On Research

مقالات تحليلية

وهم اليقين: كيف تصنع الجماعة عقل الإنسان؟

Email :141

إعداد

دكتور رفعت عامر

أكاديمي وباحث في الاقتصاد الدولي وقضايا التنمية المستدامة

مملكة السويد- أوربرو

 

قراءة في فكر علي الوردي وحدود الوعي الإنساني

ملخص

تتناول هذه المقالة طبيعة العقل الإنساني من منظور علم الاجتماع، مستلهمةً من أفكار الدكتور علي الوردي في كتابه “مهزلة العقل البشري”. وتنطلق من فرضية أساسية مفادها أن الإنسان لا يفكر بمعزل عن جماعته وبيئته، بل تتشكل قناعاته داخل منظومات اجتماعية وثقافية تحدد ما يعتبره “حقيقة” أو “يقينًا”. وتناقش المقالة كيف يتحول العقل في كثير من الأحيان إلى أداة لتبرير المعتقدات الموروثة بدل مراجعتها، كما تحلل العلاقة بين الأزمات الاجتماعية وصعود أنماط التفكير الأيديولوجي المغلق. وتخلص الدراسة إلى أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك المفروضة بالقوة وحدها، بل تلك التي تجعل الإنسان يعتقد أن أفكاره المطلقة هي الحقيقة الوحيدة الممكنة.

كلمات مفتاحية

العقل الاجتماعي؛ علي الوردي؛ التحيز المعرفي؛ اليقين المطلق؛ سوسيولوجيا المعرفة؛ الهيمنة الرمزية؛ الفكر المغلق

مقدمة

يعتقد الإنسان غالبًا أنه يفكر بحرية، وأن قناعاته نتاج عقل مستقل يبحث عن الحقيقة بموضوعية. غير أن علي الوردي يقدّم في كتابه “مهزلة العقل البشري” طرحًا مختلفًا وأكثر إزعاجًا: فالعقل ليس كيانًا محايدًا كما نتخيّل، بل بنية تتشكل داخل المجتمع وتخضع لتأثير البيئة والتنشئة والانتماء. فالإنسان، وفقًا للوردي، لا يبدأ حياته باحثًا حرًا عن الحقيقة، بل يولد داخل جماعة تمنحه منذ طفولته منظومة جاهزة من القيم والتصورات والمقدسات. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المنظومة إلى جزء من هويته النفسية والاجتماعية، فيدافع عنها بوصفها “الحقيقة المطلقة”، حتى لو كانت مجرد انعكاس للبيئة التي نشأ فيها.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي لهذه المقالة: هل يبحث الإنسان فعلًا عن الحقيقة، أم أنه يبحث عمّا يؤكد ما تؤمن به جماعته؟

أولاً: العقل بوصفه نتاجًا اجتماعيًا

يرى الوردي أن العقل لا يعمل في فراغ، بل داخل “قالب ذهني” تصنعه الأسرة، والمدرسة، والدين، والإعلام، والمحيط الاجتماعي. ولهذا فإن كثيرًا من المعتقدات التي يظن الإنسان أنه توصّل إليها بعقله ليست سوى أفكار موروثة اكتسبت مع الزمن صفة الحقائق. وتنسجم هذه الفكرة مع سوسيولوجيا المعرفة التي تؤكد أن المعرفة ليست منفصلة عن المجتمع، بل تُبنى داخله وتتأثر ببنيته الثقافية والسياسية (Berger and Luckmann, 1966). فالطفل الذي يولد داخل بيئة دينية متشددة، أو قومية متطرفة، أو أيديولوجية مغلقة، لا يختار هذه التصورات بحرية كاملة، بل يتشربها تدريجيًا حتى تصبح جزءًا من تكوينه النفسي. ولو وُلد في بيئة مختلفة تمامًا، لكان على الأرجح يحمل قناعات مختلفة ويدافع عنها بالحماسة نفسها.

ثانياً: وهم الموضوعية والعقل التبريري

من أهم أفكار الوردي أن الإنسان لا يستخدم عقله دائمًا لاكتشاف الحقيقة، بل كثيرًا ما يستخدمه للدفاع عن معتقداته المسبقة. وهذا ما يعرف حديثًا في علم النفس المعرفي بـ”التحيز التأكيدي”، حيث يميل الفرد إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد قناعاته وتجاهل ما يناقضها (Nickerson, 1998). وهكذا يتحول العقل من أداة للبحث إلى أداة للتبرير. فالإنسان لا يسأل دائمًا: ما الحقيقة؟ بل يسأل ضمنيًا: كيف أثبت أنني على حق؟ ومن هنا تنشأ حالة “وهم اليقين”، حيث يعتقد الفرد أن أفكاره نهائية ومطلقة، بينما هي في الواقع انعكاس لبيئته وانتمائه الاجتماعي.

ثالثاً: الجماعة وصناعة اليقين

كل جماعة بشرية تميل إلى إنتاج روايتها الخاصة عن العالم. فهي لا تكتفي بتقديم تفسير للواقع، بل تمنح أفرادها شعورًا بالهوية والانتماء والتفوق الأخلاقي. ومع الوقت، يصبح التشكيك في أفكار الجماعة أشبه بتهديد للذات نفسها. ولهذا غالبًا ما تنظر الجماعات المغلقة إلى النقد بوصفه خيانة أو انحرافًا، لا بوصفه ممارسة فكرية طبيعية. فالجماعة لا تريد فقط أن يطيعها الفرد سلوكيًا، بل أن يرى العالم من خلالها. وفي هذا السياق، يصبح اليقين وسيلة للتماسك النفسي والاجتماعي، خصوصًا في أوقات الأزمات والخوف وعدم الاستقرار.

رابعاً: الأزمات وصعود الفكر المغلق

يرى الوردي أن الأزمات الاجتماعية والسياسية تدفع الإنسان إلى البحث عن إجابات بسيطة وحاسمة. ففي لحظات الفوضى والانهيار الاقتصادي أو الصراع، يزداد الميل إلى الخطابات التي تقدم:

  • تفسيرًا واضحًا للعالم
  • عدوًا محددًا
  • هوية جماعية صلبة
  • يقينًا أخلاقيًا ودينيًا

ولهذا تنمو الحركات الأيديولوجية المغلقة غالبًا في البيئات المضطربة، لأنها تمنح الفرد ما يفتقده: المعنى، والانتماء، والإحساس بالثبات. لكن هذا اليقين يحمل في داخله خطرًا كبيرًا، لأنه يجعل الإنسان أقل قدرة على النقد والمراجعة، وأكثر استعدادًا لرفض أي اختلاف فكري أو ثقافي.

خامساً: الدين بين التحرر والهيمنة

لا يهاجم الوردي الدين بوصفه تجربة روحية أو أخلاقية، بل ينتقد تحوله إلى أداة لاحتكار الحقيقة وإعادة إنتاج السلطة. فهو يرى أن الدين قد يبدأ كحركة تحرر أخلاقي، ثم يتحول مع الزمن إلى مؤسسة تستخدمها القوى المهيمنة لضبط المجتمع ومنح الشرعية للنظام القائم. وهنا يلتقي الوردي مع مفهوم “الهيمنة” عند غرامشي، الذي يرى أن السلطة لا تُمارس بالقوة فقط، بل عبر السيطرة على الوعي وإقناع الناس بأن النظام القائم طبيعي ومشروع (Gramsci, 1971). ومن أخطر أشكال الهيمنة أن يقتنع الإنسان بأن خضوعه ليس خضوعًا، بل “واجب أخلاقي” أو “حقيقة مقدسة”.

سادساً: نقد الذات بوصفه شرطًا للتحرر

تكمن أهمية أفكار الوردي في أنها لا تدعو إلى احتقار العقل، بل إلى التواضع الفكري. فالإنسان لا يتحرر عندما يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، بل عندما يدرك حدود وعيه وتأثير البيئة على تفكيره. إن التفكير الحر لا يعني رفض كل شيء، بل القدرة على مراجعة المسلمات، والاعتراف بإمكانية الخطأ، والانفتاح على التعددية الفكرية والإنسانية. وفي عالم يتزايد فيه الاستقطاب الأيديولوجي والديني والسياسي، تبدو دعوة الوردي إلى نقد الذات أكثر أهمية من أي وقت مضى.

خاتمة

تكشف قراءة علي الوردي أن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تُفرض بالقوة المادية وحدها، بل تلك التي تنجح في تشكيل عقل الإنسان نفسه. فحين تتحول أفكار الجماعة إلى “حقائق مقدسة” غير قابلة للنقاش، يصبح العقل سجينًا لليقين، ويتحول الاختلاف إلى تهديد. ومن هنا فإن التحرر الحقيقي يبدأ من الشك في المسلمات، لا من تقديسها؛ ومن الاعتراف بأن الحقيقة أكثر تعقيدًا من أي خطاب مغلق يدّعي امتلاكها بالكامل.

المراجع

  • الوردي، ع. (1994) مهزلة العقل البشري.
  • Berger, P. and Luckmann, T. (1966) The Social Construction of Reality. New York: Anchor Books.
  • Gramsci, A. (1971) Selections from the Prison Notebooks. New York: International Publishers.
  • Nickerson, R.S. (1998) ‘Confirmation Bias: A Ubiquitous Phenomenon in Many Guises’, Review of General Psychology, 2(2), pp. 175–220.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts