On Research

مقالات تحليلية

صراعات النفوذ في البحر الأحمر: اليمن وصومالاند كنموذجين

Email :6291

 

إعداد

أحمد عزام حسن

باحث سياسي مهتم بالعلاقات الدولية والأمنية

جمهورية مصر العربية 

 

البحر الأحمر اليوم ليس مجرد ممر مائي، بل أصبح ساحة صراع استراتيجي عالمي. مضيق باب المندب يمثل نقطة ضغط يمكن لأي توتر فيها أن يوقف حركة الملاحة والطاقة الدولية. اليمن وصومالاند مثالان على كيف يمكن للصراعات المحلية أن تتحول إلى أداة نفوذ دولية، حيث تتصارع القوى الإقليمية والدولية على السيطرة والتأثير. إذا استمرت هذه التطورات دون إدارة حكيمة، فإن المنطقة معرضة لانفجار صراعات مفتوحة قد تهدد الأمن البحري العالمي. في هذا السياق، تقف مصر أمام اختبار حقيقي لقدرتها على فرض توازن إقليمي يحمي مصالحها الحيوية ويضمن استمرار الأمن والاستقرار في البحر الأحمر.

لماذا يعود البحر الأحمر إلى قلب الصراعات الإقليمية؟

البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي عادي، بل هو شريان حيوي للتجارة العالمية؛ يمر عبره نحو 12% من التجارة الدولية و30% من حركة الحاويات، ويشكل مضيق باب المندب نقطة اختناق رئيسية تؤثر على أمن الطاقة العالمي والتجارة البحرية.

مع بداية 2025، شهدت المنطقة انخفاضًا كبيرًا في تدفق النفط عبر المضيق بنسبة تزيد عن 50% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، نتيجة الهجمات المتكررة للحوثيين على السفن والموانئ، رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية. ومع تراجع الدور الأمريكي النسبي، برزت منافسات إقليمية حادة، حيث تحرص دول مثل الإمارات والسعودية وتركيا وإيران على تعزيز وجودها عبر قواعد عسكرية واستثمارات ضخمة في الموانئ على الضفتين، الأمر الذي يجعل السيطرة على الممرات البحرية مسألة استراتيجية محورية.

اليمن: بداية تباين الرؤى داخل التحالف العربي

بدأ التدخل العربي في اليمن عام 2015 بهدف مشترك هو مواجهة الحوثيين ودعم الحكومة الشرعية، لكنه سرعان ما تحول إلى حلبة خلافات استراتيجية بين الشركاء؛ فالسعودية ركزت على حماية حدودها من النفوذ الإيراني ومنع أي تهديد أمني مباشر، بينما رأت الإمارات فرصة لتعزيز نفوذها في الجنوب عبر السيطرة على الموانئ الاستراتيجية مثل ميناءي عدن والمكلا، ودعم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى لاستقلال أكبر.

مع نهاية 2025، بلغ التوتر ذروته بعد ضربات سعودية استهدفت شحنات إماراتية في ميناء المكلا، وتصاعد تقدم المجلس الانتقالي نحو حضرموت والمهرة، ما دفع الرياض إلى اعتبار ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. هذا التحول نقل التحالف العربي من شراكة استراتيجية إلى منافسة مفتوحة، حيث انسحبت الإمارات جزئيًا من بعض المواقع العسكرية لكنها حافظت على نفوذها عبر وكلائها المحليين.

من عدن إلى بربرة: انتقال صراع النفوذ إلى القرن الإفريقي

القرب الجغرافي بين اليمن والقرن الإفريقي يجعل السيطرة على موانئ الجانبين مترابطة بشكل مباشر، إذ يفصل باب المندب مسافة قصيرة. ونرى أن النموذج اليمني في استخدام الموانئ كأداة نفوذ يتكرر في صومالاند مع ميناء بربرة، الذي استثمرت فيه الإمارات منذ 2016 عبر شركة “دي بي ورلد” بمبالغ كبيرة، إضافة إلى وجود قاعدة عسكرية سابقًا.

امتداد النفوذ الإماراتي إلى بربرة يعكس استراتيجية ربط الضفتين، ويأتي متزامنًا مع اتفاق إثيوبيا مع صومالاند عام 2024 للوصول البحري وتطوير الممر. ميناء بربرة أصبح مركزًا إقليميًا مهمًا، حيث يمكنه التعامل مع نصف مليون حاوية سنويًا بعد التوسعات الأخيرة، ما يرفع من أهميته الاستراتيجية في البحر الأحمر ويعزز الدور الاقتصادي والعسكري للدول المستثمرة فيه.

صومالاند: لماذا عادت إلى الواجهة الآن؟

أعلنت صومالاند استقلالها عام 1991 بعد انهيار الدولة الصومالية، وحافظت على استقرار نسبي مع مؤسسات ديمقراطية وانتخابات منتظمة، رغم عدم الاعتراف الدولي الرسمي بها. لديها عملة وعاصمة خاصة، وتتميز بالاستقرار مقارنة ببقية الصومال، مما جعلها نقطة جذب للاستثمارات الأجنبية والمشاريع الاستراتيجية.

الاهتمام الدولي الحالي جاء بعد مذكرة التفاهم مع إثيوبيا عام 2024، ثم اعتراف إسرائيل بها كأول دولة عضو في الأمم المتحدة في ديسمبر 2025، ما أثار إدانات واسعة من الصومال ومصر وتركيا والاتحاد الإفريقي. الموقع الاستراتيجي لصومالاند مقابل اليمن يعزز من أهمية الميناء في مراقبة تحركات الحوثيين وتأمين طرق الملاحة الحيوية، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الخارجي بها.

السعودية والإمارات في صومالاند: تباين مصالح لا صدام مباشر

تركز الإمارات على المشاريع الاقتصادية والأمنية في بربرة من خلال الاستثمار والوجود العسكري السابق، بينما تميل السعودية إلى دعم الحكومة الفيدرالية في مقديشو مع الحفاظ على الاستقرار السياسي وعدم تشجيع الاستثمارات الأحادية في صومالاند.

الخلاف بين الطرفين غير معلن لكنه واضح في الرؤى: الإمارات تبحث عن النفوذ الاقتصادي، بينما السعودية تبحث عن الاستقرار السياسي الشامل. تدخل إسرائيل والاعتراف بصومالاند أضاف بعدًا جديدًا لتعقيدات العلاقات، خاصة مع موقف الإمارات الأكثر مرونة مقارنة بالرفض السعودي الصريح.

العلاقة بين اليمن وصومالاند: امتداد لنفس الصراع

هناك أوجه تشابه كبيرة بين اليمن وصومالاند في طريقة إدارة النفوذ الإقليمي، أبرزها التركيز على الموانئ واستخدام الدعم لقوى محلية تسعى للاستقلال. الفرق يكمن في الأدوات: عسكرية في اليمن، واستثمارية واقتصادية في صومالاند. الهدف الاستراتيجي مشترك: تأمين الملاحة البحرية وضمان النفوذ الإقليمي، مع استمرار انعكاسات التوترات الخليجية من اليمن إلى القرن الإفريقي.

مصر والبحر الأحمر: ثوابت استراتيجية لا تحتمل المغامرة

أمن البحر الأحمر مرتبط مباشرة بأمن قناة السويس، التي تأثرت إيراداتها سلبًا بسبب التوترات الإقليمية. السياسة المصرية ثابتة في دعم وحدة الدول ورفض التفكيك، كما يظهر في موقفها من اليمن وصومالاند، مع إدانة الاعتراف الأحادي بصومالاند والتأكيد على دعم الاتفاقات الإقليمية التي تحافظ على الاستقرار.

تتبع مصر سياسة واحدة في الملفين: دعم الحكومة الشرعية والوحدة في اليمن، ورفض الاعتراف الأحادي بصومالاند، مع الحفاظ على التنسيق مع السعودية دون قطيعة مع الإمارات. هذا الحياد الإيجابي يعكس قدرة مصر على إدارة الخلافات وتحقيق التوازن، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في مشاريع البحر الأحمر والموانئ الاستراتيجية.

السيناريو الأكثر واقعية للسياسة الخارجية المصرية

في ظل تصاعد التوترات، من المتوقع استمرار سياسة التوازن المصري، وتجنب الانجرار إلى النزاعات المباشرة، ودعم الاستقرار عبر الطرق الدبلوماسية، مع موقف موحد تجاه أي اعترافات أحادية قد تهدد سيادة الدول في المنطقة.

مصر بين حكمة الجغرافيا وتعقيدات السياسة

اليمن وصومالاند يشكلان اختبارًا حقيقيًا للسياسة الخارجية المصرية في منطقة تفرض الجغرافيا فيها تعاونًا أمنيًا مشتركًا. مع منافسات خليجية وتدخلات خارجية، يبقى التوازن الخيار الأكثر أمانًا وأقل كلفة؛ فهو يحمي مصالح مصر الحيوية ويتيح لها دورًا بناءً في التهدئة الإقليمية بعيدًا عن التصعيد العسكري أو السياسي.

ختاماً:

تحليل التطورات الأخيرة يظهر أن البحر الأحمر أصبح محور منافسة شديدة ومعقدة بين المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية لدول الخليج وتركيا وإسرائيل، في مواجهة تحديات محلية لأصحاب الموانئ الاستراتيجية. من الواضح أن أي تراجع أو غياب للتأثير المصري سيترك المنطقة عرضة للانزلاق في صراعات مفتوحة، ما قد يعطل خطوط التجارة البحرية ويهدد استقرار الإقليم بأكمله. لذلك، فإن سياسة التوازن المصرية ليست خيارًا بل ضرورة استراتيجية حاسمة. فمصر مطالبة بتكثيف حضورها الدبلوماسي والاقتصادي، وتعزيز قدراتها على حماية الممرات البحرية، لضمان ألا تتحول المنطقة إلى ساحة نفوذ خارج السيطرة. في النهاية، قدرة مصر على إدارة هذه الصراعات بحكمة وفعالية ستحدد مستقبل البحر الأحمر كممر عالمي آمن، كما ستحدد مكانتها الاستراتيجية في قلب العالم العربي وإفريقيا.

 

المصادر 

 

 

1-  https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=63446

 2- https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=61025

 3- https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/yemen/248-calming-red-seas-turbulent-waters

 4- https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/yemen/delivering-yemen-dual-peril

 5- https://www.chathamhouse.org/2025/11/de-escalation-needed-prevent-ethiopia-and-eritrea-going-war

6-  https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-recognises-somaliland-somalias-breakway-region-independent-state-2025-12-26

7-  https://www.reuters.com/world/middle-east/saudi-led-coalition-yemen-calls-civilians-mukalla-port-evacuate-saudi-state-news-2025-12-30

 8- https://www.reuters.com/world/middle-east/yemen-strike-shows-depth-distrust-between-saudi-arabia-uae-2025-12-30

 9- https://www.theguardian.com/world/2025/dec/30/saudi-arabia-uae-tension-future-yemen-boiling-point

 10- https://www.theguardian.com/world/2025/dec/30/saudi-arabia-bombs-yemen-over-weapons-shipment-alleged-uae

 11- https://www.timesofisrael.com/israel-becomes-first-country-to-recognize-breakaway-somaliland-as-independent-state/

 12- https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/cairo-stuck-between-securing-red-sea-and-avoiding-perception-support-israel

 13- https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/case-holistic-us-policy-toward-emerging-red-sea-region

 14- https://au.int/en/pressreleases/20251226/auc-chairperson-rejects-any-recognition-somaliland

 15- https://www.stimson.org/2021/red-sea-multilateralism-power-politics-or-unlocked-potential/

17-  https://www.dpworld.com/somaliland

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts