
إعداد
حبيبة صلاح المليجي
باحثة فى علم الاجتماع
جمهورية مصر العربية
المقدمة
يُعدّ العنف ضد المرأة من القضايا الاجتماعية والإنسانية المعقّدة التي تتجذّر في مختلف المجتمعات، سواء المتقدمة أو النامية، متجاوزًا الحدود الجغرافية والفوارق الاجتماعية والثقافية. وتظهر هذه الظاهرة في جميع الطبقات الاجتماعية، مخلفةً آثارًا بالغة الخطورة لا تقتصر على المرأة وحدها، بل تمتد لتشمل الأسرة والمجتمع ككل.
ورغم اتساع نطاق هذه الظاهرة وتكرار أنماطها، لا يزال الخطاب السائد في بعض الأحيان يُقلّل من خطورتها، ويصفها بأنها مجرد “حوادث فردية معزولة” لا تستدعي القلق أو التعميم، بل يتم أحيانًا البحث عن تبريرات لها. وفي هذا السياق، تبرز الإشكالية الأساسية التي يناقشها هذا المقال، وهي: هل العنف ضد المرأة حوادث فردية فقط، أم ظاهرة وأزمة عالمية تتطلب بحثًا جادًا، ووضع سياسات واضحة، واتخاذ إجراءات حقيقية وفعّالة لمواجهتها؟
ماذا نعني بالعنف ضد المرأة؟
- عرّفته المادة الأولى من الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه: كل فعل عنف قائم على أساس نوع الجنس (النوع الاجتماعي)، يترتب عنه أو يحتمل أن يترتب عنه أي أذى بدني أو جنسي أو نفسي للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل، أو الإكراه، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء وقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.
- كما يُعرف بأنه سوء معاملة المرأة، والذي يتجسد في سلوك عدواني ضدها يقوم به في كثير من الأحيان الزوج أو الأب أو الأخ أو أحد الأقارب، ويمكن أن يقوم به شخص غريب، ويلحق بها ضررًا ماديًا كالضرب أو الجرح أو الحرق أو الاغتصاب، أو ضررًا معنويًا كالإهانة، أو الشتم والسب أو التحقير، أو كليهما معًا.
لماذا لا يمكن اعتبار العنف ضد المرأة حادثًا فرديًا؟ لا يمكن اختزال العنف ضد المرأة في كونه حادثًا فرديًا أو سلوكًا معزولًا، في ظل التكرار المستمر لجرائم العنف، وتعدد أشكاله، وتشابه أنماطه عبر وقائع وسياقات مختلفة، بما يشير إلى أن هذه الممارسات تتجاوز حدود الفعل الفردي. فاستمرار تكرار الجرائم بالصور والأساليب ذاتها، إلى جانب تزايد حالات العنف ضد النساء، يجعل من الصعب تفسيرها باعتبارها حالات استثنائية أو عارضة، بل يدل على وجود نمط متكرر يعكس مشكلة بنيوية أعمق من مجرد تصرّف شخصي أو انحراف فردي.
كما أن اتساع نطاق انتشار العنف ضد المرأة في مجتمعات وثقافات مختلفة يؤكد أن هذه الظاهرة عابرة للحدود الجغرافية والثقافية، وإن اختلفت أشكالها وحدّتها من مجتمع لآخر.
ويُضاف إلى ذلك أن استمرار هذه الجرائم عبر الزمن، وتكرارها رغم اختلاف الأفراد والظروف، يعكس طابعًا بنيويًا للظاهرة، ويؤكد أنها ليست نتاج قرارات فردية معزولة، بل نتيجة منظومة اجتماعية وثقافية راسخة تُعيد إنتاج العنف ضد المرأة بأشكال متعددة، من خلال أنماط تنشئة غير متكافئة، وصور نمطية سلبية، وأحيانًا ضعف آليات الحماية والمساءلة.. إلخ، وهو ما يسهم في تطبيع العنف أو التهاون في التعامل معه، ويعزز استمراره داخل المجتمع.
وهو ما يجعل العنف ضد المرأة ظاهرة وأزمة عالمية ممتدة، تتجاوز حدود المجتمعات المحلية والسياقات الخاصة، وتستدعي التعامل معها بوصفها قضية إنسانية عالمية لا يمكن اختزالها في وقائع فردية أو حالات استثنائية، الأمر الذي يفرض ضرورة دراستها بصورة علمية معمّقة، وفتح حوارات مجتمعية وبحثية جادة حول أسبابها البنيوية، وآليات استمرارها، وسبل مواجهتها، بما يسهم في تفكيك جذورها والحد من آثارها على المرأة والمجتمع ككل.
العنف ضد المرأة كظاهرة وأزمة عالمية مستمرة
يتجلى الطابع العالمي للعنف ضد المرأة من خلال الإحصاءات التي تكشف عن انتشار واسع لهذه الظاهرة في دول وثقافات متنوعة، سواء كانت متقدمة أو نامية. وهذا يؤكد أن العنف ضد المرأة يُمثل مشكلة عالمية متشعبة المستويات، تختلف في شدتها من مكان إلى آخر، لكنه موجود في كل سياق، سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي أو المحلي.
الانتشار على الصعيد العالمي
كشفت دراسة صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في عام 2024 أن كل عشر دقائق تُقتل امرأة على يد شريك أو أحد أفراد الأسرة في مكان ما من العالم. وأظهرت الدراسة أن نحو 50 ألف امرأة وفتاة على مستوى العالم قُتلن خلال العام على يد شركاء حميميين حاليين أو سابقين، أو على يد أفراد من الأسرة، من بينهم الآباء والأمهات والأعمام والإخوة، وهو ما يعني أن متوسط 137 امرأة أو فتاة يُقتلن يوميًا على يد شخص من داخل الأسرة.
وجاء في التقرير: “خلف كل رقم امرأة أو فتاة انتهت حياتها بوحشية نتيجة العنف الذكوري وكراهية النساء، والمعايير الاجتماعية التي تتسامح مع العنف ضد النساء والفتيات وتعيد إنتاجه”.
وتشير أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة (2024–2025) إلى أن العنف ضد النساء لا يزال أحد أكثر أشكال انتهاك حقوق الإنسان انتشارًا على المستوى العالمي. إذ تُظهر التقديرات أن امرأة واحدة من كل ثلاث نساء، أي ما يقرب من 840 مليون امرأة حول العالم، تعرضت خلال حياتها لأحد أشكال عنف الشريك الحميم أو العنف الجنسي، وهو رقم لم يشهد تغيرًا جوهريًا منذ عام 2000، ما يعكس بطء التقدم المحرز في مواجهة هذه الظاهرة.
وتوضح البيانات أن نحو 316 مليون امرأة، أي ما يعادل 11% من النساء البالغات 15 عامًا فأكثر، تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي على يد الشريك الحميم. وعلى الرغم من الجهود الدولية المبذولة، فإن معدل الانخفاض السنوي في عنف الشريك لم يتجاوز 0.2% خلال العقدين الماضيين.
كما تُظهر الإحصاءات أن العنف الجنسي المرتكب من أشخاص غير الشركاء يُعد واسع الانتشار، لكنه غير مُبلّغ عنه بشكل كبير بسبب الخوف والوصمة الاجتماعية. وعلى الصعيد العالمي، أفادت 8% من النساء، أي ما يقرب من 263 مليون امرأة تبلغ أعمارهن 15 عامًا فأكثر، بتعرضهن للعنف الجنسي من شخص آخر غير الشريك مرة واحدة على الأقل خلال حياتهن، مع تحذيرات خبراء من أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى بكثير من المعلن.
وتتفاقم خطورة الظاهرة عند الفئات الأصغر سنًا، حيث تشير البيانات إلى أن 12.5 مليون فتاة مراهقة تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عامًا، أي نحو 16% منهن، تعرضن للعنف الجسدي و/أو الجنسي من الشريك خلال الاثني عشر شهرًا الماضية فقط.
وعلى الرغم من أن العنف ضد المرأة يحدث في جميع دول العالم، فإن النساء في البلدان الأقل نموًا، والمناطق المتأثرة بالنزاعات، والمجتمعات المعرضة لمخاطر تغير المناخ يعانين منه بشكل غير متناسب. فعلى سبيل المثال، سجلت أوقيانوسيا (باستثناء أستراليا ونيوزيلندا) أعلى معدلات انتشار لعنف الشريك خلال العام الماضي بنسبة 38%، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي البالغ 11%.
وتتباين معدلات انتشار عنف الشريك خلال الاثني عشر شهرًا الماضية بين النساء المتزوجات (15 عامًا فأكثر) وفق التصنيفات الإقليمية للأمم المتحدة، حيث جاءت على النحو التالي (من الأعلى إلى الأدنى):
- وسط وجنوب آسيا: 18%
- جنوب آسيا: 19%
- أقل البلدان نموًا: 18%
- أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى: 17%
- الدول الجزرية الصغيرة النامية: 17%
- شمال أفريقيا وغرب آسيا: 14%
- شمال أفريقيا: 16%
- شرق وجنوب شرق آسيا: 8%
- أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي: 7%
- أوروبا وأمريكا الشمالية: 5%
وتُظهر هذه البيانات تفاوت معدلات العنف بين المناطق ذات الدخل المرتفع، مثل أوروبا وأمريكا الشمالية، والمناطق الأقل نموًا أو المتأثرة بالنزاعات، مثل جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يعكس اختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية، لا غياب الظاهرة.
وفي سياق متصل، لا تزال ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية (ختان الإناث) تمثل أحد أخطر أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. وفقًا لأحدث التقديرات، خضعت أكثر من 230 مليون فتاة وامرأة حول العالم لهذه الممارسة، بزيادة قدرها 15%، أي ما يعادل 30 مليون حالة إضافية مقارنة ببيانات قبل ثماني سنوات، ويُقدَّر أن نحو 4 ملايين فتاة يتعرضن لختان الإناث سنويًا، من بينهن أكثر من مليوني فتاة دون سن الخامسة، وهو ما يبرز الطبيعة الممنهجة لهذه الممارسة واستمرارها رغم الجهود الدولية الرامية إلى القضاء عليها، لما تمثله من انتهاك جسيم للحقوق الإنسانية، ومخاطر صحية ونفسية طويلة الأمد.
ولا تقل الإحصاءات والبيانات العالمية الصادرة خلال السنوات الماضية خطورة عن البيانات الحالية، إذ تُظهر مجملها أن العنف ضد النساء والفتيات ما زال يشكّل مصدر قلق متزايد على المستوى العالمي. وتكشف هذه البيانات عن استمرار الظاهرة واتساع نطاقها دون تسجيل تراجع ملموس، وهو ما يعكس خطورة الوضع القائم، ويؤكد أن العنف ضد المرأة لا يزال تحديًا عالميًا ممتدًا يتطلب اهتمامًا جادًا ومتواصلًا من مختلف الفاعلين الدوليين.
الانتشار على الصعيد الإقليمي
على المستوى الإقليمي، وبالتركيز على دول العالم العربي، تُظهر الدراسات والإحصاءات المتاحة أن العنف ضد النساء والفتيات يمثّل تحديًا اجتماعيًا خطيرًا لا يقل أهمية عن السياق العالمي، وإن اختلفت أسبابه وأنماطه من مجتمع إلى آخر. وعلى الرغم من محدودية البيانات الرسمية في بعض الدول، نظرًا لحساسية قضايا العنف واعتبارها في كثير من الأحيان شأنًا عائليًا، فضلًا عن الخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن التقديرات والتحليلات الإقليمية تشير إلى أن معدلات التعرّض للعنف ما تزال مرتفعة في عدد من الدول العربية مقارنة بالمعدلات العالمية في بعض الحالات، وهو ما يعكس ظاهرة متجذّرة في البنى الاجتماعية والثقافية السائدة.
يُعدّ عنف الزوج أو الشريك أحد أكثر أشكال العنف ضد النساء شيوعًا في المنطقة العربية. وتشير الأدلة المتاحة إلى أن عددًا من الدول العربية أبلغ عن معدلات مرتفعة من عنف الشريك ضد الفتيات والنساء، لا سيما في الفئة العمرية من 15 إلى 19 عامًا، حيث سُجِّلت نسب بلغت 19٪ في فلسطين، و17٪ في السودان، خلال الأشهر الاثني عشر السابقة. وتُظهر البيانات أن معدلات العنف ترتفع بما لا يقل عن 10 نقاط مئوية عند قياسه على مدار حياة المرأة، بما يعكس امتداد هذه الممارسات واستمرارها عبر الزمن.
تكشف البيانات الرصدية الصادرة عن منصة «شريكة ولكن» عن تصاعد مقلق في جرائم قتل النساء والفتيات داخل عدد من الدول الناطقة بالعربية خلال عام 2025، وهو ما يعكس خطورة الظاهرة واستمرارها في صور عنف مميتة، حيث:
- بين 1 و30 أكتوبر 2025، تم رصد مقتل 21 امرأة وفتاة في سبع دول عربية، من ضمنها: لبنان، ليبيا، سوريا، العراق، تونس، والجزائر، مما يُظهر اتساع النطاق الجغرافي لهذه الجرائم.
- في الفترة من 1 إلى 30 نوفمبر 2025، شهدت مدينة الفاشر في السودان مقتل نحو 300 امرأة في سياق عنف واسع النطاق، يعكس ارتباط جرائم قتل النساء بأوضاع النزاع وعدم الاستقرار.
- خلال ديسمبر 2025، وثّق عدّاد الجريمة مقتل 9 نساء وفتيات في الدول العربية، حيث سجلت لبنان أعلى عدد من هذه الجرائم بواقع 6 حالات قتل، مقابل جريمة واحدة في العراق، ضمن سلسلة من جرائم العنف الأسري المميت بحق النساء.
وفي السياق ذاته، تشير تقارير البنك الدولي إلى أن نسب العنف القائم على النوع الاجتماعي في المنطقة العربية تفوق المعدل العالمي في بعض الحالات، إذ تعرّضت نحو 40٪ من النساء للعنف من قبل شريكهن مرة واحدة على الأقل خلال حياتهن، وهو ما يعكس حجم الظاهرة واتساع نطاقها إقليميًا.
وجاءت نتائج الاستطلاع الذي أجراه “البارومتر العربي” لتؤكد هذا الاتجاه، حيث أفاد مواطنون في خمس دول من أصل سبع دول شملها المسح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بزيادة العنف ضد النساء خلال العام الماضي. وقد سُجِّلت أعلى النسب في كل من تونس (54٪)، ولبنان (42٪)، والعراق (40٪)، والأردن (39٪)، وفلسطين (38٪). كما أظهرت النتائج وجود فجوة جندرية واضحة على المستوى الإقليمي، حيث أفادت 60٪ من النساء في تونس بزيادة العنف، مقابل 47٪ من الرجال، بفارق قدره 13٪، مع تسجيل فروق مماثلة في دول أخرى مثل الأردن والعراق ولبنان وفلسطين، بما يعكس اختلاف إدراك حجم الظاهرة بين النساء والرجال داخل المجتمعات العربية.
ولا يزال زواج الأطفال يمثل أحد أكثر أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي إضرارًا بالنساء والفتيات، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 640 مليون فتاة تزوجن قبل بلوغ سن 18 عامًا على المستوى العالمي، من بينهن 29.4 مليون فتاة في المنطقة العربية. ورغم تسجيل تراجع نسبي في معدلات هذه الظاهرة، فإنها لا تزال قائمة في العديد من الدول، وغالبًا ما تُستخدم كآلية للتخفيف من الفقر، وتزداد حدّتها في سياقات النزاعات وعدم الاستقرار. ففي عام 2024، تزوجت فتاة واحدة من كل ست فتيات في المنطقة العربية (16.4٪) قبل بلوغ سن 18 عامًا.
وتُعد ممارسة ختان الإناث شكلًا آخر من أشكال العنف الذي يترك آثارًا جسدية ونفسية عميقة على حياة النساء والفتيات. وتُظهر البيانات المتاحة، بحسب الفئات العمرية، أن هذه الممارسة تشهد تراجعًا تدريجيًا، وإن كان التقدم نحو القضاء عليها بطيئًا في الدول التي تنتشر فيها. فمنذ عام 2002، سُجِّل انخفاض في معدلات ختان الإناث بين الفتيات من الفئة العمرية 15–19 عامًا بنحو 17 نقطة مئوية. ومع ذلك، تشير أحدث البيانات لعام 2024 إلى أن أكثر من نصف الفتيات (54.8٪) في الدول التي قدمت تقارير لا يزلن يتعرضن لهذه الممارسة، بما يعادل نحو 40 مليون فتاة، مع ارتفاع المخاطر بين الفتيات في المناطق الريفية والأسر الأشد فقرًا.
وعلى الصعيد التشريعي، شهد العقد الماضي توسعًا نسبيًا في سنّ القوانين المتعلقة بالعنف الأسري، حيث أُجريت إصلاحات قانونية في 12 دولة عربية. ومع ذلك، فإن خمس دول فقط من بينها تمتلك خططًا أو استراتيجيات وطنية واضحة للتصدي للعنف ضد المرأة، في حين تدرج دولة واحدة فقط تعهدات مالية ملزمة ضمن الموازنات العامة لتنفيذ هذه التشريعات. وعلى الرغم من هذا التقدم المحدود، لا تزال أكثر من 100.5 مليون امرأة بالغة في المنطقة العربية تفتقر إلى الحماية القانونية من عنف الشريك داخل الأسرة، كما أن الاغتصاب الزوجي لا يزال غير مُجرَّم بموجب قوانين العقوبات في أي من دول المنطقة. وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن العنف ضد النساء والفتيات في العالم العربي يمثل ظاهرة متجذّرة ومتعددة الأبعاد، تعكس تحديات سوسيوثقافية وتشريعية متشابكة تسهم في استمرار هذه الظاهرة.
الانتشار على المستوى المحلي
على المستوى المحلي، تكشف التقارير والدراسات الوطنية في مصر أن العنف ضد النساء والفتيات ما يزال يمثل قضية مجتمعية مقلقة، تتجاوز كونه ممارسات فردية معزولة ليأخذ طابعًا بنيويًا يرتبط بعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وتشريعية متداخلة. وتُظهر البيانات المتاحة تنوع أشكال العنف وانتشاره بنسب متفاوتة بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية المختلفة، بما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وتعقيدها.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت أنماط جديدة ومقلقة من العنف ضد المرأة، من بينها جرائم قتل الشابات بدافع رفض عروض الزواج، وهي جرائم باتت تُرتكب بصورة متزايدة في الفضاءات العامة مثل الجامعات وأماكن العمل، الأمر الذي يشير إلى تصاعد حدة العنف وانتقاله من المجال الخاص إلى المجال العام.
وعلى الرغم من خطورة هذه المؤشرات، فإن تقدير الحجم الحقيقي للظاهرة يظل محدودًا، نظرًا لندرة الإحصاءات الدقيقة وضعف معدلات الإبلاغ، حيث تمتنع كثير من النساء عن تقديم بلاغات رسمية خوفًا من الوصمة الاجتماعية، أو بسبب غياب الثقة في آليات الحماية والمساءلة. ويسهم هذا التكتم في استمرار العنف وتفاقم آثاره، في ظل غياب رادع فعّال يحد من انتشاره.
ووفقًا لتقرير «مرصد جرائم العنف الموجّه ضد النساء والفتيات في مصر – النصف الأول من عام 2025»، جاءت النتائج كاشفة عن حجم مقلق للعنف، حيث تم تسجيل ورصد 495 جريمة عنف موجّهة ضد النساء والفتيات. وتعكس نتائج التقرير أن العنف مشكلة ممتدة عانت منها النساء ولا تزال مستمرة حتى الوقت الراهن حيث:
- سُجِّلت 156 جريمة قتل لنساء وفتيات، من بينها 120 جريمة قتل ناتجة عن عنف أسري ارتكبها أحد أفراد الأسرة أو الزوج أو الشريك، سواء كان حاليًا أو سابقًا. وتنوعت دوافع هذه الجرائم بين الخلافات الزوجية، والتي ارتبط أغلبها بعوامل مادية، تلاها الشك في السلوك.
- رُصدت 36 جريمة قتل ارتُكبت على يد أشخاص لا تربطهم صلة قرابة بالضحايا، بدوافع مختلفة، في مقدمتها السرقة، حيث يستغل الجناة صِغر سن الضحية أو كِبرها وما يصاحبه من ضعف بدني، إلى جانب دوافع أخرى مثل الانتقام من أسرة الضحية، أو التغطية على جرائم اغتصاب، أو خلافات الجيرة والعمل.
- وفي السياق ذاته، تم توثيق 27 واقعة شروع في القتل خلال الفترة نفسها.
- وفيما يتعلق بالجرائم الجنسية، تم تسجيل 10 وقائع اغتصاب، بالإضافة إلى 62 واقعة اعتداء جنسي طالت أطفالًا وطفلات، تفاوتت في جسامتها بين التحرش الجنسي والاعتداء الذي يصل في بعض الحالات إلى الاغتصاب ثم القتل. ويُلاحظ في هذا السياق تصاعد الاعتداءات الجنسية على الأطفال بوجه عام، مع تركّزها بشكل خاص على الفتيات والأطفال ذوي الإعاقة.
- كما رُصدت 53 واقعة ضرب مبرح، من بينها 21 واقعة ارتُكبت على يد أحد أفراد الأسرة أو شريك حالي أو سابق، و32 واقعة على يد أشخاص لا تربطهم صلة أسرية بالضحايا، وأسفرت هذه الاعتداءات عن كدمات وكسور وحروق، فضلًا عن إصابات تسببت في عاهات مؤقتة أو مستديمة استوجبت تدخلًا طبيًا.
- وخلال النصف الأول من عام 2025، تم تسجيل 122 واقعة تحرش جنسي بفتيات ونساء في المجالين العام والخاص. كما رُصدت 5 وقائع حبس عنوة ومنع من التواصل مع الأسرة أو المحيط الخارجي، وهي وقائع غالبًا ما تقترن بالضرب والتعذيب، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة أو الانتحار.
- وفي ما يخص العنف الرقمي، سُجِّلت 19 جريمة ابتزاز واحتيال إلكتروني، إلى جانب 10 وقائع سبّ وقذف إلكتروني استهدفت نساء وفتيات. وتشير هذه الأرقام إلى تصاعد واضح في جرائم العنف الرقمي والتحرش عبر الإنترنت، حيث تُستغل المساحات الرقمية لإلحاق أضرار نفسية واجتماعية جسيمة بالضحايا.
- كما سجّل المرصد 21 جريمة سرقة استهدفت نساء وفتيات، وتتميّز هذه الجرائم غالبًا باستخدام العنف البدني ضد الضحية، مثل السحل أو الضرب أو الإيذاء الجسدي، وقد تصل في بعض الحالات إلى القتل.
- وفي السياق نفسه، تم توثيق 3 وقائع تزوير زواج؛ الأولى عبر تزوير هوية الزوج ثم اختفائه، والثانية بالاستعانة بشخص انتحل صفة مأذون وقام بسرقة الزوجة والفرار، أما الثالثة فتمثلت في تزوير صفة المأذون والاستمرار في زواج غير قانوني، مع رفض الاعتراف بالأبناء أو نسبهم.
- كذلك، رُصدت حالتا تشويه لوجوه نساء وفتيات باستخدام مواد حارقة (الأسيد) وآلات حادة، وهي جرائم قد تؤدي إلى الوفاة أو تُخلّف عاهات مستديمة، فضلًا عن آثارها النفسية والاجتماعية العميقة. وقد وقعت الجريمة الأولى بسبب رفض الزوجة العودة إلى منزل الزوجية، بينما ارتكب الأب الجريمة الثانية بحق ابنته وخالتها بدافع الانتقام من الأم لرفضها العودة إلى المنزل.
وجدير بالذكر أن مرصد العنف ضد النساء والفتيات بمؤسسة إدراك سجّل ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد جرائم العنف خلال السنوات الأخيرة؛ إذ بلغ عدد الجرائم المرصودة 1195 جريمة خلال عام 2024، مقابل 950 جريمة في عام 2023، و1006 جرائم في عام 2022، و813 جريمة في عام 2021، مقارنة بـ 415 جريمة فقط في عام 2020.
كما وثّقت مبادرة “صوت لدعم حقوق المرأة” نحو 252 حالة عنف ضد النساء والفتيات في مصر خلال النصف الأول من عام 2025، حيث ارتكب الأزواج والأقارب 70% (167 حالة)، تلتها الجرائم التي نفذها غرباء بنسبة 25% (63 حالة)، بينما شكّلت الجرائم العشوائية 5% (13 حالة).
وتُظهر البيانات المسحية أن نحو 25٪ من النساء تعرّضن لعنف جسدي مباشر، في حين اختبرت 22٪ منهن عنفًا نفسيًا مستمرًا، بينما عانت نسبة تتجاوز 26٪ من مزيج من العنف الجسدي والنفسي معًا. ويكشف ذلك عن طبيعة مركّبة للعنف ضد المرأة لا تقتصر على الضرب أو الإيذاء البدني، بل تمتد لتشمل الإهانة والإخضاع والترويع اليومي بأشكاله المختلفة. كما لا تقتصر هذه الظاهرة على نطاق الأسرة النووية فقط، إذ تشير تقديرات رسمية سابقة إلى أن ملايين النساء يتعرضن سنويًا لأشكال متعددة من العنف المجتمعي، سواء في الأماكن العامة، أو داخل مؤسسات العمل، أو في إطار الأسرة الممتدة، بما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وتداخل سياقاتها.
وفي دراسة أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ونشرت في مجلة السكان، جاءت الأرقام مثيرة للقلق؛ حيث تبين أن 42.5% من النساء يتعرضن للعنف من قبل أزواجهن، وأن 37% من إجمالي النساء اللاتي يتعرضن للعنف أميات. كما أوضحت الدراسة أن 35.1% من النساء يتعرضن للعنف البدني، و47.5% يتعرضن للعنف النفسي، و14.5% يتعرضن للعنف الجنسي، وأن 86% من النساء اللاتي تعرضن للعنف يعانين من مشكلات نفسية. كما قُدرت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن العنف بنحو 1.49 مليار جنيه سنويًا، منها 831 مليون جنيه تكاليف مباشرة و662 مليون جنيه تكاليف غير مباشرة، ويعبر هذا الرقم عن حجم العبء الاقتصادي الكبير الذي تتحمله النساء وأسرهن والدولة معًا، مما ينذر بخطورة استمرار الظاهرة، ويبرز الحاجة الملحة إلى تبني سياسات وقائية وعلاجية فعالة للحد من آثارها الاجتماعية والاقتصادية.
الخاتمة
ختامًا، وفي ضوء ما تم عرضه من إحصائيات وبيانات صادرة عن مؤسسات دولية وإقليمية ومحلية، وما تم استعراضه من وقائع وحالات موثقة، يتضح بجلاء أن العنف ضد المرأة لا يمكن اعتباره حادثًا فرديًا أو سلوكًا معزولًا ناتجًا عن فعل شخصي عابر، على خلاف ما تروّج له بعض الخطابات التي تسعى إلى تفسير هذه الجرائم باعتبارها استثناءات أو انحرافات فردية. فمثل هذا التفسير يتجاهل السياق الاجتماعي الأوسع، ويغفل التكرار المنتظم للوقائع وتشابه أنماطها عبر أماكن وأزمنة مختلفة.
ويعكس هذا الواقع أن العنف ضد النساء يمثل ظاهرة اجتماعية مركبة وأزمة عالمية ممتدة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وترتبط بتشابك عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وقانونية تسهم في إنتاجه واستمراره. فالتعدد الواضح في أشكال العنف، من الجسدي والنفسي إلى الجنسي والاقتصادي، وتشابه الدوافع المرتبطة بالسيطرة وفرض الطاعة ورفض استقلال النساء أو مطالبتهن بحقوقهن، يكشف عن وجود بنية اجتماعية تسمح باستمرار هذه الممارسات وتعيد إنتاجها عبر الزمن.
كما أن تنوع الجناة، سواء كانوا أزواجًا أو أقارب أو شركاء سابقين أو أفرادًا من المحيط الاجتماعي، واتساع نطاق وقوع العنف داخل الأسرة وخارجها، يؤكد أن المشكلة لا تكمن في أفراد بعينهم بقدر ما تكمن في منظومات اجتماعية وقانونية وثقافية تُطبّع على العنف أو تتسامح معه أو تعجز عن ردعه بفاعلية. ويؤكد الانتشار الواسع للعنف ضد النساء والفتيات، على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية، أن هذه الظاهرة ترتبط بعلاقات قوى غير متكافئة وبقصور في آليات الحماية والمساءلة، أكثر من ارتباطها بسلوك فردي معزول.
وعليه، فإن التعامل مع العنف ضد المرأة باعتباره حالات فردية منفصلة يُسهم في تقزيم خطورته وحجب أبعاده البنيوية، ويُضعف فرص مواجهته بشكل فعّال ومستدام. إن الاعتراف به كظاهرة وأزمة عالمية يشكل المدخل الأساسي لوضع سياسات شاملة تستند إلى الوقاية والحماية والمساءلة، وتستهدف تفكيك الجذور البنيوية للعنف، وضمان حق النساء والفتيات في الحياة الآمنة والكريمة، باعتباره حقًا إنسانيًا أصيلًا وشرطًا جوهريًا لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
المراجع
- جمال طلب، العنف الأسري ضد المرأة في ضوء نظريات النوع الاجتماعي: دراسة ميدانية لعينة من السيدات بمحافظة بني سويف، المجلة العربية لعلم الاجتماع، ع18، 2016.
- عمران يوسف، العنف ضد المرأة في الوسط الأسري، مجلة سوسيولوجيا الجريمة للبحوث والدراسات في الظواهر الإجرامية، مج 5، ع 2، 2024.
- محمد السيد فرج، دراسة العنف ضد المرأة في قرية مصرية: رؤية تربوية للمواجهة، مجلة كلية التربية – جامعة بنها، مج 32 ع126، 2021.
- مرصد جرائم العنف الموجه ضد النساء والفتيات في مصر – 2025، مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، 2025.
- في اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد النساء: عن المرأة العربية وصنوف المعاناة النفسية والجسدية، يورونيوز، 2025، https://arabic.euronews.com/culture/2025/11/25/international-day-elimination-violence-against-women-arab-world-wars
- عداد جرائم قتل النساء والفتيات بين 1 و30 كانون الأول/ ديسمبر 2025، شريكة ولكن، 2026، https://www.sharikawalaken.media/2026/01/05/%d8%b9%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%ac%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%85-%d9%82%d8%aa%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a8%d9%8a%d9%86-1-%d9%8830-%d9%83/
- نساء مصر بين الضرب والتحرش والقتل.. أرقام 2024 تكشف مأساة حقيقية، البوابة نيوز، 2025، https://www.albawabhnews.com/5299358
- العنف الأسري على طاولة الحوار الوطني.. الإحصائيات وآليات المواجهة، المرصد المصري، 2023، https://marsad.ecss.com.eg/77497/
- 70% منها على يد الأقارب.. مبادرة نسوية توثق 252 حالة عنف ضد النساء في نصف 2025، المنصة، 2025، https://manassa.news/news/26734
- Progress on the Sustainable Development Goals: A gender snapshot of the Arab region 2024, ESCWA, UNITED NATIONS, 2025.
- Lifetime toll: 840 million women faced partner or sexual violence, World Health Organization, 19 November 2025, https://www.who.int/news/item/19-11-2025-lifetime-toll–840-million-women-faced-partner-or-sexual-violence
- Facts and figures: Ending violence against women, UN WOMEN, 2025, https://knowledge.unwomen.org/en/articles/facts-and-figures/facts-and-figures-ending-violence-against-women#89313
- Every 10 minutes, woman is killed by her partner or family member somewhere in world, Anadolu Agency, 2025, https://www.aa.com.tr/en/world/every-10-minutes-woman-is-killed-by-her-partner-or-family-member-somewhere-in-world/3754314
- Arab Barometer Examines MENA Gender Dynamics Ahead of International Women’s Day, ARAB BAROMETER, 2025, https://www.arabbarometer.org/ar/media-news/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a-%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d8%b1%d8%a4%d9%89-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7/


