
إعداد
مصطفى كمال دماني
ماجستير في الدراسات الأمنية والاستراتيجية – جامعة الجزائر
بحكم أهميتها الاستراتيجية نظراً للموارد الطبيعية التي تحوزها وبحكم مختلف الظواهر السياسية التي تصدرها (الهجرة غير الشرعية، الإرهاب) وتأثيرها على الفضاءات الجغرافية المتاخمة لها، تبرز منطقة الساحل الإفريقي على أجندة الاهتمامات الدولية إذ تتمظهر كأحد ساحات التنافس الدولي وخاصة بعد تآكل النفوذ الفرنسي التقليدي فيها إثر تصاعد الخطاب الإفريقي عموماً والساحلي خصوصاً المناهض للتواجد الفرنسي وبعد إخفاق باريس في تحقيق الاستقرار بالمنطقة.
غير أنه ومع موجة الانقلابات العسكرية في الساحل وتوجه القادة العسكريين الجدد شرقاً صوب موسكو لا تزال منطقة الساحل تحت مخاض الديناميكيات دون أن تعرف استقراراً بعد رغم التوجه الجديد لقادة التحالف المعلن بين بوركينا فاسو والنيجر ومالي الأخيرة التي تشهد موجة تصاعد للتحركات الإرهابية وتحركات الانفصاليين في الشمال، وهذا ما سنسلط الضوء عليه في هاته القراءة من خلال طرح الإشكالية الآتية:
ما هي العوامل المفسرة لتأزم الأوضاع في مالي، وما انعكاساتها على دول الجوار وعلى الاتحاد الأوروبي؟
تتمايز الدولة في الساحل عن نظيراتها في باقي الأقاليم الجغرافية بجملة من الخصائص البنيوية شكلت هويتها السياسية اليوم.
الفشل الدولاتي
الدولة الفاشلة:
يعيد هذا المصطلح توصيف مرحلة كانت عليها كثير من الدول مطلع الحقبة الاستعمارية لم تكن فيها الدول الحديثة قد تشكلت بعد، أما الآن فإننا نتابع دورة جديدة من الدورات الاستعمارية “إذ أن إفشال الدول هو جزء من الخطة الاستعمارية التي لها بعدها”، فالدورة الاستعمارية في نقل الدول إلى حالة الدول الفاشلة تبدأ بتحريك عوامل التفكيك الداخلي عبر آليات متعددة تتضمن خططاً لعزل الدول المستهدفة وحصارها اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً لتتآكل قدراتها على الصعيد الدولي.
إن كل المؤشرات الدالة على الفشل قد اجتمعت في دول الساحل، وذلك بسبب السياسات التي انتهجتها هذه الدول بعد الاستقلال، فالممارسات السياسية أفرزت أنظمة تسلطية بالإضافة إلى غياب ردود فعل قوية من حكومات المنطقة بعدم قدراتها على مراقبة مناطقها الصحراوية الشاسعة، وهذا ما يحدث بالفعل مع مالي إحدى الدول الواقعة في منطقة الساحل، وبسبب تدهور الأوضاع فيها خصوصاً بعد الانقلاب العسكري على الرئيس أدى إلى انتشار العديد من أعراض الدولة الفاشلة غير القادرة على مراقبة جميع أقاليمها.[1]
إذن قصور الدولة عن وظائفها الأساسية وحالة العجز التي تطبعها وتمنعها من إدارة كل التفاعلات داخل إقليمها وهذا ما يتجلى في الدولة بالساحل إذ تتمظهر أجزاء من الجغرافية في الساحل خارج سلطة الدولة الأمنية على غرار مالي إذ يبدو الشمال خاصرة رخوة لدولة مالي وخارج نطاق تغطية الدولة كما تحتل دول الساحل مراتب متقدمة في لوائح الفشل الدولاتي التي تصدرها مختلف الهيئات الدولية وفق معايير معتمدة ومؤشرات ترصد الوضع التقييمي داخل الدولة.
التهديدات الإرهابية في الساحل
تحولت منطقة الساحل الإفريقي إلى فناء خلفي للجماعات الإرهابية خاصة في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتي تعود أصولها إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية.
حيث انتشرت التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي وفق رؤية “كانتي” عدة عوامل منها الوضع المتردي للحالة المعيشية بالإضافة إلى التدخل الأجنبي وانتشار جماعات التبشير بكثافة يضاف إليهم سهولة التنقل بين الدول والاحتكاك بالجماعات الجهادية في السودان وأفغانستان في ظل الوضع الاقتصادي السيئ والنزاعات القبلية والعرقية، حيث ظهرت تنظيمات متشددة في كل من موريتانيا، الجزائر، مالي وغيرها.[2]
يتواجد في منطقة الساحل الإفريقي عدد كبير من التنظيمات الإرهابية تؤثر على الوضع الأمني بشكل كبير في ظل ضعف الدولة، فبالرغم من اختلاف التنظيمات الإرهابية إلا أن الهدف مشترك وهو زعزعة أمن المنطقة الرخوة والتأثير عليها[3]، ويتمثل ذلك في تنظيم القاعدة الذي يبقى أهم المجموعات الإرهابية المتواجدة مع بروز سبعة مجموعات إرهابية أخرى تمثلت في “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الحركة الإسلامية الأزوادية، الموقعون بالدم…”.
سميت المنطقة بالبيئة الحاضنة للتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي حيث تضافرت عدة عوامل في استفحال الوضع الأمني المضطرب [4] نذكرها كالآتي:
- المساحة الشاسعة قليلة التأمين خاصة في مالي وموريتانيا.
- الدعم الأجنبي للجماعات الإجرامية.
- ضعف الأنظمة الحاكمة وضعف التنسيق الأمني الدولي.
- الاستدانة من الدول الكبرى.
- كثرة التدخلات الخارجية المصلحية.
- تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
- الفقر والعوز الاجتماعي.
- الانقلابات العسكرية
شهدت منطقة الساحل الأفريقي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، موجة انقلابات شملت سبع دول على طول الساحل الممتد من غينيا على المحيط الأطلسي، إلى السودان على البحر الأحمر. نجحت منها خمسة انقلابات عسكرية في كل من: مالي وبوركينا فاسو وغينيا والنيجر والغابون، وشهدت ثلاث دول أخرى انقلابات دستورية، هي: تونس وتشاد والسودان، وخلال الفترة نفسها تقريباً، أُحبطت محاولات انقلابية في غامبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وسيراليون وجزيرة ساو تومي وبرينسيب.
تتعدد دوافع تلك الانقلابات وظروفها، حيث يتهم الانقلابيون الأنظمة الحاكمة بالفساد وسوء الإدارة الاقتصادية، والإخفاق في مواجهة الحركات المسلحة؛ بشقيها الانفصالي والجهادي، التي تشكل تحدياً إضافياً للدول في تلك المنطقة. كما يشير تفاوت ردات الفعل الدولية تجاه هذه الانقلابات، إلى تعقيدات التنافس الإقليمي والدولي المحتدم بين القوى الكبرى الفاعلة هناك. ففرنسا والولايات المتحدة، بدرجة أقل، تتمسك بدعم الحكومات المنتخبة في البلدان التي واجهت انقلابات لأسباب لا علاقة لها بدعم الديمقراطية، بل بتوافق السلطات المعزولة مع مصالحها. فيما وجد لاعبون دوليون آخرون، في مقدمتهم روسيا، فرصة لتعزيز نفوذهم من خلال دعم الأنظمة والوجوه الجديدة في السلطة، مستغلة موجة السخط المتنامية بين شعوب المنطقة ضد المعسكر الغربي.[5]
تكاد تكون الظاهرة الانقلابية سمة ترافق الدولة في أفريقيا نظراً لعدد الانقلابات العسكرية فيها وذلك ما له الأثر البالغ في حالة عدم الاستقرار التي تطفو على سطح المشهد في الدولة الأفريقية، ولا تخرج الدولة في الساحل الأفريقي عن هذا السلوك الذي يعيق التقدم ويؤشر لحالة الفوضى والتدخلات الخارجية التي لطالما كانت سبباً رئيسياً في ظاهرة الانقلابات حينما تتعارض النظم مع الدول النافذة في القارة على غرار فرنسا.
الهشاشة الأمنية
بحكم حالة الفشل الدولاتي العام والعوامل الأخرى التي ساهمت في تقويض الدولة الساحل أفريقية والقصور الأمني الذي يعد أيضاً أحد أبرز المظاهر فيها، تعد الدولة الساحل أفريقية مناخاً خصباً وبيئة حاضنة للإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.
إذ تشكل هاته التهديدات الأمنية عنصراً مشتركاً تتقاطعه كل دول المنطقة نظراً للخصائص المشتركة سالفة الذكر.
العوامل المؤثرة في انفجار الوضع
كانت سياسات القيادة الحالية برئاسة أسيمي غويتا أحد محفزات الوضع المأزوم الحالي بعد احتكاره للسلطة وقراره حل الأحزاب والتنصل من اتفاق الجزائر بخصوص الأزواديين ومقاربته للحل الأمني على حساب السياسي في الشمال والذي انعكس سلباً على علاقة الشمال المالي بالسلطة في باماكو، كما تبرز اللغة الدبلوماسية الصدامية مع الجوار وعديد الأطراف كعامل آخر مضاف ساهم في تعفين الوضع أين تبنت السلطة في باماكو العداء للجزائر راعية اتفاق السلام مع الحركة الأزوادية إذ اتهمتها بالتدخل في الشؤون الداخلية المالية وذلك ما انسحب مع منظمة غرب أفريقيا وكذلك تونس في أزمة اللاجئين وموريتانيا أين شهدت العلاقة معها في حكم غويتا شد وجذب، وهذا ما جعل مالي معزولة عن محيطها إضافة إلى الموقف الفرنسي الرافض للانقلاب وإن كان ذلك مؤشراً لتصدع النفوذ الفرنسي في القارة السمراء بشكل عام.
الانخراط الروسي بعد الانسحاب الفرنسي
فرنسا هي الأخرى وهي استجمعت ترسانتها العسكرية وفككت قواعدها العسكرية التي أقامتها في مناطق حيوية بمالي، عندما حلت بها قبل 10 أعوام بهدف القضاء على الجماعات الإسلامية المسلحة التي رأتها توشك أن تبسط سيطرتها على مالي ومنطقة الساحل؛ غادرت هي الأخرى وخلّفت وراءها قيادة مالي معادية لها.
ويمكن إجمال أهم الخلاصات في هذا “الانسحاب” الفرنسي من مالي، والذي يحمل أبعاداً استراتيجية إقليمياً ودولياً فيما يلي:
أولاً: عسكرياً
أثناء التصدي وإنهاء المجموعات المسلحة في مالي والساحل، وباستثناء تصفية بعض الرموز القليلة لتلك الجماعات، فإن فرنسا غامرت بتدخل عسكري من دون رؤية واضحة في التعاطي مع حقائق المنطقة وتعقيداتها؛ إذ اندفعت فرنسا للمنطقة مختزلة مقاربتها في البعد الأمني العسكري، في غياب أي مبادرات للاستثمار أو إطلاق مشاريع تنموية تخفّف حدة الصعوبات الاقتصادية في بلد من أفقر دول العالم. وبعد سنوات من التدخل انتهت فرنسا؛ فلا هي حققت هدفها العسكري، ولا هي عززت نفوذها في المنطقة. سحبت باريس آخر جندي لها من مالي في منتصف أوت 2022، تاركة 3 أرباع مساحة البلاد تحت سيطرة المجموعات المسلحة، والربع الآخر تحت سيطرة حكم عسكري يحمل عداء سافراً لباريس.
فبعد 10 سنوات من التدخل، فشلت فرنسا في إحلال السلام في مالي ومنطقة الساحل. وخلال هذا التدخل قُتل 5622 من المدنيين في النيجر، و8200 في بوركينا فاسو، و12 ألفاً و143 في مالي، وواجهت القوات الفرنسية اتهامات بقتل مدنيين على سبيل الخطأ، كما واجهت اتهامات بتسليح جماعات قبلية للاستعانة بها عسكرياً؛ فارتكبت انتهاكات جسيمة في حق السكان، واستمرت الهجمات بعد إعلان الانسحاب في مالي وفي المنطقة. وعبرت الأمم المتحدة عن مخاوف جدية لإعادة تحول المنطقة مجدداً إلى حاضنة لإعادة تجمع العناصر والجماعات المتشددة، وقاعدة انطلاق لتنفيذ هجمات إرهابية.[6]
ثانياً: سياسياً
انعكس غياب رؤية متكاملة في التدخل العسكري الفرنسي في مالي ومنطقة الساحل سلباً على نتائج وحصيلة هذا التدخل؛ فبقدر ما حيّدت القوات الفرنسية بعض القيادات في المنطقة المحسوبة على الجماعات المسلحة، فإنها ظلت تتخبط في إدارة وجودها العسكري في منطقة شديدة التعقيد؛ فالمقاربة الأمنية التي تستعيد الروح الفرنسية الاستعمارية أشّرت منذ البداية إلى فشل المغامرة العسكرية في مالي والساحل.
ثالثاً: دبلوماسياً
المشهد اللافت أن فرنسا دخلت “منقذة” في 2013 فخرجت مطرودة في 2022. طبعاً فسرت باريس العداء المتصاعد ضدها في مالي بدور خفي للروس في تغذية العداء ضدها.
رابعاً: استراتيجياً
جاء التدخل الفرنسي في مالي بعد أن أغراها دورها العسكري بليبيا في إطار حلف الناتو للإطاحة بنظام القذافي ثم تصفيته. دور اعتقدت باريس أنه تمكين استراتيجي لها في ليبيا والمنطقة ككل، وأنه أعطاها الريادة واليد العليا في المنطقة، في ظل استراتيجية أميركية اختارت ما يعرف بـ”القيادة من الخلف”. ذلك الدور المتقدم لفرنسا لم ينظر له القادة الأفارقة في المنطقة بالارتياح المتوقع، وإنما كان محل انتقاد وتحفظ شديدين، وولّد مخاوف كثيرة من استعادة فرنسا إرثها الاستعماري في فرض معادلات الحكم الداخلية.[7]
شكل الانسحاب الفرنسي من مالي حالة من الفراغ الأمني هيأت المناخ الخصب للنشاط الإرهابي، وأمام عجز القيادة العسكرية في مجابهته قررت السلطة في باماكو تعويض التواجد الفرنسي بالتوجه والتحالف مع موسكو، وهذا ما ظهر في حضور فاغنر في مالي التي تحولت فيما بعد إلى الفيلق الأفريقي.
سعت روسيا إلى استغلال «الفراغ» الذي تركه الانسحاب العسكري الفرنسي من مالي، معززة وجودها العسكري والأمني في البلد الذي تعصف به الاضطرابات السياسية والأمنية [8]، فبعد أن قطعت الحكومة العسكرية في مالي علاقاتها مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا وعدد من الدول الغربية، اتجهت نحو تعزيز التعاون السياسي والعسكري مع روسيا بحثاً عن دعم أمني لمحاربة الجماعات المسلحة.
وكانت مجموعة فاغنر الروسية التي قاتلت إلى جانب القوات المالية منذ نهاية عام 2021 أعلنت إنهاء مهمتها في يونيو 2025، ليحلّ مكانها “الفيلق الأفريقي” الخاضع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية [9]، فاقتصر دورهم على تدريب الجيش المالي وحماية النظام الحاكم إضافة إلى المشاركة في العمليات ضد الجماعات المسلحة.
كانت تهدف روسيا إلى توسيع نفوذها في أفريقيا مع تقليل النفوذ الغربي والفرنسي وبناء تحالفات جديدة والذي من خلاله تسعى موسكو إلى موطئ قدم جديد بعد حصارها في أوكرانيا والعقوبات التي طالتها لتكون على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي ولتخفيف عزلتها وبحثاً عن تعزيز نفوذها لتحقيق مكانة استراتيجية لها، غير أن هذا التحالف مع السلطة في باماكو لم ينجح في مواجهة التحديات الأمنية المعلن من أجلها التحالف والذي ظهر فشله أمام التطورات الأخيرة على عكس النجاح السابق في أماكن أخرى.
واجهت مالي أخطر تحدّ أمني لها منذ سنوات، في ظل تصاعد غير مسبوق للعنف المسلح، وتداخل أدوار الجيش، والجماعات المسلحة والحركات الانفصالية، إلى جانب الحضور الروسي المتنامي.
اشتدّت أعمال العنف في مالي منذ السبت الماضي، عقب هجمات منسقة شنتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتعاون مع مسلحين طوارق انفصاليين، استهدفت عدداً من القواعد العسكرية في مدن متفرقة، شملت مناطق يقيم فيها مسؤولون حكوميون كبار.
وفي أهم التطورات الحالية ومع تسارع الأحداث، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً: «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس». وأضاف: «ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا، ولا مع أي دولة أخرى. مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو». وقال إن المتمردين ينظرون سلباً إلى التدخل الروسي. وأضاف أن الروس «دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، دمروا مدناً وقرى ودمروا مراكز صحية ومدارس ومصادر مياه».[10]
تداعيات الوضع في مالي على دول الجوار والاتحاد الأوروبي
تشهد مالي في عام 2026 تدهوراً أمنياً وسياسياً متسارعاً، حيث يواجه المجلس العسكري الحاكم تحديات وجودية تمثلت في هجمات واسعة النطاق من قبل متمردين إسلاميين وحركات أزوادية في الشمال، مما أدى إلى سيطرة المسلحين على مدن استراتيجية مثل كيدال وغاو. هذا الوضع أثار مخاوف عميقة لدى دول الجوار والاتحاد الأوروبي.
وإن كان الوضع في مالي عموماً قبل الحرب مصدراً للفوضى غير أن مفقامته الحالية تنذر بفوضى لن تبقى حدودها داخل مالي فحسب بل ستجر معها الإقليم إلى مستنقع أزموي بحكم العدوى الإقليمية، أبرز تداعيات الوضع في مالي:
على دول الجوار (منطقة الساحل والمغرب العربي):
- زعزعة استقرار المنطقة: من المتوقع أن يؤدي انهيار المجلس العسكري في مالي إلى حالة من الفوضى، مما يهدد بنقل العدوى الأمنية إلى دول الجوار بشكل عميق.
- تهديد أمني مباشر للمغرب العربي: يتهدد الخطر المباشر دول الجوار المغاربي، وخاصة موريتانيا والجزائر وتونس، نتيجة تصاعد النشاطات المسلحة.
- تصاعد الهجمات المنسقة: تشهد مالي تصعيداً نوعياً في شمالها وجنوبها من قبل جماعات جهادية وحركات أزوادية تسعى لإضعاف السلطة المركزية، مما يعقد الوضع الأمني الإقليمي.
- تهديد المنشآت الطاقوية جنوب الجزائر، إذ سبق وتعرضت لاعتداء إرهابي على منشآتها الطاقوية، كما كان أيضاً لانهيار الوضع في ليبيا وانتشار السلاح الذي رافقها بالغ الأثر في الاعتداء الإرهابي الذي استهدف الجزائر وهذا ما يجعل هذه الأخيرة تترقب في حدودها الجنوبية إضافة إلى موجات النزوح الإنساني وما تسببه من ضغوط على اقتصادها.
على الاتحاد الأوروبي (وخاصة فرنسا):
- خسارة استراتيجية ونفوذ: يمثل الوضع ضربة استراتيجية مباشرة للمصالح الأوروبية، حيث فقدت أوروبا قدرتها على التأثير في الساحل بعد انسحاب القوات الفرنسية وتحالف المجلس العسكري في مالي مع روسيا.
- تزايد خطر الإرهاب والهجرة: يخشى الاتحاد الأوروبي من تحول مالي إلى ملاذ آمن للجماعات المسلحة، مما يزيد من تدفقات الهجرة غير الشرعية والإرهاب.
تبرز الهجرة غير الشرعية كأولوية قصوى لدول الاتحاد الأوروبي باعتبار دول الساحل أحد مصادرها الرئيسية وهذا ما جعل الحكومة الإيطالية على سبيل المثال تكثف التعاون مع جنوب المتوسط كونها بوابات للهجرة الوافدة، فمن شأن تردي الأوضاع في مالي أن يدفع بموجات نزوح جماعي للضفة الأوروبية وهذا ما من شأنه أن يشكل عبئاً على الاقتصاديات الأوروبية في ظل الأزمات الاقتصادية بعد الحرب الروسية الأوكرانية، كذلك تصاعد الإرهاب الذي يعد أيضاً من شواغل أوروبا نظراً للمصالح الغربية في المنطقة.
- فشل المقاربة الأمنية: أدى غياب الحوار الشامل وتراجع الدور الغربي إلى تعقيد الوضع، حيث وصفت التطورات بأنها حالة “انسداد سياسي” تعقب انسحاب القوات الفرنسية.
باختصار، الوضع في مالي عام 2026 يمثل منعطفاً خطيراً، حيث تحولت من أزمة داخلية إلى تهديد أمني إقليمي يؤثر بشكل مباشر على استقرار الجوار الأوروبي والأفريقي.[11]
الخاتمة
إضافة إلى العوامل السياسية المتراكمة التي شكلت صورة الدولة في مالي اليوم شكل الانسحاب الفرنسي وما رافقه من تحولات في سياسة القادة العسكريين في مالي مع الغرب عموماً وفرنسا خصوصاً وتوجههم نحو موسكو وسياستهم الاندفاعية بالداخل على غرار حل الأحزاب والتنصل من اتفاقية الجزائر الخاصة بالأزواد في الداخل ومع الجوار، الإيكواس والجزائر عاملاً في تحفيز الوضع والدفع به نحو سيناريوهات مجهولة تلقي بظلالها على المنطقة والاتحاد الأوروبي بشكل غير مباشر ويحول مالي إلى بؤرة للتوتر وتصدير الأزمات.
وفي ظل التنافس الدولي على مقدرات مالي وعموم منطقة الساحل الذي يعد دوراً سالباً على حساب استقرار الإقليم ككل.
المراجع والمصادر
1- عمراني رباب، مسعود شنان، الاستراتيجية الجزائرية تجاه منطقة الساحل الأفريقي الواقع والآفاق، المجلة الأكاديمية للبحوث السياسية والقانونية، المجلد السادس، العدد الثاني، الجزائر، 2022.
2- بن يطو بن زيدان، المعضلات الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي وتداعياتها على الأمن الوطني للجزائر، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، تخصص العلاقات الدولية، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر 03، الجزائر 2023.
3- محمد طيفوري، صهيب محمود، انقلابات الساحل: الأسباب الداخلية وتأثيرات التنافس الدولي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، سبتمبر 2023.
4- جلال الورغي، الخيبة الفرنسية في مالي انسحاب بطعم الهزيمة، الجزيرة، من الموقع الإلكتروني: Www.aljazeera.net/opinions تم التصفح بتاريخ 01/05/2026.
5- روسيا تملأ الفراغ الفرنسي في مالي بتعزيز حضورها العسكري، الشرق الأوسط، الصحيفة الأولى، من الموقع الإلكتروني: https://aawsat.com/home/article/ تم التصفح في 01/05/2025.
6- انسحبت من القتال.. ما دور روسيا في أحداث مالي؟، الجزيرة، من الموقع الإلكتروني: https://www.aljazeera.net/news/ تم التصفح بتاريخ 01/05/2025.
7- تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب، الشرق الأوسط، الصحيفة الأولى، من الموقع الإلكتروني: https://aawsat.com/. F بتاريخ 01/05/2025.
8- أزمة مالي والتدخل الخارجي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من الموقع الإلكتروني: https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/Frances_Recent_Military_Intervention_in تم التصفح بتاريخ 01/05/2026.
الهوامش
[1] عمراني رباب، مسعود شنان، الاستراتيجية الجزائرية تجاه منطقة الساحل الأفريقي الواقع والآفاق، المجلة الأكاديمية للبحوث السياسية والقانونية، المجلد السادس، العدد الثاني، الجزائر، 2022 ص 1598.
[2] بن يطو بن زيدان، المعضلات الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي وتداعياتها على الأمن الوطني للجزائر، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، تخصص العلاقات الدولية، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر 03، الجزائر 2023، ص 147.
[3] نفس المرجع، ص 152.
[4] نفس المرجع، ص 165.
[5] محمد طيفوري، صهيب محمود، انقلابات الساحل: الأسباب الداخلية وتأثيرات التنافس الدولي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، سبتمبر 2023 ص 1.
[6] جلال الورغي، الخيبة الفرنسية في مالي انسحاب بطعم الهزيمة، الجزيرة، من الموقع الإلكتروني: تم Www.aljazeera.net/opinions تم التصفح بتاريخ 01/05/2026.
[7] نفس المرجع.
[8] روسيا تملأ الفراغ الفرنسي في مالي بتعزيز حضورها العسكري، الشرق الأوسط، الصحيفة الأولى، من الموقع الإلكتروني: https://aawsat.com/home/article/ تم التصفح في 01/05/2025.
[9] انسحبت من القتال.. ما دور روسيا في أحداث مالي؟، الجزيرة، من الموقع الإلكتروني: https://www.aljazeera.net/news/ تم التصفح بتاريخ 01/05/2025.
[10] تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب، الشرق الأوسط، الصحيفة الأولى، من الموقع الإلكتروني: https://aawsat.com/. F بتاريخ 01/05/2025.
[11] أزمة مالي والتدخل الخارجي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من الموقع الإلكتروني: https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/Frances_Recent_Military_Intervention_in تم التصفح بتاريخ 01/05/2026.


