُسجل في سجل ترامب أنه سبب الانقسام الحاصل، وأنه هو الذي يسبب هذه المشاكل، وخصوصاً أن نسبة تأييد الشعب الأمريكي لدونالد ترامب انخفضت لتصل إلى 41%، إضافةً إلى عنترية ترامب وعنجهيته غير المبررة، والتي أدت إلى ظهور حركة “لا للملوك”، التي لاقت تأييداً شعبياً واسعاً بين الشعب الأمريكي.

البداية الحقيقية هي فوز زهران ممداني بانتخابات عمدة نيويورك كأول مسلم وأبويه مهاجران، وكشاب عمره 34 عاماً، مما مثّل قفزة للديمقراطيين وبرؤية جديدة تواجه التيار الشعبوي، ألا وهي الاشتراكية الاجتماعية، أو كما يسميها البعض الديمقراطية الاجتماعية. وكما يقولون: “أول الغيث قطرة”، فإن زهران كان أول قطرة في هذا الغيث، والتي تلاها فوز الديمقراطيين في فيرجينيا ونيوجيرسي.

فوز زهران: كيف حدث؟

أولاً: زهران ليس كبقية النخب السياسية:

فنراه يرتدي بدلات بسيطة بعيدة عن التكلف، مع بعض الخواتم وابتسامة دائمة. نراه قبل دخول الانتخابات بسنة يستوقف الناس على الطرقات ويسأل عن مشاكلهم وماذا يريدون تحقيقه، ويرتاد حافلات النقل العام مع بقية الناس ويتحدث معهم بكل تلقائية وعفوية.

ثانياً: زهران كان يتحدث بلغة الشارع:

في حملته الانتخابية، نراه يتحدث بالعربية (لغة والدته)، ويتحدث الإسبانية ليكون قريباً من الناس، ويستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب جيل “زد”. بالفعل نجح في ذلك، حيث أن 14% من الأصوات التي حصدها كانت من هذا الجيل. وبحسب بعض التقديرات، تقرّب أيضاً من الطائفة اليهودية الموجودة في نيويورك، وخاصة المعارضين لإسرائيل بعد السابع من أكتوبر، ومن الطائفتين المسيحية والمسلمة كذلك. نجح زهران في خلق ما يُعرف بالتضامن الاجتماعي والحشد الاجتماعي.

ثالثاً: زهران الشاب الذي جاء ليضرب كل القواعد السياسية عرض الحائط:

في مناظرة بينه وبين كرومو، العمدة السابق لنيويورك، عندما تم سؤال كلاهما عن الدولة التي يخططان لزيارتها بعد فوزه، أجاب كرومو: “إسرائيل”، فقال زهران: “لن أغادر نيويورك، ولا أدري لماذا يجب عليّ الذهاب لإسرائيل”.

وتخيل أنك في عاصمة الاقتصاد الأمريكي والبورصة والتجسيد الفعلي للرأسمالية، التي يهتز العالم أجمع لأي اضطراب ولو بسيط في أسهمها، وتقول إنك ستزيد الضرائب على الأغنياء، وتوفر المواصلات العامة بالمجان، وتجمّد أسعار الإيجارات، وتنشئ مساكن جديدة، وفوق ذلك أنت لست من الطبقة العليا ولا تتبنى قيمنا وتهاجم إسرائيل. لذا، لم نتفاجأ عندما دعم كبار رجال أعمال نيويورك المرشح كرومو.

ختامًا :

إن الديمقراطية تُعطي فرصة لتصحيح النظام، وتجديد الدماء، وتقوية المؤسسات. بالتأكيد، الديمقراطية ليست خالية من العيوب. أما وصول ترامب للسلطة وسيطرة اللوبي الصهيوني على الكونغرس، فإن فوز ممداني وغيره من الذين يمثلون تياراً جديداً مختلفاً عن القيم التي تبناها الساسة الأمريكيون يُظهر أن الديمقراطية تسمح بتجديد الدماء والتنوع السياسي، على الرغم من الحشد الذي رأيناه جميعاً ضد هذا الاتجاه الجديد. وأظهر من هذا مثال قول ترامب في تصريح له: “لقد نشأت في عالم يتمحور كله حول إسرائيل، كلمة واحدة ضدها كانت كفيلة بإنهاء مسيرة الشخص السياسية، أما الآن كلمة تؤيدها كفيلة بفعل ذلك.”

 

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts