On Research

مقالات تحليلية

الغطرسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية… من إسقاط نظام آربينز إلى اعتقال مادورو!

Email :9309

إعداد

معتز الجزايرلي

باحث سياسي

جمهورية مصر العربية

 

ألقت الولايات المتحدة الأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في الثالث من يناير من العام الحالي، خلال ما يُعرف بالعملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا. وجاء ذلك على خلفية اتهام واشنطن لمادورو بدعم الإرهاب، بالإضافة إلى إدخال الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وتهمٍ أخرى تتعلق بحيازة الأسلحة والأجهزة المتفجرة.

ولا يُعتبر هذا التعدي الصريح من قبل واشنطن على مبدأ احترام سيادة الدول الأولَ من نوعه؛ إذ يزخر التاريخ الأمريكي بالعديد من الأمثلة المشابهة لهذه العملية الأخيرة. وفيما يلي يتناول هذا المقال أبرز محاولات الولايات المتحدة الأمريكية التي سعت من خلالها إلى إسقاط النظم السياسية المناوئة لها في أمريكا اللاتينية:

  • التدخل الأمريكي في جواتيمالا 1954 (عملية PBSUCCESS) شهد عام 1944 قيام ثورة شعبية بجواتيمالا، وسرعان ما أطاحت هذه الثورة بالنظام الديكتاتوري القائم آنذاك؛ لتبدأ الدولة الكاريبية عهداً من الديمقراطية تأكد بوصول الرئيس جاكوبو آربينز إلى الحكم عام 1951.

بدأ آربينز تنفيذ مشروعٍ إصلاحيٍ تضمن إصدار العديد من القوانين من شاكلة قانون الإصلاح الزراعي، بالإضافة إلى اتباع عدد من المبادئ مثل مبدأ تعزيز السيادة الاقتصادية وفتح الباب أمام التنوع السياسي، والذي تمثل في اعتراف آربينز بالحزب الشيوعي رغم أنه لم يكن شيوعياً.

مثلت هذه الإجراءات التي اتخذها آربينز تهديداً للمصالح الأمريكية، خاصةً شركة (United Fruits) التي عملت على ربط آربينز بالشيوعية والضغط على الكونجرس الأمريكي من أجل الإطاحة بنظام آربينز في جواتيمالا. وهذا ما تحقق في عام 1954؛ حيث قادت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) عملية سرية للإطاحة بآربينز، وتضمنت هذه العملية حملة إعلامية ممنهجة ضد نظام آربينز، إلى جانب تجنيد ميليشيات محلية بقيادة كارلوس آرماس، وممارسة شتى أشكال الحرب النفسية؛ لإقناع الشعب في جواتيمالا بانهيار الدولة ومؤسساتها.

في يونيو 1954، استقال آربينز بعد انهيار دعم الجيش له، وتم تنصيب حكومة عسكرية موالية لواشنطن بقيادة كارلوس آرماس.

  • التدخل العسكري في الدومينيكان 1965 عانت جمهورية الدومينيكان لسنوات عديدة من السيطرة الأمريكية التي اتخذت أشكالاً مختلفة، كوجود استثمارات لرؤوس أموال تعود لشركات أمريكية تدر الأموال الطائلة عليها على حساب شعب الدومينيكان، أو كالتدخل في الشؤون الداخلية والتأثير في القرار السياسي من خلال تنصيب شخصيات موالية لواشنطن.

إلا أن الأمور تغيرت بحلول عام 1963، عندما تولى السلطة خوان بوش، الذي نهج سياسة معادية للولايات المتحدة، وأفقدها الكثير من استثماراتها، وهدد مصالح شركاتها داخل الدومينيكان؛ حيث شهدت السنوات التي أعقبت وصول خوان للسلطة وضعاً سياسياً غير مستقر، مما اضطر واشنطن للتدخل العسكري المباشر في عام 1965 وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 1963.

  • غزو جرينادا 1983 (عملية الغضب العاجل) في أكتوبر من عام 1983، شهدت الجزيرة الواقعة في البحر الكاريبي انقلاباً عسكرياً أطاح برئيس الوزراء المنتخب آنذاك موريس بيشوب. ولم يقف الأمر عند مجرد الإطاحة به، بل تم الحكم عليه وعلى بعض مؤيديه بالإعدام، مما تسبب في حالة من الفوضى الأمنية والسياسية داخل جرينادا. وأمام هذه الأحداث الدموية رأت واشنطن ضرورة تنفيذ عملية عسكرية داخل جرينادا، وقد بررت هذه العملية بحماية 600 طالبٍ أمريكيٍ كانوا يدرسون في كلية الطب بالجزيرة. ولكن السبب الرئيسي لهذه العملية يعود إلى تخوف الولايات المتحدة الأمريكية من تحول جرينادا إلى دولة شيوعية؛ حيث شهدت العلاقات الثنائية بينها وبين كوبا زخماً ملحوظاً منذ وصول بيشوب للحكم وحتى بعد الإطاحة به، وقد كان ذلك في ظل الحرب الباردة القائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

في 25 أكتوبر من ذات العام، نفذت القوات الأمريكية – بالتعاون مع عدة دول كاريبية – إنزالاً برياً وجوياً على الجزيرة، وتمكنت القوات الغازية خلال أيام قليلة من السيطرة على المطار الرئيسي بالجزيرة ومحطات البث، ومن ثم استطاعت واشنطن الإطاحة بالحكومة العسكرية القائمة قبل أن تنسحب القوات الأمريكية من الجزيرة بنهاية عام 1983 بعد تشكيل حكومة مؤقتة، كما أجريت انتخابات ديمقراطية لاحقاً في عام 1984.

  • غزو بنما 1989 (عملية السبب العادل) في 20 ديسمبر عام 1989، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية عملية غزو بنما التي عُرفت حينها بعملية “السبب العادل”، والتي شارك فيها نحو 27 ألفاً من القوات الأمريكية، وجاءت هذه العملية على خلفية تصاعد التوتر بين واشنطن وحليفها مانويل نورييغا رئيس بنما في ذلك الوقت.

وقد بررت واشنطن هذه العملية بحماية المواطنين الأمريكيين، ومكافحة تهريب المخدرات، بالإضافة إلى الدفاع عن الديمقراطية وقناة بنما، التي كانت وما زالت موقعاً استراتيجياً هاماً بالنسبة إلى صانع القرار الأمريكي. ورغم العلاقة الجيدة التي جمعت بين نورييغا وواشنطن قبل الغزو، إلا أن ذلك لم يحل دون تنفيذ الولايات المتحدة لهذه العملية، خاصةً بعد أن أصبح نورييغا متورطاً في عمليات غير مشروعة، مثل غسيل الأموال وتجارة المخدرات؛ الأمر الذي جعل واشنطن تنقلب على عميلها السري، وتنفذ عملية عسكرية ضد بنما من أجل التخلص من نظام نورييغا.

سيطرت القوات الأمريكية سريعاً على العاصمة البنمية، ونجحت في إسقاط قوات الدفاع البنمية خلال أيام قليلة؛ الأمر الذي دفع نورييغا إلى الهروب والاحتماء بالسفارة البابوية التابعة للفاتيكان في بنما. إلا أن القوات الأمريكية قامت بمحاصرة السفارة واستخدمت أساليب نفسية غير تقليدية، تمثلت في تشغيل الموسيقى الصاخبة خارج مقر السفارة حتى سلم نورييغا نفسه إلى القوات الأمريكية في الثالث من يناير من عام 1990، ونُقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة حيث حُكم عليه بالسجن على خلفية اتهامه بغسيل الأموال وتهريب المخدرات.

ختاماً، فإن الأوضاع الدولية الحالية قد تدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو استخدام القوة مرة أخرى، وتجاهل القانون الدولي، خاصةً مبدأ احترام سيادة الدول في البيئة الدولية. وكل ذلك بهدف القضاء على الأنظمة المناوئة للولايات المتحدة، سواء كانت هذه الأنظمة في أمريكا اللاتينية مثل النظام في كولومبيا، أو خارج الحديقة الخلفية لواشنطن مثل النظام الإسلامي في إيران.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts