On Research

مقالات تحليلية

من العداء المفتوح إلى الدبلوماسية غير المباشرة مسار المفاوضات الإيرانية – الأمريكية

Email :1300

كتابة وتحليل

د. ريم أبو الخير

(إعلامية وأكاديمية متخصصة في الشأن الإيراني والأفغاني)

جمهورية مصر العربية

 

 

مقدمة

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، دخلت العلاقات الإيرانية–الأمريكية مرحلة طويلة من القطيعة والتوتر، تخللتها أزمات حادة ومواجهات غير مباشرة، كان أبرزها أزمة الرهائن، ثم العقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى الخلاف الجوهري حول البرنامج النووي الإيراني. وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، لم تكن المفاوضات بين الطرفين مساراً خطياً، بل عملية متقطعة، تتأثر بتغير الإدارات السياسية، والتحولات الإقليمية، وموازين القوى الدولية.

واليوم، مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات في سلطنة عُمان، تعود الأسئلة حول: كيف وصل الطرفان إلى هذه المرحلة؟ ولماذا عُمان تحديداً؟

أولاً: البدايات غير المعلنة (1979–2002)

بعد قطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً بين طهران وواشنطن، غابت المفاوضات المباشرة تماماً، لكنها لم تختفِ كلياً.

  • الوساطات السرية: كانت الأداة الأساسية، وبرزت عبر قنوات أوروبية أو إقليمية.
  • إيران–كونترا: في الثمانينيات شكّلت أول نموذج لتواصل غير معلن، وإن كان ذا طابع أمني لا سياسي.

اختيار الأماكن: لم تكن هناك “طاولة مفاوضات” واضحة، بل قنوات خلفية في عواصم أوروبية بعيدة عن الإعلام، بهدف تقليل الكلفة السياسية للطرفين.

ثانياً: الملف النووي ودخول أوروبا على الخط (2003–2010)

مع الكشف عن منشآت نووية إيرانية عام 2002، انتقل الصراع إلى مرحلة جديدة.

  • بدأت مفاوضات إيران مع الترويكا الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا).
  • جرت اللقاءات في باريس، جنيف، وفيينا، بعيداً عن الولايات المتحدة رسمياً، لكنها كانت حاضرة خلف الكواليس.

سبب اختيار أوروبا:

  1. أوروبا أقل تصعيداً من واشنطن.
  2. عواصمها تُعد مقبولة دبلوماسياً لإيران.
  3. وجود الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا منح المفاوضات طابعاً تقنياً وقانونياً.

ثالثاً: المفاوضات الشاملة والاتفاق النووي (2013–2015)

مع وصول إدارة أمريكية أكثر انفتاحاً، دخلت واشنطن رسمياً على خط التفاوض ضمن مجموعة (5+1). جنيف كانت منصة التفاوض الأولى بسبب حيادها التاريخي، وأصبحت فيينا المركز الرئيسي لصياغة الاتفاق النهائي (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA)، ما يُعرف في الفارسية بـ (برنامه جامع اقدام مشترك – اختصاراً “برجام”).

لماذا فيينا؟

  • مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • مدينة محايدة سياسياً.
  • قادرة على استضافة مفاوضات طويلة ومعقدة تقنياً.

رابعاً: الانسحاب الأمريكي ومحاولات الإحياء (2018–2023)

بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرض سياسة “الضغط الأقصى”، انهار المسار التفاوضي رسمياً، لكنه لم يتوقف فعلياً.

  • عادت المفاوضات غير المباشرة عبر وسطاء.
  • جرت محاولات إحياء الاتفاق في فيينا مرة أخرى.
  • لعبت قطر وسلطنة عُمان أدواراً متزايدة كوسطاء هادئين.

دلالة المكان: العودة إلى فيينا كانت محاولة للتمسك بالإطار القانوني للاتفاق، لكن الجمود السياسي فرض البحث عن مساحات بديلة أقل رسمية.

خامساً: مفاوضات عُمان الجارية – لماذا الآن؟ ولماذا عُمان؟

مع تصاعد التوتر الإقليمي، وتزايد المخاوف من مواجهة عسكرية، عاد خيار التفاوض كضرورة لا كترف سياسي، واختيار سلطنة عُمان لم يكن صدفة، بل نتيجة تراكمات دبلوماسية طويلة.

أسباب اختيار عُمان:

  • الحياد السياسي: عُمان حافظت تاريخياً على علاقات متوازنة مع إيران والولايات المتحدة.
  • سجل الوساطة الناجح: لعبت دوراً حاسماً في التمهيد لمفاوضات 2013.
  • السرية والمرونة: مسقط توفر بيئة تفاوض هادئة بعيداً عن الضغوط الإعلامية.
  • الجغرافيا السياسية: موقعها على مضيق هرمز يمنحها فهماً عميقاً لحساسية الملف الأمني.
  • رفض التدويل المفرط: إيران تفضل تقليص عدد الأطراف، وعُمان تتيح ذلك.

خاتمة

المفاوضات الإيرانية ليست حدثاً عابراً، بل مسار طويل يعكس توازنات القوة والتحولات الدولية. ومن العواصم الأوروبية الباردة إلى مسقط الهادئة، ظل اختيار مكان التفاوض رسالة سياسية بحد ذاته، تعكس طبيعة المرحلة وحدود الممكن. ومع انطلاق مفاوضات عُمان الجارية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه الجولة بداية تسوية جديدة، أم مجرد محطة أخرى في تاريخ طويل من المفاوضات المؤجلة؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts