On Research

مقالات تحليلية

تعزيز الطموح الصيني-الباكستاني يدفع لتحالف مضاد في الإقليم

Email :350

إعداد

د. عمار سيغة 
أستاذ العلوم السياسية و العلاقات الدولية .
جامعة التكوين المتواصل

كاتب وباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.
الجزائر

 

لطالما كانت العلاقات الباكستانية-الصينية محطَّ الاهتمام، نظرًا لقوة العلاقات التي تطورت بشكل سريع خلال العقدين الماضيين، حيث أصبحت الصين شريكًا اقتصاديًّا وتجاريًّا وعسكريًّا لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لباكستان، ونظرًا للمشاريع الضخمة التي أسستها الصين في باكستان في إطار مشروع “الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني”. ويمكن اعتبار قرار توسيع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني ليشمل أفغانستان خطوة استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية، وتُقرَأ كجزء من تحول جيوسياسي أوسع في المنطقة. هذه الخطوة تحمل مستويين: استراتيجي واقتصادي.

فالقراءة الاستراتيجية تحتم علينا إقحام الأبعاد الجيوسياسية والأمنية، إذ تُعَدُّ بِمَنْزِلَة إعادة تشكيل لمحور القوة الإقليمي في آسيا الوسطى والجنوبية، مع تأثيرات دولية. فالصين تعمل على تعميق نفوذها ومَلْء الفراغ، وتهدف من وراء ذلك إلى إنهاء العزلة من خلال ترسيخ نفوذها في أفغانستان بعد انسحاب الولايات المتحدة وحلف الناتو، عبر مبدأ “التنمية من أجل الأمن”. فالصين ترى أن أفضل طريقة لضمان الأمن على حدودها الغربية (شينجيانغ) هي الاستقرار الاقتصادي لمجالها الإقليمي. كما تسعى إلى بناء محور ثلاثي يرتكز على تشكيل محور بكين-إسلام آباد-كابول، بهدف مواجهة النفوذ الأمريكي-الهندي في المنطقة وتعزيز مبادرة الحزام والطريق. هذا المحور يتيح للصين ممرًا بريًّا استراتيجيًّا للوصول إلى الشرق الأوسط عبر باكستان، وعمقًا استراتيجيًّا عبر أفغانستان. فصراع النفوذ قائم بحدة، حيث يُنظَر إلى هذا التوسع كخطوة لمواجهة محاولات الولايات المتحدة ودول أخرى لملء الفراغ في أفغانستان، وكرسالة بأن المستقبل الاقتصادي لأفغانستان يمر عبر بكين.

وتسعى الصين كذلك إلى تثبيت حكم طالبان وتحدِّي الشرعية؛ فكسر العزلة يمنح حكومة طالبان شريان حياة اقتصادي وشرعية غير رسمية على الساحة الإقليمية، حتى مع استمرار عدم اعتراف المجتمع الدولي بالحركة. وتطمح الصين إلى فرض مقاربة “الأمن مقابل الاستثمار”، حيث تضغط الصين وباكستان بشكل مباشر على طالبان لضمان الأمن الكامل للمشاريع ومكافحة الجماعات المسلحة التي تهدد المنطقة (مثل تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان)، ليُصبح الاستثمار الاقتصادي هو الورقة الضاغطة على طالبان لتبني سياسات أمنية معينة.

وتُمَثِّل باكستان رهان الصين في استراتيجيتها الكبرى. فالتوتر المستمر بين باكستان والهند جراء الصراع الحدودي في منطقة “كشمير” (تم التصحيح هنا بناءً على السياق الجغرافي-السياسي، حيث أن التبت منطقة خاضعة للصين والنزاع مع الهند هو على كشمير) يحتم على باكستان تغليب دور التوازن الذي يمكن للصين أن تلعبه. فتمرير الصين لتكنولوجيا تخصيب اليورانيوم إلى إسلام آباد وتمكينها من تصنيع القنبلة النووية خلق توازنًا نوويًّا في المنطقة، وانعكس على بكين بامتيازات جيوسياسية والإحاطة القارية والبحرية بالهند.

أما القراءة الاقتصادية فهي تقوم على الفرص والمخاطر. نعتقد أنه قد تُفتَح آفاق اقتصادية هائلة من حيث الموارد الطبيعية والتجارة، لكنها محفوفة بمخاطر مالية وأمنية. فبالنسبة لفرص أفغانستان الاقتصادية باعتبارها بوابة آسيا الوسطى، فهي جسر تاريخي يربط جنوب آسيا بآسيا الوسطى. هذا ما قد يسهل الوصول إلى أسواق أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، مما يعزز التجارة البرية. وتبرز حاجة أفغانستان المتزايدة لاستغلال الموارد، فالصين مهتمة بشكل خاص بالوصول إلى الثروات المعدنية الهائلة في أفغانستان مثل النحاس والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، والتي تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات. كما يوفر الممر البنية التحتية اللوجستية اللازمة لاستخراج هذه الموارد ونقلها. وتبرز الحاجة بذلك إلى دعم البنية التحتية من خلال توسع استثمارات صينية ضخمة في الطرق والسكك الحديدية ومشاريع الطاقة في أفغانستان، وهو ما تحتاج إليه البلاد بشدة لتنشيط اقتصادها.

وبالحديث عن طموحات الهند مع إيران وأرمينيا، فلا يمكن الحديث عن الربط الهندي دون ذكر ميناء تشابهار الإيراني، الذي يقع على الساحل الجنوبي الشرقي لإيران، ويوفر للهند طريقًا مباشرًا إلى آسيا الوسطى وأفغانستان. فسعي الهند وإيران وأرمينيا إلى تطوير شراكات استراتيجية – نعتقد أنها – تستهدف الحد من النفوذ التقليدي للولايات المتحدة ومنافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية، من خلال إنشاء طرق تجارية جديدة تربط بين جنوب آسيا وأوراسيا، وتعيد تشكيل خريطة القوة الإقليمية. ونعتقد أن أرمينيا تسعى إلى ربط أراضيها بتركيا وأذربيجان وإيران وجورجيا، وإنشاء شبكة نقل تربط بحر قزوين بالبحر الأبيض المتوسط والخليج العربي بالبحر الأسود. ويشمل ذلك تطوير البنية التحتية الرئيسة من طرق وسكك حديدية وخطوط أنابيب وكابلات كهربائية، لتعزيز تدفق السلع والطاقة والأفراد عبر المنطقة. وتُمَثِّل هذه المبادرة للأرمن فرصة تاريخية لإحياء دورهم التقليدي في التجارة الأوراسية، مستفيدين من موقعهم بين بحر قزوين والبحر الأسود لتجاوز العقبات التقليدية، مثل رفض باكستان فتح مجالها الجوي للهند. كما توفر الهند وصولاً موثوقًا إلى أوروبا، بينما تعزز إيران موقعها كحلقة مركزية في الشبكة الأوراسية؛ مما يعكس تقاطع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بين الشركاء الثلاثة.

وتُطْرَح بشدة من جانب آخر المخاطر الاقتصادية والاستراتيجية. فمعضلة الديون تحتم على باكستان عدم المضي في الاعتماد المفرط على التمويل الصيني؛ لأنه قد يعرضها لمخاطر فخ الديون، على غرار ما حدث لدول أخرى في مبادرة الحزام والطريق. دون إهمال مخاطر الهندسة الجيولوجية، فالممر يمر عبر تضاريس ومناطق جبلية صعبة ومعرضة لتهديدات أمنية متكررة، مما يزيد من تكلفة التأمين على المشاريع ويُبطئ وتيرة التنفيذ.

وعليه، نعتقد أن الرهان الاستراتيجي للصين هو فرض مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة عبر الاقتصاد. أما بالنسبة لباكستان، فهو فرصة لكسر العزلة والنهوض الاقتصادي، والظفر بحليف استراتيجي – خاصة بعد الحرب الأخيرة مع الهند – يمكنها من فرض توازن عسكري ونووي في القارة الآسيوية وفي جوارها الإقليمي. ولكنه يضع مستقبلها الاقتصادي بشكل كبير تحت مظلة القرار السياسي والأمني، وتحت رحمة المصالح الصينية المتعاظمة.

 

 

 

 

Comment (1)

  • ديسمبر 22, 2025

    Registrera Dig F"or Binance

    Thanks for sharing. I read many of your blog posts, cool, your blog is very good.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts