On Research

وحدة دراسات الإرهاب و الجماعات المسلحة

الخطاب الدعائي والعقيدي في العدد الأخير 549 لتنظيم داعش

Email :6

إعداد

عمرو أحمد المتولى

باحث ماجستير فى العلوم السياسية  – كلية السياسة و الاقتصاد جامعة السويس

جمهورية مصر العربية

 

 

​المقدمة:

​مثّل العدد549(١) من صحيفة النبأ التابعة لتنظيم داعش الإرهابي النموذج الواضح للمادة الدعائية التي تقدمها التنظيمات المسلحة في الجمع بين التأصيل العقدي والتعبئة العسكرية، فتنظيم داعش هنا لا يقتصر على عرض العمليات العسكرية بل يحيطها بإطار يكسبها الشرعية الدينية (مشروعية دينية مزعومة)، تكمن خطورة هذا العدد بوضوح في كيفية توظيف مفاهيم مثل التوحيد والجهاد والولاء والبراء والحج في سردية تخدم المشروع المسلح القائم على الهدم والتدمير والفساد وليس على الهداية والبناء.

يبرز هنا حضور الخطاب الديني المشحون المحاول لتبرير القتل والتفجير، مما يجعل دراسة هذا العدد ضرورة لفهم آلية الخطاب المتطرف وتفكيك منطقيته داخل النصوص الشرعية.

​البنية العامة للعدد:

​يتكون العدد من جزءين رئيسيين:

أولاً؛ جزء عسكري: يتضمن العمليات الإرهابية التي قام بها التنظيم في نيجيريا والنيجر والكونغو وموزمبيق والصومال والموصل، ركز ذلك الجزء على بيان الآتي: (القتلى والجرحى، والغنائم وإحراق الآليات).

ثانياً؛ الجزء العقدي: يربط تلك العمليات العسكرية بعقيدة الجهاد والتوحيد، ولأول مرة يبرز مقولة دار الطيبين ودار الخبيثين.

​وبهذا نحن بصدد خطاب دعائي هرمي كامل؛ في قمة الهرم حدث عسكري، يتوسط الهرم التبرير الديني للعمليات العسكرية، وفي قاع الهرم توجيه المتلقي نفسياً إلى تقبل العنف باعتباره مشروعاً دينياً.

​الصفحة الثالثة من الافتتاحية:

​أرى أنها الأشد فتكاً وتأثيراً في العدد، يبدأ المقال هنا بالتلبية والحج منتقلاً بعد ذلك إلى تمجيد التوحيد حسب ما يفسره ويفهمه التنظيم، ثم يربط التوحيد بالجهاد والقتال أيضاً، الجهاد هنا حسب ما يفهمه التنظيم، والخطورة هنا هي تحويل التوحيد من مفهوم جامع أصل العقيدة إلى معيار للولاء والعداء (أنت موالٍ لنا بفهمك للتوحيد حسب ما نراه، أو عدونا بفهمك للتوحيد بمعناه الصحيح)، تنتهي تلك الصفحة بقول التنظيم: (أن التوحيد هو الذي عليه نقاتل ونصول ونجول ونبايع المولى عليه حتى يعلو شَأْوُهُ…….. فأي عَجّ “حج” يفوق هذا)، وهنا يريد التنظيم أن يوصل أن الدين لا يكتمل سوى بالانخراط في المعركة، وإقناع الجمهور بأن الهروب والانضمام إلى ذلك التنظيم المسلح واجب ديني يفوق الحج.

​الصفحة الرابعة والخامسة والسادسة:

​تنظيم داعش التكفيري حريص هنا على إظهاره أنه مسيطر على الأرض (نيجيريا، النيجر، الكونغو، الصومال، موزمبيق، العراق)، شتى العمليات الإرهابية في تلك الجغرافيا المتعددة يريد التنظيم إيصال رسالة مباشرة مفادها أن التنظيم تعدى كونه خلايا نائمة متفرقة إلى كونه شبكة عابرة للحدود، والملاحظ هنا أن تنظيم داعش استطاع استغلال نقاط ضعف تلك الدول أو ضعف اهتمامها بالفئات المهمشة، وهذا ما استغلته أيضاً جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الفرع التابع لتنظيم القاعدة في مالي من اكتساب قدر من التأييد داخل تلك الدول إضافة إلى إيجاد قاعدة للتجنيد تدعم عملياتها(٢)، ولذلك فالرسالة هنا أن التنظيمات المسلحة حاضرة في قلب الفوضى.

​يستخدم التنظيم هنا أرقام الضحايا والنهب أو ما يسمونها “غنائم” وحرق الآليات كدليل على السيطرة المكانية، وهذا ليس سوى مجرد إيصال انطباع بالقوة حتى ولو كان وجودهم على الأرض في حالة انحسار.

في كل فقرة يستخدم التنظيم عبارات مثل: (ولله الحمد، بتوفيق الله) لإدراكه أن السيطرة المكانية لا تكفي وحدها، وأن تزييف الإدراك لدى الأفراد لا يقل أهمية عن الميدان؛ لأن ذلك يقود إلى صناعة “ذئب منفرد”، فربط كل عملية إرهابية بمبدأ ديني يسمح له بالبقاء الرمزي حتى بعد تعرضه للخسارة الميدانية.

​في الصفحة السابعة:

​ينتقل التنظيم إلى ما يسمى بمصطلح “دار الطيبين، دار الخبيثين”، يرى التنظيم أن الطيب والخبيث ليس متعلقاً بسلوك الفرد، بل يرى أن كل من لا يدين للتنظيم بالولاء والبراء فهو خبيث وقابل للقتل، وهذا تمهيداً للعنف، فالإسلام الصحيح لا يجعل الناس طيبين أو خبيثين بسبب الانتماء لجماعة مسلحة أو تنظيم إرهابي وتكفيري وإنما بالتقوى، قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(٣)، وبذلك تنظيم داعش ينحرف عن المعنى القرآني.

​في الصفحة الثامنة والأخيرة للعدد:

​بعنوان “بين الحج والجهاد” يحاول تنظيم داعش هنا أن يجعل الجهاد بحسب فهمه أعلى من الحج والتعبير الأصح عن التوحيد في الوقت الراهن، فيرون أن التفجير والقتل واستباحة النساء قمة التدين، وهذا أقصى درجات الانحراف؛ استعمال الدين لهدم الدين.

الخاتمة:

​أن الإسلام لا يمكن أن ينتشر ولا أن يسود بطريق التنظيمات الإرهابية ولا بالسلاح، الإسلام دين ينتشر بالحجة والمنطق والإقناع، وأن الحروب التي حدثت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانت حروباً للدفاع ولم تكن حروباً للهجوم ولا إلى الاستيلاء على بلاد الناس، وإنما كانت هناك دعوة للإسلام تقوم على الحجة والبرهان؛ من أراد أن يدخل في الإسلام فليدخل ومن أراد أن يحتفظ بدينه فليحتفظ بدينه، وأن ما يحدث الآن من الحركات المسلحة يسمى محاربة الله ورسوله وأن الإسلام والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقرون ذلك.

وأن مواجهة التنظيمات المسلحة تتطلب معالجة الجذر الفكري الذي يسهم في انتشار التطرف والذي هو بداية السلم في عالم الإرهاب، وترسيخ ثقافة الاعتدال والتعايش.

الهوامش:

  1. العدد 459 من صحيفة النبأ / السنة السابعة عشرة / الخميس 11 ذو الحجة 1447 هـ.
  2. Héni Nsaibia on Sahel Insurgency expansion as jihadist rivalry intensifies across borders.
  3. سورة الحجرات، الآية 13.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts