
إعداد
د زياد أيوب عربش
أستاذ جامعي ومستشار اقتصادي
سوريا
بانسحابه من 66 اتفاقية ومعاهدة عالمية، هل يُفقد رئيس أمريكا النظام الليبرالي الغربي قوته التاريخية؟ ألا يعني تقوقع “أمريكا أولاً”، بأن الصين كقائدة لعولمة بديلة، تعولم أمريكا بدل أمركتها للعالم!
من بريتون وودز إلى الانسحاب من المنظمات الدولية مروراً بالهيمنة على فنزويلا
يُعد قرار الرئيس الأمريكي بالانسحاب من 66 اتفاقية ومنظمة دولية (بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ UNFCCC، ومجلس الخبراء الحكومي الدولي حول تغير المناخ IPCC، ووكالة الطاقة المتجددة الدولية IRENA، وتحالف الطاقة الشمسية الدولي، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، ومنتدى مكافحة الإرهاب العالمي GCTF، وغيرها)، خطوة جذرية في النظام العالمي الكلي وتوجهاً قومياً متطرفاً، تعكسه الانتقادات التي رصدناها في تقارير تُنشر تباعاً في الصحافة العالمية بما فيها الفرنسية والصينية والبريطانية والأمريكية.
ففي عام 2019 وبينما كانت تنضم سورية (ورغم الحرب) لاتفاقية باريس للمناخ، أعلنت الولايات المتحدة آنذاك وأثناء ولاية الرئيس ترامب، انسحابها من هذه الاتفاقية، إيذاناً بنهاية الليبرالية الاقتصادية الفجّة التي لطالما طغت في كل خطابات القادة الغربيين، منذ اتفاق واشنطن (1981) وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي (1986). وفي كتابنا “الصين: الفعل المؤسس لنظام عالم جديد” (دار الشرق، دمشق، 2019)، وبكل فصل وفقرة منه كان السؤال دوماً: وماذا عن أمريكا؟ من مسائل الطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا وبراءات الاختراع إلى تموضع الأقطاب البازغة ومآل الليبرالية وتحول مركز ثقل العالم من الغرب والشمال إلى الشرق والجنوب.
فبعد الدور الحاسم لاتفاقية بريتون وودز (1945 وفرض الدولار في التبادل الدولي على حساب مشروع كينز ومقترح “البنكور” كعملة عالمية)، وتعليق قاعدة الذهب من قبل الرئيس الأمريكي نيكسون (1973)، وانهيار الاتحاد السوفييتي رسمياً (1989)، يأتي انسحاب الرئيس ترامب من هذه الاتفاقية بمثابة ضربة قاضية للعولمة، وبعد “غزو” فنزويلا قبل أيام، كخطوة لا تقل أهمية عن حرب أفغانستان وغزو العراق لدرء أي خصم من الإفلات من الدولار (Loss of dollar hegemony as global reserve currency)، وضمن سعي الولايات المتحدة لوضع سد منيع أمام ثنائي الشرق الصين وروسيا (وربما لاحقاً الهند) والدول البازغة في هذه المنطقة والتي لا تدور في فلك أمريكا. فهل هذا الانسحاب يعني تنامي الانكفاء الجيو-اقتصادي الذاتي لأمريكا مع تفكيك المنظومات الدولية التي بنيت على مدى عقود؟
مخاطر العزلة الجيوسياسية: أمريكا قوية ولكن؟
يُمثل الانسحاب شلّاً منهجياً للمنظومات الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يُفقد الولايات المتحدة مقاعدها في محافل حاسمة، كمنتدى مكافحة الإرهاب العالمي والشراكة للتعاون عبر الأطلسي، والإطار الدولي لمكافحة الإرهاب، واتفاقيات المناخ، بالإضافة إلى الانسحاب من الاتحاد الدولي للاتصالات الذي يُحدد معايير التكنولوجيا العالمية؛ مما يخلق فراغاً استراتيجياً هائلاً يملأه الخصوم مثل الصين وروسيا، في وقت يتصاعد فيه التوتر حول تايوان وأوكرانيا.
وكـ”انهيار للنظام العالمي الليبرالي”، فالرئيس الألماني شتاينماير لم يتردد في وصف السياسة الأمريكية بأنها “تُدمر الاستقرار الدولي وتُشجع على الفوضى”، خاصة مع تهديدات ترامب المتزامنة باحتلال فنزويلا فيزيائياً مع غرينلاند؛ مما يُضعف الثقة في مجمل حلف الناتو ويُحفز النزاعات بالوكالة في أوكرانيا والشرق الأوسط وأفريقيا (بي بي سي، 8/1/2026؛ الغارديان، 7/1/2026).
ففقدان التعاون في مواجهة التهديدات الهجينة، مثل الهجمات السيبرانية والحروب الإلكترونية والإرهاب العابر للحدود، يعني أن هذا الانسحاب هو بمثابة “دعوة مفتوحة للفوضى متعددة الأقطاب” حيث تتقدم الصين في الاتحاد الدولي للاتصالات وتُسيطر روسيا على منتديات الطاقة؛ مما يُعرّض أوروبا لمخاطر أمنية مباشرة (لو موند، 7/1/2026؛ لو بوان، تصريح الرئيس ماكرون 8/1/2026). وفي السياق الأمريكي، فإن تفكيك المنظومات القانونية الدولية كاتفاقيات جنيف، يُعرض الأمن القومي للخطر أمام مخاطر هجينة (Hybrid Confirmation Armies) وحروب غير متكافئة (مجلة القانون الدولي الأمريكي، جامعة كامبريدج، العدد 119، إصدار شباط/ فبراير 2026؛ Lawfare، 7/1/2026).
التخريب الجيو-اقتصادي الذاتي: توسيع الآثار الاقتصادية والتنافسية
يُوسع هذا القرار انحسار الجيو-اقتصادي الذاتي لأمريكا على المدى الطويل، إذ يؤدي الانسحاب من وكالة الطاقة المتجددة الدولية (IRENA) وتحالف الطاقة الشمسية الدولي ووكالة الطاقة الذرية الدولية إلى ارتفاع تكاليف الطاقة الأمريكية للأجل الطويل مع فقدان حصتها في سوق الطاقة الخضراء العالمي، بينما تُسيطر الصين (التي تسيطر على 80% من سوق الألواح الشمسية والبطاريات) والاتحاد الأوروبي على سلاسل التوريد الخضراء العالمية من خلال مبادرة الاتحاد الأخضر الأوروبي.
وبالتالي فقدان ملايين الوظائف في قطاع التصنيع الأخضر والتكنولوجيا النظيفة، حيث تُشكل كاليفورنيا ونيويورك وتكساس تحالفات إقليمية مستقلة لملء الفراغ الاتحادي باتفاقيات مناخية ثنائية مع أوروبا واليابان؛ مما يُعمق الانقسام الداخلي السياسي والاقتصادي ويُضعف القدرة التنافسية الأمريكية أمام مبادرة “حزام واحد طريق واحد” الصينية التي تمتد إلى 150 دولة (نيويورك تايمز، 7/1/2026؛ لوس أنجلوس تايمز، 6/1/2026؛ منظمة الطاقة الديمقراطية EDF، تقرير 8/1/2026؛ اتحاد العلماء المعنيين UCS 8/1/2026).
فالانسحاب من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) يمثل ضربة قاضية للشركات الأمريكية في الأسواق الناشئة مثل أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، ويُهدد هيمنة الدولار كعملة احتياطي عالمي من خلال فقدان صياغة معايير الضرائب الدولية والتجارة الرقمية، مع توقعات بارتفاع التضخم الأمريكي (الفاينانشيال تايمز، 8/1/2026؛ مجلة ذا إيكونوميست، 9/1/2026). فغياب الولايات المتحدة عن تمويل المناخ، يُعزز نفوذ أوروبا في الاستثمارات الخضراء والصمود الاقتصادي، مُعجلاً بانتقال جيواقتصادي نحو تحالف بريكس+ الذي يضم الآن 40% من الناتج العالمي، مع ردود فعل محتملة تشمل عقوبات تجارية أوروبية على الواردات الأمريكية (لو فيغارو، والباييس الإسبانية، 8/1/2026).
السيادة الوهمية مقابل الرد الدولي والعقوبات الدبلوماسية
تُقابل تبريرات البيت الأبيض بأن هذه المنظمات “مُهدرة” أو تروج لـ”اليقظة اليسارية” بشعارات قومية سطحية تغفل التبعية المترابطة في قضايا مثل الهجرة المناخية، والأوبئة المستقبلية، والأمن الغذائي العالمي؛ مما يُعرض الاقتصاد والأمن الأمريكيين لصدمات غير متوقعة. فتجميد روابط الناتو مؤقتاً يعني مكاسب فورية لمجموعة البريكس في صياغة القواعد الدولية، حيث يُفقد انسحاب الولايات المتحدة نفوذها في معايير الأمن السيبراني والتجارة الإلكترونية (NPR، 8/1/2026، Inside Climate News، 9/1/2026). مع توقع استمرار تآكل هيمنة الدولار على المدى المتوسط، ونفوذ الولايات المتحدة في صياغة قواعد السلع الأساسية والتكنولوجيا المتقدمة، مُفسحة المجال للصين كبديل عملة في التجارة (جنوب-جنوب) (لو موند، 9/1/2026).
السقوط الاستراتيجي طويل الأمد وفقدان القوة الناعمة والابتكار
يُنذر الانسحاب بفقدان القوة الناعمة الأمريكية بشكل لا رجعة فيه، مع الانسحاب من منظمات التعليم العالمي كاليونسكو وحقوق الإنسان والمواجهة المناخية؛ مما يُعيق تدفق الابتكار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والطاقة النووية الآمنة، حيث تتقدم الصين في هذه المحافل. فاستغلال الصين للفراغ في الطاقة المتجددة وروسيا للطاقة التقليدية، يعني “تعجيل الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب وفقدان أمريكا لنفوذها الدبلوماسي في عالم مترابط اقتصادياً وسياسياً” (لو فيغارو، الغارديان، 8/1/2026).
فالصين تعتبر الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية تهديداً للتعاون العالمي في المناخ والصحة، مما يُعيق الجهود المشتركة ضد الجائحات (وكلنا يذكر اتهامات الولايات المتحدة للصين في جائحة كورونا). بالمقابل، تمثل هذه الخطوة فرصة استراتيجية لملء الفراغ المناخي، مُعززة دور الصين كقائدة في الطاقة المتجددة عالمياً من خلال زيادة استثماراتها في الوكالة الدولية للطاقات المتجددة والبديلة (IRENA، وكالة شينخوا، 8/1/2026).
تحولات جيوسياسية واقتصادية تالية
إن قرار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقيات الدولية ليس إلا دليلاً على تراجع الهيمنة الأمريكية. فبعد 45 عاماً من انتهاء الحرب العالمية الثانية، اضطرت أمريكا لإخراج جيشها لأفغانستان لمحاربة من؟ ثم العراق؟ أليس إخراج القوة يعني أن التهديد لوحده لم يعد كافياً!
فصراحةً وبالأرقام، تعزيز مجموعة بريكس كبديل متعدد الأقطاب يضم اقتصادات ناشئة قوية تمثل 40% من الناتج العالمي، لا مفر منه. صحيح أننا سنشهد اضطرابات تجارية قصيرة الأمد، لكن قوة سوق الصين، كأول اقتصاد عالمي بالقدرة الشرائية، تُؤكد متانة اقتصادها أمام الضغوط الأمريكية، وتعزز دور اليوان كعملة تجارية بديلة. وهي التي تُحافظ على نبرة دبلوماسية هادئة وتدعو واشنطن لإعادة التفكير في القرار رغم المنافسة الجيوسياسية الشرسة. فقنوات التواصل التجاري والاقتصادي بين “الترياد” (اليابان، أوروبا الغربية، والولايات المتحدة) كضمان للاستقرار المتبادل لم يعد مجدياً طالما الحلفاء معنيون بالدرجة الأولى بالخروج من العباءة الأمريكية، في عالم يتسارع فيه الانتقال من الهيمنة الأحادية نحو نظام متعدد الأقطاب.


