On Research

وحدة الدراسة القانونية

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في ميزان القانون الدولي

Email :249

إعداد

بسنت السيد

باحثة في الشؤون الاقتصادية والسياسية

جمهورية مصر العربية

 

 

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بحملة ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بعد اعتماده رسمياً، مما دعا إلى قيام مجموعة من المحامين الأتراك لرفع دعوى قضائية ضد هذا القانون وتوقيفه، فما هو قانون إعدام الأسرى ولماذا يتم تنفيذه في الوقت الحالي؟ وما هي بنوده وعلى من ينفذ؟

بعدما أقر الكنيست الإسرائيلي، بأغلبية 62 نائباً مقابل معارضة 48 نائباً وامتناع نائب واحد، قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، مما يمنح الحكومة الإسرائيلية حق تطبيق عقوبة الإعدام على أي مواطن فلسطيني يقتل مواطناً إسرائيلياً، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها على إسرائيلي يقتل فلسطينياً.

القانون وأهم بنوده

تبنى كلٌّ من حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف، برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وعضو الكنيست نيسيم فاتوري من حزب الليكود، فكرة المشروع.

بنود قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

  • أولاً: عقوبة الإعدام شنقاً وتنفذ العقوبة عبر الشنق بيد ضابط سجون ملثم، لضمان مجهولية القاتل وحمايته.
  • ثانياً: الحصانة المطلقة وينص البند الثاني على حصانة مطلقة تمنح لمنفذي الإعدام لتشمل حصانة جنائية ومدنية كاملة، فالقاضي والسجان هما وجهان لعملة واحدة.
  • ثالثاً: إعدام بلا استئناف ويحظر أي تخفيف أو إلغاء للحكم بعد صدوره، ويمكن إصدار حكم الإعدام دون طلب من المدعي العام، مع وجوب التنفيذ خلال 90 يوماً من صدور القرار النهائي.
  • رابعاً: العزل التام وفيه يحتجز المحكوم عليهم بالإعدام شنقاً في حبس انفرادي، تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم حتى لحظة الصعود لحبل المشنقة.
  • خامساً: على من يطبق؟ كما يطبق القانون على المواطنين الفلسطينيين المقيمين فقط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ويفرض القانون العقوبة بالإعدام على غير الإسرائيليين من سكان الضفة الغربية، المدانين بالقتل العمد في “أعمال إرهابية”، ويُحصر خيار السجن المؤبد في حالات استثنائية للغاية.
  • سادساً: سلطة المحكمة العسكرية ولا تُشترط سلطة المحكمة العسكرية في إصدار حكم الإعدام بطلب النيابة العامة، ولا تتطلب قراراً بالإجماع من هيئة القضاة، كما لا يُلزم أن تكون رتبة القضاة أقل من رتبة مقدم.
  • سابعاً: سلطة القائد العسكري كما لا يحق لقائد القوات الإسرائيلية في المنطقة المعنية العفو عن عقوبة الإعدام، أو تخفيفها، أو إلغائها. وجدير بالذكر أن القانون يقضي بتعديل قانون العقوبات بحيث “يُحكم بالإعدام أو السجن المؤبد فقط على كل من يتسبب في وفاة شخص بهدف إنكار وجود دولة إسرائيل في ظروف عمل إرهابي”.

إدانات ودعوات للتحرك بعد إقرار قانون إعدام الأسرى

أثار اعتماد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين سلسلة من الإدانات الفلسطينية سواء رسمية أو فصائلية وحقوقية، حيث اعتبرت القانون بأنه تشريع للقتل والإبادة، وسط دعوات للتحرك الدولي ومحاسبة إسرائيل.

شرعية القتل

وفي هذا السياق أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، أن إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون إعدام الأسرى يمثل انتهاكاً صريحاً وجسيماً لمنظومة القانون الدولي، موضحاً أن هذا التشريع ليس مجرد قانون عقوبات بل هو تشريع يُضفي شرعية على القتل المنظم ويُكرس الإفلات من العقاب.

الافتقار للمحاكمة القضائية العادلة

وفسر ذلك استناداً إلى أن اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 التي تنظم معاملة أسرى الحرب تفرض على دولة الاحتلال ضمان المحاكمة العادلة وتحظر العقوبات التي تفتقر للضمانات القضائية، محذراً من أن إلغاء شرط الإجماع القضائي قبل تنفيذ الإعدام يشكل تراجعاً صريحاً حتى عن المعايير التي أصّلتها إسرائيل نفسها تاريخياً في قانونها العسكري.

عنصرية تطبيق القانون

يكرّس نص القانون نطاق تطبيقه على فئة بعينها، إذ يقتصر على الحالات المرتبطة بخلفيات “أيديولوجية أو قومية”، وهو ما يُفسر عملياً على أنه موجّه ضد الفلسطينيين تحديداً، في مقابل غياب أي نص مماثل يشمل مرتكبي الجرائم من المستوطنين أو المواطنين اليهود في ظروف مشابهة. كما أن القانون ينتهك المعاهدات الدولية المتعلقة بحق الحياة ويطبق العقوبة بأثر رجعي، ويشكل نموذجاً للفصل العنصري المدعوم بالقانون، وهو ما يثير مخاوف واسعة على الصعيد الدولي.

ونوه الدكتور مهران إلى أن هذا القانون يخلق سابقة تاريخية خطيرة قد تفتح الباب أمام دول أخرى لسن تشريعات مماثلة، موضحاً أن إسرائيل التي تدعي أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط تتحول الآن لنموذج يُحتذى في انتهاك القانون الدولي، مؤكداً أن قبول المجتمع الدولي لهذا القانون بالصمت يعني أن أي دولة احتلال مستقبلاً ستستشهد بالسابقة الإسرائيلية لتبرير إعدام المقاومين، محذراً من أن هذا يهدم المنظومة الدولية التي بُنيت على أنقاض الحرب العالمية الثانية لحماية الأسرى والمدنيين من الانتهاكات.

وتكمن الخطورة في هذا التشريع هو الطابع التمييزي العنصري؛ فالتشريع موجّه أساساً ضد الأسرى الفلسطينيين دون ذكر أي عقوبة لإسرائيلي يرتكب جريمة قتل بحق فلسطيني، مؤكداً أن هذا التمييز القائم على الهوية الوطنية والعرقية يشكل انتهاكاً مباشراً لمبدأ المساواة أمام القانون المكرس في المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

فصل عنصري محظور دولياً

وحذر حقوقيون من أن هذا التشريع يرقى لمستوى الفصل العنصري المحظور دولياً، لافتاً إلى أن القانون يمنع منح أي عفو في هذه القضايا مما يعني تثبيت الحكم دون إمكانية تخفيفه أو مراجعته، مؤكداً أن هذا يتعارض مع المادة 6 من العهد الدولي التي توجب في قضايا الإعدام توفير حق التقاضي على درجات ومراجعة الأحكام.

ولفت أستاذ القانون الدولي إلى أن تطبيق التشريعات الداخلية الإسرائيلية على سكان الأراضي المحتلة ينتهك القانون الدولي، موضحاً أن المادة 43 من لوائح لاهاي لعام 1907 تحظر على سلطة الاحتلال تغيير المنظومة التشريعية القائمة إلا في حدود الضرورة القصوى، مؤكداً أن ما أسماه بتشريعات الانتقام لا تنطوي على أي ضرورة قصوى بل هي مجرد عقاب جماعي محظور.

كما أكد أن آلاف الأسرى الفلسطينيين المحتجزين حالياً في السجون الإسرائيلية باتوا في خطر محدق ووشيك، موضحاً أن إسرائيل تعتقل حالياً أكثر من 10,000 فلسطيني بينهم مئات الأطفال والنساء والمرضى، مؤكداً أن القانون الجديد يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر لتصفيتهم قانونياً تحت غطاء القضاء العسكري، محذراً من أن التقارير الحقوقية توثق تعرض الأسرى حالياً للتعذيب الممنهج والحرمان من الرعاية الطبية والاحتجاز الإداري دون محاكمة، لافتاً إلى أن القانون يضيف الآن الإعدام القانوني لترسانة أدوات القمع، مؤكداً أن المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع تحظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً، محذراً من أن المحاكم العسكرية الإسرائيلية ليست محاكم مستقلة ونزيهة بل هي أدوات قمع في يد الاحتلال.

مطالبات بوقف تنفيذ القانون

وعن دعوات عدد من الدول الأوروبية كبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا لتخلي إسرائيل عن المشروع وتأكيدها على أن عقوبة الإعدام شكل لا إنساني ومهين من العقاب ولا تحقق أثراً رادعاً، قال مهران أن هذا غير كافٍ، والأمر يتطلب تدخل المجتمع الدولي بأكمله وفرض عقوبات على الكيان المحتل بشكل عاجل.

هذا وشدد الدكتور مهران على أن المجتمع الدولي مطالب بشكل عاجل بتفعيل آليات المساءلة، داعياً المحكمة الجنائية الدولية لإصدار أوامر اعتقال فورية بحق المسؤولين الإسرائيليين عن هذا التشريع، مطالباً مجلس حقوق الإنسان الأممي بعقد جلسة طارئة، ومؤكداً أن الصمت في مواجهة هذا التشريع يعد مشاركة في ما سيترتب عليه من جرائم، محذراً من أن القانون يحول إسرائيل رسمياً لكيان يمارس القتل المنظم المقنن، لافتاً إلى أن هذا يؤكد ما قالته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري يوليو 2024 من أن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني ويجب إنهاؤه فوراً.

شرعنة القتل في قانون

ومن جانبها استنكرت لجنة الشؤون العربية بنقابة «الصحفيين» قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين واعتبرته جريمة حرب وشرعنة للقتل خارج القانون. كما أعربت لجنة الشؤون العربية والخارجية بالنقابة في بيان لها، عن بالغ إدانتها واستنكارها لإقرار الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة تُعد تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لكل المواثيق والأعراف الدولية. حيث يمثل جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الانتهاكات الممنهجة، التي تمارسها سلطات الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، ويعكس نهجاً عنصرياً يضرب بعرض الحائط أبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، ويُشرّع القتل خارج إطار القانون. وحذرت لجنة الشؤون العربية والخارجية من التداعيات الخطيرة لمثل هذه التشريعات، التي تُغذي دوائر العنف، وتُقوّض أي فرص لتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة، مؤكدة أن استهداف الأسرى، الذين يكفل لهم القانون الدولي الحماية الكاملة، يُعد جريمة حرب تستوجب المساءلة الدولية. ووجهت اللجنة دعوة للمجتمع الدولي، ومؤسساته الحقوقية والإنسانية، إلى التحرك الفوري والجاد لوقف هذا الانتهاك الخطير، والضغط من أجل التراجع عن هذا القانون الجائر، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. كما تُجدد لجنة الشؤون العربية والخارجية بنقابة الصحفيين تضامنها الكامل مع الشعب الفلسطيني، ودعمها لنضاله المشروع من أجل نيل حقوقه المشروعة.

هل يقف العالم مكتوف الأيدي، أمام انتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، كما وقف صامتاً أمام إبادة شعب أعزل يعيش في العراء يواجه شتى أشكال القهر والتمييز العنصري؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts