
إعداد
كريم هاني عبد الغفار
كلية السياسة والإقتصاد – جامعة بني سويف
جمهورية مصر العربية
المقدمة
في السابع من أكتوبر عام 2023، وفي حدث أطلقت عليه بعض الأطراف اسم “طوفان الأقصى”، شنت فصائل من المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، هجوماً واسعاً على مواقع إسرائيلية؛ وهو ما أثار موجة كبيرة من التساؤلات والاهتمام العالمي. ومع تصاعد الأحداث، عاد إلى الواجهة سؤال قديم يتجدد باستمرار: ما هي فلسطين؟ ولمن تعود هذه الأرض تاريخياً؟
يسعى هذا المقال إلى تقديم عرض تاريخي مبسّط لجذور القضية الفلسطينية، انطلاقاً من التعريف الجغرافي والتاريخي لفلسطين، مروراً بالمراحل التاريخية المختلفة التي شهدتها، وصولاً إلى تمهيد يساعد القارئ على فهم أعمق لطبيعة الصراع المعاصر.
أولاً: ما المقصود بفلسطين؟
يُطلق اسم فلسطين على الجزء الجنوبي الغربي من بلاد الشام، وهي المنطقة الواقعة في غرب آسيا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وتمتاز فلسطين بموقع استراتيجي مهم؛ إذ شكلت عبر التاريخ نقطة وصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، وممراً تجارياً وعسكرياً وحضارياً بين الشرق والغرب.
تشير الدراسات الأثرية إلى أن الإنسان سكن أرض فلسطين منذ عصور موغلة في القدم، حيث شهدت المنطقة بدايات الاستقرار البشري والتحول من الصيد والرعي إلى الزراعة. وتُعد مدينة أريحا من أقدم المدن المعروفة في التاريخ، إذ تعود آثارها إلى نحو 8000–9000 قبل الميلاد وفق تقديرات علماء الآثار.
من أقدم الأسماء المعروفة لهذه الأرض “أرض كنعان”، نسبة إلى الكنعانيين الذين يُعدّون من أقدم الشعوب السامية التي استقرت في المنطقة منذ الألف الثالث قبل الميلاد. أما اسم “فلسطين” فيُرجَّح أنه مشتق من اسم جماعات بحرية عُرفت في النصوص القديمة، استقرت في أجزاء من الساحل الجنوبي للمنطقة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
أما الحدود الجغرافية لفلسطين بصورتها الإدارية الحديثة، فقد تبلورت بشكل أوضح خلال فترة الانتداب البريطاني (1920–1923)، رغم أن اسم فلسطين ظل تاريخياً يُستخدم للدلالة على المنطقة الممتدة بين البحر المتوسط ونهر الأردن والبحر الميت، مع تغيّر حدودها السياسية عبر العصور. وتبلغ مساحتها اليوم نحو 27 ألف كيلومتر مربع تقريباً، وتتميز بمناخ البحر المتوسط الملائم للاستقرار الزراعي والبشري.
ثانياً: فلسطين في التاريخ القديم
نظرًا لطول التاريخ الفلسطيني وتعقيده، سنركّز هنا على مرحلة بني إسرائيل باعتبارها جزءاً من السرديات التاريخية والدينية المرتبطة بالمنطقة.
بحسب الروايات الدينية، يُنسب بنو إسرائيل إلى النبي يعقوب عليه السلام (إسرائيل)، وكان له اثنا عشر ابناً عُرفوا بالأسباط. وتذكر هذه الروايات أنهم أقاموا في مصر فترة من الزمن، ثم خرجوا منها بقيادة النبي موسى عليه السلام. وبعد فترة التيه، دخلت جماعات منهم إلى أجزاء من أرض كنعان بقيادة يوشع بن نون.
تشير النصوص الدينية إلى قيام كيان سياسي لبني إسرائيل في المنطقة، بلغ ذروته في عهدي النبيين داود وسليمان عليهما السلام في القرن العاشر قبل الميلاد. غير أن مدى اتساع هذه المملكة ونفوذها محل نقاش بين الباحثين المعاصرين، إذ تعتمد الصورة الكبرى لها أساساً على الروايات الدينية.
بعد وفاة سليمان، انقسمت المملكة –وفق هذه الروايات– إلى مملكتين:
- مملكة إسرائيل في الشمال (حتى 721 ق.م تقريباً).
- مملكة يهودا في الجنوب (حتى 586 ق.م).
وسقطت هاتان المملكتان تباعاً تحت سيطرة قوى إقليمية كبرى مثل الآشوريين والبابليين الذين دمّروا القدس وسبوا أعداداً من السكان. ومنذ تلك الفترات، خضعت فلسطين لحكم قوى متعددة، من بينها الفرس ثم الإغريق فالرومان.
بعد ثورات يهودية ضد الحكم الروماني، خاصة ثورة “بار كوخبا” (132–135م)، غيّر الإمبراطور الروماني هادريان اسم الإقليم من “يهودا” إلى “سوريا فلسطينيا”، في خطوة اعتبرها بعض المؤرخين محاولة لطمس الطابع اليهودي السياسي للمنطقة. ومنذ ذلك الوقت، أصبح اسم فلسطين شائعاً في المصادر الجغرافية والتاريخية.
ثالثاً: فلسطين في العهد الإسلامي
اكتسبت فلسطين مكانة خاصة في الوعي الإسلامي؛ لارتباطها بالمسجد الأقصى الذي كان القبلة الأولى للمسلمين، ولقيمتها الدينية والتاريخية.
دخلت فلسطين تحت الحكم الإسلامي في القرن السابع الميلادي بعد معارك فاصلة بين المسلمين والبيزنطيين، كان من أبرزها معركة اليرموك (636م). وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فُتحت القدس، وتُنسب إليه وثيقة عُرفت باسم “العهدة العمرية”، تضمنت تأميناً لسكان المدينة على أرواحهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم، في نصوص وردت بصيغ متعددة في المصادر التاريخية.
تعاقبت على حكم فلسطين دول إسلامية متعددة، منها:
- الدولة الأموية.
- الدولة العباسية.
- الطولونيون والإخشيديون.
- الفاطميون.
- السلاجقة.
وفي أواخر القرن الحادي عشر، احتل الصليبيون القدس وأجزاء واسعة من فلسطين، واستمر وجودهم نحو تسعين عاماً، حتى تمكن القائد صلاح الدين الأيوبي من استعادة القدس بعد معركة حطين (1187م).
لاحقاً، واصل المماليك إنهاء الوجود الصليبي في الساحل الشامي، ثم دخلت فلسطين تحت الحكم العثماني عام 1516م، واستمر هذا الحكم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1917–1918م. وخلال العصور الإسلامية، كانت فلسطين موطناً لسكان متعددي الأديان والأعراق، وشهدت تحولات سكانية وثقافية تدريجية عبر القرون.
رابعاً: نحو العصر الحديث
مع ضعف الدولة العثمانية ثم سقوطها، خضعت فلسطين للانتداب البريطاني عام 1917، ودخلت المنطقة مرحلة جديدة من تاريخها، تميزت بتصاعد المشروع الصهيوني والهجرة اليهودية المنظمة، في ظل تحولات سياسية كبرى أعقبت الحربين العالميتين.
أدت هذه التطورات إلى تعقيد المشهد الديمغرافي والسياسي، وبلغت ذروتها في قرار تقسيم فلسطين عام 1947، ثم قيام دولة إسرائيل عام 1948، وما تبع ذلك من حروب وصراعات مستمرة حتى يومنا هذا.
الخاتمة
يتضح من هذا العرض الموجز أن أرض فلسطين كانت عبر التاريخ موضع تعاقب حضارات وشعوب وإمبراطوريات متعددة، وأنها لم تكن حكراً على شعب واحد في جميع مراحلها التاريخية. كما أن فهم الصراع القائم اليوم لا يمكن أن ينفصل عن تراكمات دينية وتاريخية وسياسية امتدت لآلاف السنين، وتداخلت فيها الروايات الدينية مع الوقائع الأثرية والتحولات الجيوسياسية الحديثة.
ومن ثم، فإن أي تناول موضوعي للقضية الفلسطينية يقتضي التمييز بين البعد التاريخي القديم، والواقع السياسي والقانوني المعاصر؛ للوصول إلى فهم أعمق وأكثر توازنًا لطبيعة هذا الصراع وتعقيداته.


