On Research

مقالات تحليلية

قراءة في ذهنية صانع القرار الإيراني تجاه الأحداث الجارية

Email :1216

إعداد

د. محمد حسن الزيبق

كاتب أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني

كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر

جمهورية مصر العربية

 

 

                                 

الضباع يتحينون

 

مقدمة:

من الصورة إلى الذهنية السياسية ليست الصورة السياسية مجرد عمل فني أو مادة دعائية عابرة، بل هي في كثير من الأحيان تلخيص بصري مكثف لذهنية الدولة، وخاصة حين تصدر – أو تُتداول على نطاق واسع – في سياقات أزمات داخلية أو إقليمية حادة. الصورة المعروضة، بما تحمله من رموز حيوانية (الضباع)، وشخصيات دولية وإقليمية، وتنظيمات مسلحة، وخريطة جغرافية لإيران محاصرة من كل الجهات؛ تمثل نموذجًا مكثفًا للكيفية التي يرى بها صانع القرار الإيراني ما يجري داخل البلاد: ليس بوصفه أزمة داخلية صرفة، بل باعتباره ساحة اشتباك دولي–إقليمي معقد.

من هذا المنطلق، لا يمكن فهم مقاربة طهران للأحداث الجارية – سواء كانت احتجاجات، أو اضطرابات اجتماعية، أو أزمات اقتصادية، أو توترات أمنية – بمعزل عن تصورها البنيوي لطبيعة الصراع مع الخارج. فالدولة الإيرانية، منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، بنت رؤيتها الأمنية والسياسية على فرضية مركزية مفادها أن إيران ليست دولة “طبيعية” في النظام الدولي، بل دولة مستهدفة بنيويًا بسبب نموذجها السياسي، وموقعها الجيوسياسي، وطموحها الإقليمي.

أولًا: الإطار المفاهيمي الحاكم لرؤية صانع القرار الإيراني

  1. إيران بوصفها “قلعة محاصرة” في العقل السياسي الإيراني، تُقرأ الأحداث الداخلية من خلال نموذج “القلعة المحاصرة”. هذا النموذج يفترض أن أي اضطراب اجتماعي أو سياسي داخلي هو – بدرجات متفاوتة – نتيجة تفاعل بين عوامل داخلية وأخرى خارجية موجهة أو مستثمِرة.                                           الصورة تجسد هذا التصور بوضوح: إيران في المركز، محاطة بدوائر من “الضباع” التي ترمز إلى دول، وأجهزة استخبارات، وتنظيمات مسلحة، وشبكات إعلامية. لا يظهر في الصورة “فاعل داخلي” مستقل؛ بل يتم اختزال الداخل الإيراني في ساحة صراع تُدار من الخارج. هذا المنظور لا يعني إنكار وجود أزمات داخلية، لكنه يعني أن صانع القرار يرى هذه الأزمات قابلة للتضخيم والتوظيف من قبل قوى دولية وإقليمية معادية.
  2. الدولة العميقة والذاكرة التاريخية للصراع لا يمكن فصل هذا التصور عن الذاكرة التاريخية الإيرانية؛ كانقلاب 1953 بدعم أمريكي–بريطاني، والحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، والعقوبات الممتدة لعقود، ومحاولات الاحتواء والعزل. كل ذلك أسس لقناعة راسخة لدى مؤسسات القرار، وخاصة الأمنية والعسكرية، بأن التدخل الخارجي ليس احتمالًا بل نمطًا ثابتًا.

ثانيًا: الولايات المتحدة في مركز الدائرة المعادية

  1. واشنطن كـ”العقل المدبر” في الصورة، تظهر الولايات المتحدة من خلال الرمزية الحيوانية المرتبطة بالضباع، وليس فقط عبر العلم الأمريكي. هذا الاختيار يعكس تصورًا إيرانيًا قديمًا؛ فواشنطن لا تتحرك دائمًا مباشرة، بل تدير شبكة من الوكلاء والأدوات. من وجهة نظر طهران، تلعب الولايات المتحدة الأدوار التالية في الأحداث الجارية: التأطير السياسي والإعلامي للاحتجاجات، والدعم التقني والإعلامي لشبكات المعارضة، وتوفير الغطاء الدولي لأي تصعيد ضد إيران.
  2. حقوق الإنسان كأداة سياسية يرى صانع القرار الإيراني أن الخطاب الأمريكي حول حقوق الإنسان في إيران ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة ضغط سياسية تُستخدم عند الحاجة لتقويض شرعية النظام أو تبرير العقوبات أو العزلة الدبلوماسية.

ثالثًا: إسرائيل – التهديد الوجودي الدائم

  1. إسرائيل كفاعل أمني تخريبي في الذهنية الإيرانية، لا تُقرأ إسرائيل كدولة إقليمية فحسب، بل كفاعل أمني نشط يعمل داخل العمق الإيراني عبر: الاغتيالات، والهجمات السيبرانية، ودعم الحركات الانفصالية، وجمع المعلومات الاستخباراتية. وجود العلم الإسرائيلي على أحد “الضباع” في الصورة يعكس تصورًا إيرانيًا بأن تل أبيب لا تنتظر انهيار إيران، بل تعمل على تسريعه من الداخل.
  2. الربط بين الداخل الإيراني والصراع الإقليمي صانع القرار الإيراني يرى أن إسرائيل تعتبر أي اضطراب داخلي في إيران فرصة استراتيجية لإضعاف محور المقاومة برمته، وليس فقط الدولة الإيرانية.

رابعًا: أوروبا – الشريك المتردد والوظيفي

  1. ازدواجية الخطاب الأوروبي في الصورة، تظهر بعض الدول الأوروبية ضمن الحلقة المعادية، وإن لم تكن في المقدمة. هذا يعكس رؤية إيرانية تعتبر أوروبا أقل عدائية خطابًا من واشنطن؛ لكنها وظيفيًا مندمجة في الاستراتيجية الغربية. الاتحاد الأوروبي، من وجهة نظر طهران، يمارس دورًا مزدوجًا: خطاب دبلوماسي ناعم، ودعم عملي للعقوبات والضغوط السياسية.
  2. الإعلام والمنظمات غير الحكومية يولي صانع القرار الإيراني اهتمامًا خاصًا بدور وسائل الإعلام الأوروبية والمنظمات الحقوقية في تشكيل صورة سلبية عن إيران، حيث يُنظر إليها كجزء من حرب إدراكية تستهدف الرأي العام الداخلي والخارجي.

خامسًا: الجوار الإقليمي – من التنافس إلى التهديد

  1. أذربيجان وتركيا: القلق القومي والعرقي وجود أذربيجان وتركيا في الصورة ليس اعتباطيًا. من منظور طهران، تُستَخدم أذربيجان كمنصة استخباراتية، بينما تمارس تركيا نفوذًا ناعمًا قوميًا–ثقافيًا في المناطق التركية–الآذرية داخل إيران؛ وهذا يفسر حساسية الدولة الإيرانية تجاه أي خطاب قومي أو انفصالي.
  2. باكستان وأفغانستان: الهشاشة الأمنية يظهر تنظيم “داعش خراسان” في الصورة بوضوح، في إشارة إلى المخاوف الإيرانية من تسلل الجماعات الجهادية، واستثمار الفوضى الأمنية في الجوار الشرقي.

سادسًا: التنظيمات المسلحة بوصفها أدوات غير دولية

  1. داعش خراسان: العدو المرئي يُصور تنظيم داعش خراسان كتهديد مباشر، لكنه في العقل الإيراني ليس عدوًا مستقلًا، بل “نتاج تلاقٍ بين الاستخبارات الغربية والفوضى الإقليمية”.
  2. الجماعات الانفصالية الضباع التي تحمل أسماء تنظيمات كردية أو بلوشية تعبر عن قناعة راسخة بأن النزعات الانفصالية ليست حركات مطلبية فقط، بل أدوات ضغط جيوسياسي.

سابعًا: الحرب الهجينة كإطار تفسيري شامل صانع القرار الإيراني يقرأ ما يجري في البلاد ضمن مفهوم “الحرب الهجينة”، التي تشمل: الحرب الاقتصادية (العقوبات)، والحرب الإعلامية، والحرب السيبرانية، والتحريض الاجتماعي، والتهديدات الأمنية غير المباشرة. الصورة، بكل عناصرها، تُجسد هذا الإطار المفاهيمي بوضوح لافت.

شخوص الصورة

ننتقل الآن إلى تحليل دلالي–سياسي لوجود شخصيات ترامب، ونتنياهو، ومحمد بن زايد، وابن الشاه، ومريم رجوي، ورئيس أذربيجان تحديدًا في الصورة، انطلاقًا من منظور صانع القرار الإيراني لا من منظور تقريري أو إعلامي؛ لأن الصورة ليست توصيفًا للواقع بقدر ما هي إسقاط ذهني أمني–أيديولوجي.

أولًا: مبدأ الاختيار… لماذا هؤلاء بالذات؟

وجود ترامب، ونتنياهو، ومحمد بن زايد، وابن الشاه، ومريم رجوي، ورئيس أذربيجان ليس اعتباطيًا، بل يعكس ما يمكن تسميته في العقل الإيراني بـ: “سلسلة القيادة السياسية–الأمنية–الرمزية” للضغط على إيران؛ أي أن هؤلاء لا يُصورون كفاعلين متساوين، بل كعُقد مختلفة في شبكة واحدة؛ بعضهم يمثل العقل السياسي، وبعضهم يمثل الأداة الإقليمية، وبعضهم يمثل البديل الرمزي للنظام.

ثانيًا: دونالد ترامب – رمز “العدو الفج”

  1. لماذا ترامب وليس بايدن؟ في الذهنية الإيرانية، لا يُنظر إلى ترامب كشخص، بل كنموذج صافٍ للعداء الأمريكي: انسحب من الاتفاق النووي، ومارس سياسة “الضغط الأقصى”، وتحدث علنًا عن تغيير النظام، وشرعن الاغتيالات (قاسم سليماني). وجوده في الصورة يعني العداء العاري بلا أقنعة دبلوماسية. حتى بعد خروجه من السلطة، يبقى ترامب في الوعي الإيراني المرجع الرمزي للسياسة الأمريكية الحقيقية، بينما يُنظر إلى الديمقراطيين بوصفهم أكثر التفافًا لا أقل عداءً.

ثالثًا: بنيامين نتنياهو – التجسيد الأقصى للتهديد الوجودي

  1. نتنياهو كـ”فاعل دائم” في العقل الإيراني، نتنياهو ليس مجرد رئيس حكومة، بل مهندس الاستراتيجية الإسرائيلية ضد إيران، والمحرك الرئيسي لملف الاغتيالات، والرابط بين إسرائيل والغرب في الملف الإيراني. وجوده بجانب ترامب في الصورة يرمز إلى تحالف العداء الاستراتيجي، لا الظرفي.
  2. نتنياهو والداخل الإيراني تعتقد طهران أن نتنياهو يرى أن أي احتجاج داخلي هو فرصة أمنية، وأن أي انقسام اجتماعي هو اختراق استخباراتي محتمل؛ لذلك، يُصور كأحد العقول المشرفة على الفوضى.

رابعًا: محمد بن زايد – العدو الهادئ والخطير

  1. لماذا محمد بن زايد تحديدًا؟ في الصورة، لا يظهر قادة الخليج عمومًا، بل محمد بن زايد تحديدًا، لأن إيران ترى فيه صاحب مشروع إقليمي مناهض لها، وداعمًا صامتًا لكن فعالًا للسياسات الإسرائيلية والأمريكية، وفاعلًا في الحرب الإعلامية والاقتصادية. محمد بن زايد، في الوعي الإيراني، يمثل الخصم الذي لا يصرخ، بل يعمل بصمت.
  2. الإمارات كمنصة ترى طهران أن الإمارات منصة مالية، ومركز إعلامي، ونقطة تواصل استخباراتي؛ لذا يظهر محمد بن زايد لا كزعيم دولة صغيرة، بل كعقدة وظيفية في شبكة الضغط.

خامسًا: رئيس أذربيجان (إلهام علييف) – الخطر القومي–الجيوسياسي

  1. أذربيجان ليست مجرد جار وجود رئيس أذربيجان في الصورة بالغ الدلالة؛ لأنه يعبر عن القلق الإيراني من التحالف الأذري–الإسرائيلي، والتخوف من النزعات القومية الآذرية داخل إيران، واعتبار باكو منصة استخباراتية متقدمة.
  2. البعد العرقي في الذهنية الإيرانية، أي تقاطع بين القومية والحدود يعني تهديدًا وجوديًا مؤجلًا؛ لذلك يُصور علييف كفاعل يهدد وحدة الدولة من الأطراف لا من المركز.

سادسًا: ابن الشاه – “البديل الغربي الجاهز”

  1. رمزية أكثر من واقعية وجود رضا بهلوي (ابن الشاه) لا يعكس قوته الفعلية، بل رمزيته في المخيال الغربي، كونه “خيارًا نظيفًا” في الخطاب الخارجي. وفي العقل الإيراني الرسمي، يُنظر إليه على أنه مشروع نظام بديل مُصنع خارجيًا، حتى لو لم يكن له ثقل داخلي حقيقي، فإن وجوده في الصورة يعكس الخشية من إعادة إنتاج سيناريوهات “المنفى–العودة”، واستخدامه كواجهة سياسية لأي تغيير قسري.

سابعًا: مريم رجوي – المعارضة المؤدلجة المؤمنة خارجيًا

  1. لماذا مريم رجوي؟ لأنها، في العقل الإيراني، تمثل المعارضة الوحيدة ذات البنية التنظيمية العسكرية السابقة، وتحظى بدعم سياسي وإعلامي غربي، ولها تاريخ صدام دموي مع الدولة الإيرانية. وجودها في الصورة يعني المعارضة التي تجاوزت الخط الأحمر منذ زمن بعيد.
  2. الفرق بينها وبين المعارضة الداخلية الصورة تميز ضمنيًا بين معارضة داخلية (قابلة للاحتواء) ومعارضة “مستأجرة” (غير قابلة للتسوية)، ورجوي تقع في الفئة الثانية بوضوح.

ثامنًا: المعنى التركيبي لوجودهم معًا الأهم ليس كل شخصية على حدة، بل اجتماعهم في لوحة واحدة؛ لأن الرسالة الأساسية هي: الأحداث الجارية في إيران ليست صراعًا داخليًا، بل مشروعًا متعدد الطبقات؛ عقل استراتيجي (أمريكا–إسرائيل)، وأذرع إقليمية (بعض دول الجوار والخليج)، وواجهات سياسية بديلة (ابن الشاه، ورجوي)، وأدوات أمنية وتنظيمية (داعش، وجماعات انفصالية).

تاسعًا: ماذا يقول هذا عن عقل الدولة الإيرانية؟

الصورة تكشف بوضوح أن صانع القرار الإيراني لا يرى الصراع مع الخارج كخلاف سياسي، بل كصراع على بقاء الدولة والنظام معًا؛ ولذلك يدمج بين: الأمن، والهوية، والجغرافيا، والذاكرة التاريخية. وجود ترامب، ونتنياهو، ومحمد بن زايد، ورئيس أذربيجان، وابن الشاه، ومريم رجوي في الصورة ليس توصيفًا لواقع ميداني بقدر ما هو خريطة ذهنية للعدو كما تراها الدولة الإيرانية. خريطة تقول إن الخارج يخطط، والداخل يُستَخدم، والنظام هو الهدف النهائي. وهنا بالضبط تتشكل معضلة إيران المعاصرة: كيف تفرق بين احتجاج حقيقي ومشروع مُستثمَر، دون أن تخسر الداخل أو تتنازل أمام الخارج؟

عاشرًا: نتائج هذا التصور على السياسات الداخلية

  1. أولوية الأمن على الإصلاح حين يُقرأ الداخل بوصفه ساحة صراع دولي، تصبح القبضة الأمنية، والسيطرة الإعلامية، وضبط الفضاء الرقمي خيارات مبررة في نظر صانع القرار.
  2. تقليص مساحة المعارضة المعارضة، حتى السلمية، يُنظر إليها غالبًا من زاوية “قابلية الاختراق والتوظيف الخارجي”.

حادي عشر: حدود هذا المنظور وإشكالاته رغم تماسك هذا التصور داخليًا، إلا أنه يعاني من إشكاليات؛ كتقليل وزن العوامل الاجتماعية–الاقتصادية، واختزال الاحتجاج في المؤامرة، وتأجيل الإصلاحات البنيوية. وهنا تكمن المعضلة الكبرى: كيف يمكن لنظام يرى نفسه محاصرًا أن يفتح المجال لإصلاح داخلي عميق دون أن يعتبره ثغرة أمنية؟

خاتمة:

بين الإدراك والواقع الصورة ليست مجرد لوحة، بل هي مرآة لذهنية سياسية وأمنية تشكلت عبر عقود من الصراع الحقيقي والمتخيل مع الخارج. صانع القرار الإيراني لا يرى الأحداث الجارية في بلاده كحدث محلي، بل كحلقة في سلسلة صراع دولي–إقليمي طويل. غير أن التحدي الحقيقي أمام إيران اليوم لا يكمن فقط في مواجهة “الضباع” المحيطة، بل في القدرة على إعادة تعريف العلاقة بين الداخل والخارج، بحيث لا يصبح الداخل رهينة دائمة لصراعات الجغرافيا السياسية.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts